رؤى

تساؤلات حول: تشكيل المجلس التشريعي في السودان

في ظل حربٍ طاحنة وانقسامٍ سياسي غير مسبوق، يعود ملف تشكيل المجلس التشريعي في السودان إلى الواجهة؛ بعد أن ظل حبيس نصوص الوثيقة الدستورية لما يقارب الستة أعوام دون أن يرى النور. إعلان الفريق أول عبدالفتاح البرهان، الأسبوع الماضي، بدء مشاورات مع قوى سياسية في الداخل لتشكيل المجلس، يطرح عددا من أسئلة جوهرية حول التوقيت والآليات والوظائف والمآلات؛ خاصةً أن هذه الخطوة تأتي بينما تتواصل المعارك، وتتعمق القطيعة بين قوى الداخل المساندة للجيش وقوى الخارج المناهضة للحرب.

هنا -في هذا السياق- لنا أن نطرح التساؤلات التالية:

أولا: كيف يُشكَّل مجلس تشريعي في أجواء حرب وانقسام؟

في السياقات الانتقالية الطبيعية، يُفترض أن يُشكَّل المجلس التشريعي عبر توافق سياسي واسع، يعكس التنوع الجغرافي والسياسي والاجتماعي، ويمنحه حدًا أدنى من الشرعية. غير أن الواقع السوداني الراهن يفتقد هذا الشرط الأساسي. فالحرب عطّلت المجال العام، وأضعفت التنظيمات السياسية، ودفعت جزءا معتبرا من الفاعلين إلى الخارج، بينما أعادت تشكيل موازين القوة داخل البلاد لصالح أطراف بعينها.

في مثل هذه الأجواء، يصبح تشكيل المجلس التشريعي “عملية فوقية” أكثر منها عملية “توافقية”، تقودها السلطة القائمة فعليا على الأرض، وتستند إلى مشاورات انتقائية مع قوى تصنَّف بوصفها “قوى الداخل”. هذا النمط لا ينتج مجلسا يمثل الإرادة العامة، بقدر ما يعكس ميزان القوى السياسي والعسكري اللحظي. أضف إلى ذلك، أن أن غياب قوى رئيسة – سواء تلك الرافضة للحرب، أو التي ترى في الخطوة إعادة إنتاج للسلطة- يضعف من شمولية التشكيل، ويجعل المجلس عرضة للتشكيك منذ لحظة ميلاده.

ثانيا: ما الدور المفترض للمجلس التشريعي ومهامه؟

نصّت الوثيقة الدستورية على أن يكون المجلس التشريعي سلطةً رقابية وتشريعية، تضطلع بسن القوانين، ومراقبة أداء الجهاز التنفيذي، والمصادقة على السياسات العامة والموازنة والاتفاقيات الدولية. كما يُفترض أن يشكّل منبرا للنقاش العام حول قضايا الانتقال والعدالة والسلام وإعادة بناء الدولة.

غير أن هذه المهام -في واقع الحرب- تصطدم بجملة من القيود؛ فالتشريع في زمن الطوارئ غالبا ما ينحصر في قوانين أمنية واستثنائية، والرقابة تصبح محدودة في ظل سيطرة المؤسسة العسكرية على القرار السيادي والمالي. وبالتالي، فإن المجلس -إن تشكّل- قد يجد نفسه مقيد الصلاحيات، أو محصورا في أدوار شكلية تمنح غطاءً سياسيا لقرارات تُتخذ خارج قاعاته.

ثالثا: من هم أطراف المجلس المحتملون؟

المؤشرات الأولية تفيد بأن الأطراف المرشحة للمشاركة هي قوى سياسية وحركات مسلحة وشخصيات أهلية موجودة داخل البلاد، أو متماهية مع خطاب دعم “الدولة والجيش”. في المقابل، تبدو قوى مدنية مركزية، مثل تحالفات الثورة التقليدية خارج المعادلة، إما بسبب وجودها في الخارج، أو رفضها المشاركة في مؤسسات تُشكَّل في ظل الحرب وتحت سلطة الأمر الواقع.

وبالرغم من أننا -بشكل شخصي- مع الدولة السودانية وجيشها، إلا أن هذا التكوين المرجّح يثير إشكالية التمثيل. فبدلا من مجلس يعكس التعدد السياسي والاجتماعي، قد ينشأ مجلس “أحادي الميل”، يغلب عليه تيار سياسي أو أمني واحد، مع حضور رمزي لتنوع محدود. وفي هذه الحالة، يفقد المجلس صفته بوصفه مساحة جامعة، ويتحوّل إلى ساحة صدى لخطاب السلطة.

رابعا: هل يصبح المجلس أداة للصراع السياسي؟

في ظل الانقسام الحاد بين قوى الداخل وقوى الخارج، وبين مؤيدي الحرب ورافضيها، يواجه المجلس التشريعي خطر التحول إلى “أداة” في الصراع السياسي القائم بسبب الصراع العسكري، بدلا من أن يكون آلية لتنظيمه. فبدلا من إنتاج تشريعات توافقية، قد يُستخدم المجلس لتصفية الحسابات السياسية، أو لإضفاء شرعية قانونية على إقصاء خصوم بعينهم تحت مسميات مختلفة.

كما أن غياب الإجماع الوطني حول شرعية المؤسسات الانتقالية، يجعل أي قرارات تصدر عن المجلس محل نزاع، وقد تُستخدم “ذخيرة سياسية” في المحافل الإقليمية والدولية، إما للدفاع عن السلطة القائمة أو للطعن فيها. وبدلا من تخفيف الاستقطاب، قد يسهم المجلس -بصيغته المتوقعة- في تعميقه وتقنينه.

خامسا: ماذا يضيف المجلس إلى المشهد السياسي الدامي؟

السؤال الأهم ليس ما الذي ينص عليه القانون، ولكن مالذي يُضيفه الواقع؟!

فإذا جاء المجلس التشريعي إضافة شكلية، لا تملك القدرة على وقف الحرب، أو التأثير في مسارها، أو فتح أفق سياسي جديد، فإنه سيُنظر إليه بوصفه جزءا من إدارة الأزمة لا حلا لها. بل، قد يُفسَّر تشكيله باعتباره محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بما يخدم استمرار السلطة القائمة، لا انتقالها.

مع ذلك، لا يمكن إنكار أن وجود مجلس تشريعي -حتى في حدوده الدنيا- قد يوفّر منصة داخلية للنقاش السياسي، ويحدّ نسبيا من الحكم بالمراسيم، ويفتح ثغرة لإعادة السياسة إلى المجال العام. غير أن هذا الاحتمال يظل مشروطًا بمدى استقلالية المجلس، وقدرته على تجاوز الاصطفاف الحاد، واستعداده لطرح قضايا الحرب والسلام والعدالة بجرأة.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن تشكيل المجلس التشريعي في السودان، في هذا التوقيت الدقيق، يعكس تناقضات المرحلة الانتقالية نفسها: الرغبة في استكمال الهياكل الدستورية، في مقابل واقع حرب يقوّض أسس التوافق والشرعية. وبينما قد يُقدَّم المجلس بوصفه خطوة نحو استعادة الدولة، فإن خطر تحوّله إلى أداة صراع أو واجهة سياسية يظل قائما بقوة.

المسألة، في جوهرها، لا تتعلق بوجود مجلس من عدمه، وإنما بطبيعة هذا المجلس ومن يُمثل.. وما الغاية من تشكيله؟ ففي بلدٍ ينزف، لا يكفي إنشاء مؤسسة جديدة، ما لم تكن جزءا من مسار أوسع يضع وقف الحرب، وبناء الاستقرار، وإعادة تأسيس الشرعية، في قلب العملية السياسية. دون ذلك، سيبقى المجلس التشريعي -كغيره من مؤسسات الانتقال- عالقا بين النص والواقع، وبين الأمل والخذلان.

وبكلمة.. فإن تشكيل المجلس التشريعي في السودان اليوم يشبه بناء السقف قبل الجدران، في منزل تهتز أركانه. فالمؤسسات التشريعية تفترض مسبقا وجود حد أدنى من الاستقرار السياسي والاجتماعي، وبيئة تسمح بالتنافس السلمي على السلطة عبر آليات ديمقراطية.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى