ترجمة: أحمد بركات
نشرت وزارة العدل الأمريكية -الجمعة الماضية- أكثر من 3 ملايين وثيقة، تضمنت أكثر من 2000 مقطع فيديو و18 ألف صورة وعددا من المراسلات المتعلقة بالممول وتاجر الجنس الأمريكي جيفري إبستين.
وتربط هذه الوثائق بين إبستين، الذي كان يدير شبكة دعارة تتاجر بالأطفال لأغراض الاستغلال الجنسي، والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ومستشاره السابق ستيف بانون، والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، وإيلون ماسك الذي يتربع على عرش أغنياء العالم، وسلفه بيل جيتس، والأمير أندرو، الأمير السابق للمملكة المتحدة والذي كان يُلقب بالدوق، ووزير الخزانة ورئيس جامعة هارفارد السابق لورنس سومرز، ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، وآخرين من كبار رجال السياسة والاقتصاد والأكاديميين والمشاهير.
فبعد إدانته في فلوريدا عام 2008، بتهمة الاستغلال الجنسي للقاصرات، تمكن ألكسندر أكوستا، الذي شغل لاحقا منصب وزير العمل في إدارة ترمب، من إبرام صفقة مثيرة للجدل لصالح إبستين تقضي بسجنه 15 شهرا فقط في إحدى المقاطعات مع السماح له بالعمل خارج السجن.
ووفق تقريره نشرته صحيفة Daily Beast في عام 2019، فقد أخبر أكوستا بعض المسئولين في فريق ترمب الانتقالي، بأنه ألغى الصفقة بعدما طُلب منه التراجع بحجة أن إبستين “فوق مستوى أعماله”، وأنه “ينتمي إلى جهاز استخباراتي”، وأن “عليك أن تتركه وشأنه”.
وفي يوليو 2019، ألقي القبض مرة أخرى على إبستين، على خلفية تهم فيدرالية تتعلق بالإتجار الجنسي. وفي 10 أغسطس وُجد إبستين ميتا في زنزانته في “مركز متروبوليتان الإصلاحي” في مانهاتن. وعلى الفور، ودون إجراء أي تحقيقات جادة، صنفت الحكومة ووسائل الإعلام الحادثة بأنها حالة انتحار.
وبرغم توافر الأدلة، لم توجه أي اتهامات ضد أي من عملاء إبستين من كبار السياسيين ورجال الأعمال، ناهيك عن إدانتهم.
وبرغم إنكار هؤلاء الأشخاص النافذين ـالذين يديرون حكومات وبنوك وشركات بأكملها، ممن وردت صورهم وأسماؤهم في الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأمريكيةـ أي معرفة من جانبهم بطبيعة الأعمال التي كان يقوم بها إبستين، إلا أن حجم علاقاته الهائل ونطاق شبكته الواسع يشير بجلاء إلى حقيقة الطغمة الحاكمة الأمريكية ذاتها.
ورغم الإفراج عن الوثائق، إلا أن التضليل لا يزال يحيط بجميع تفاصيلها، ويشمل ذلك المعلومات المنشورة والمحجوبة على السواء. في هذا السياق ورد بيان نُشر مساء الجمعة 30 يناير، وهو اليوم الذي نُشرت فيه الوثائق، ووقَّعت عليه 20 ضحية من ضحايا إبستين، أنه “روِّج لنشر ملفات جيفري إبستين اليوم، على أنه عمل من أعمال الشفافية، ولكنه في الحقيقة ليس سوى فضح للضحايا الناجيات، حيث كُشف -مرة أخرى- عن أسماء الناجيات وبياناتهن الشخصية، فيما يظل الرجال الذين اعتدوا علينا محجوبين ومحميين”.
وتبقى الأسئلة السياسية الأكثر جوهرية دون إجابات، وستظل كذلك ما دام الأمر بيد الطبقة الحاكمة. فإبستين لا يعمل بشكل مستقل، ما يثير تساؤلات بشأن الجهة التي يخدم مصالحها، وما إذا كان يعمل لصالح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “CIA”، أو الموساد، أو أي وكالة استخباراتية أخرى، وبخاصة أنه لم يجر أي تحقيق بشأن ادعاء أكوستا بأنه “ينتمي إلى جهاز استخباراتي”.
وبغض النظر عن الأشخاص المتورطين، فإن فضيحة إبستين تكشف عن شخصية تلك الطبقة الاجتماعية. فقد راكمت “الأوليغارشية” الأمريكية ثرواتها عبر التطفل والاستغلال والمضاربة والاحتيال. فهي، من حيث جوهرها الاجتماعي وأساليبها في جمع الثروات، ترتكب أعمالا إجرامية خلال وجودها على قمة هرم السياسة الأمريكية، ومن ثم فإن ثرواتها تمثل نتاج عمليات التلاعب المالي والاحتيال المؤسسي والتربح من الحروب واستغلال مليارات البشر.
وتعتقد القلة الحاكمة في الولايات المتحدة أنها فوق القانون. ويجسد الرئيس الأمريكي هذه الطبقة بامتياز باحتقاره للمعايير الديمقراطية وتحريضه على العنف وإشعال الحروب. ولا تعتد إدارته بالدستور أو القانون الدولي وتجاهر بحقها في قتل الأفراد سواء كانوا مواطنين أمريكيين أو غير ذلك متحصنين -على حد تعبير نائب الرئيس جيه دي فانس- بـ “الحصانة المطلقة”.
وإذا كانت الطبقة الحاكمة الأمريكية غارقة في الانحطاط السياسي والاجتماعي والقانوني والأخلاقي، فإن ملفات إبستين ليست سوى تجسيد لذلك.
https://www.wsws.org/en/articles/2026/02/02/wepr-f02.html








