رؤى

السُنن الإلهية في القصص القرءاني.. قوانين حاكمة

لعله من نافلة القول أن القرءان الكريم لا يعرض القَصَص بوصفه سجلا تاريخيا للأحداث الماضية، ولا يقص أخبار الأمم الغابرة لمجرد العظة الوجدانية أو التسلية الروحية، وإنما يتخذ من التاريخ وسيلةً لكشف “القوانين الإلهية الحاكمة” لحركة الإنسان وسير الأمم. فالقَصَص القرءاني ليس خطابا عن الماضي، بقدر ما هو خطابٌ موجه للحاضر والمستقبل، يضع بين يدي الإنسان مفاتيح فهم التاريخ، ويكشف له عن السنن الربانية الثابتة، التي لا تتبدل بتبدل الأزمنة ولا تتغير بتغير الأمكنة. ولهذا يؤكد التنزيل الحكيم أن غايته ليست الرواية، بل الاعتبار؛ يقول سبحانه وتعالى: “لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ” [يوسف: 111].

إن “العِبرة” الكبرى في القصص القرءاني (والعِبرة: مفرد عِبر وعِبرات، وتعني الاتعاظ؛ وهي تحمل، من حيث الدلالة، مؤشر على “العبور من جانب إلى جانب آخر”.. هذا، من حيث العِبرة بكسر العين؛ أما العَبرة بالفتح، فهي “الدمعة قبل أن تفيض”، وهي أيضا تحمل المؤشر على العبور من حالة إلى أخرى.. إنسانيا).. هذه العِبرة، تكمن في الانتقال من سؤال “ماذا حدث؟” إلى سؤال “ما القانون الذي حكم ما حدث؟”.. إذ لا يهم القرءان الكريم -من المنظور المنطقي- أن يحيط القارئ بكل تفاصيل الوقائع، بقدر ما يهمه أن يكشف له عن “المنطق الإلهي” الذي يسير به التاريخ.

ومن هنا، يصبح القصص القرءاني مدرسة سننية كبرى، تُعلِّم الإنسان كيف تُبنى الأمم، ولماذا تنهار الحضارات، وكيف تتكرر النتائج كلما تكررت الأسباب؟!

السُنن الإلهية

في مقال سابق حول: “السُنن الإلهية في القصص القرءاني.. قراءة أولية”، تناولنا “أربع” من هذه السُنن الإلهية، هي: سنة التمكين والاستخلاف المشروط، وسنة التدافع بين قوة الحق والباطل، وسنة التغيير الحضاري المرتبط بتغيير النفوس، وسنة الابتلاء والتمحيص واختبار الإيمان.. وهنا سنحاول أن نتناول عددا آخر من هذه السُنن.

خامسا: سُنة الجزاء من نفس العمل

يُظهر التنزيل الحكيم التناسب بين الفعل والعقاب أو الثواب في القصص القرءاني. ضمن الأمثلة التي ترد في القرءان، قوم لوط؛ يقول سبحانه وتعالى: “وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ” [الأعراف: 80]. لذا عوقبوا بنقيض فعلهم: قلب الأرض عليهم. يقول سبحانه: “وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ” [الأعراف: 84]؛ ويقول تعالى: “وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ” [الشعراء: 173].

أما عن طبيعة هذا “المطر”، وكيف قُلبت عليهم الأرض، يقول سبحانه: “فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ” [هود: 82]. أما نبي الله لوط عليه السلام، فقد نجاه رب العالمين من هذا العقاب، كما يؤكد ذلك قوله تعالى: “فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ” [الأعراف: 83].

سادسا: سُنة الهلاك بسبب الظلم

هذه السنة يمكن اعتبارها من أخطر السُنن الإلهية التي ترد في القرءان الكريم. فالتنزيل الحكيم يُقرر أن الظلم هو العامل الحاسم في سقوط الأمم؛ فيقول عزَّ وجل: “وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ” [هود: 117]. وتكشف قصص فرعون وقارون أن الطغيان حين يبلغ مداه يصبح إعلانا عن قرب النهاية، مهما بلغت القوة والثراء.

إن فرعون، الذي استعبد الناس، كما يؤكد ذلك قوله عزَّ من قائل: “فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ” [النازعات: 24]؛ عوقب بالهلاك؛ إذ، يقول تبارك وتعالى: “فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ ٭ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ” [النازعات: 25-26]. وقد كان هذا الهلاك بـ”الإغراق”؛ فلما أُغرق في البحر صار مُستضعفًا. يقول سبحانه وتعالى: “وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ” [يونس: 90]. ولذلك، كان “التعقيب” الإلهي هو قوله سبحانه: “ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٭ فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ” [يونس: 91-92].

والقرءان الكريم يُقرر هذه السُنة الإلهية، “هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ”، وذلك بوصفها “قانونا” حاكما للإنسان؛ فيقول تعالى: “مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ ٭ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ” [النمل: 89-90].

سابعا: سُنة تحقيق النصر “المشروط”

من السنن المركزية في القصص القرءاني، تأتي هذه السُنة “سُنة النصر المشروط”. فالقرءان لا يقدم النصر بوصفه نتيجة تلقائية للانتماء الديني؛ بل يربطه بتحقق شروط أخلاقية وسلوكية واضحة. ففي قصة بني إسرائيل، يظهر أن وجود النبي بينهم لم يمنع التيه أربعين سنة، حين خالفوا الأمر الإلهي، كما جاء على لسانهم، في قوله سبحانه وتعالى: “قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ” [المائدة: 24]. فما كان من نبي الله موسى عليه السلام، إلا أن نادى رب العالمين، كما في قوله سبحانه: “قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ” [المائدة: 25]. فاستحق هؤلاء “ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ”، العقاب الإلهي الذي ورد في قوله تعالى: “قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ” [المائدة: 26].

وعلى النقيض، تؤكد قصة طالوت أن النصر قد يتحقق مع قلة العدد، إذا اكتمل الصبر واليقين، “كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ”؛ كما يؤكد ذلك قوله عزَّ وجل: “… فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ” [البقرة: 249].

فالقصص القرءاني، هنا يُرسخ مبدأً حاسما: النصر ليس مكافأة على الشعارات، ولكنه ثمرة للالتزام بالسُنن الإلهية الحاكمة لمسيرة الإنسان على الأرض.

ولعل سُنة “النصر المشروط”، تتواكب مع ما يُطلق عليه “سُنة الأخذ بالأسباب”.. إذ، ينفي القصص القرءاني الوهم القائل بأن الإيمان يعفي من العمل داخل القوانين الكونية. إذ إن هذا هو “الجهل بعينه”. إن نبي الله نوح عليه السلام لم يُنقَذ بالدعاء المجرد، وإنما بصنع “ٱلۡفُلۡكَ”، كما يرد في قوله عزَّ من قائل: “وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ” [هود: 37].. ونبي الله يوسف عليه السلام، لم يكتفِ بتأويل الرؤيا، وإنما وضع خطة اقتصادية دقيقة، كما ورد في قوله تبارك وتعالى: “قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ” [يوسف: 47].

وهذه القصص تؤكد أن السُنن لا تُخرق من أجل المتواكلين، وأن التوكل الحقيقي هو العمل ضمن القوانين لا تعطيلها.. أو الاستهانة بها.. وللحديث بقية.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى