في لحظة سياسية و”أخلاقية” نادرة داخل مجلس العموم البريطاني، لم تكتفِ وزيرة الخارجية إيفيت كوبر بوصف ما جرى في السودان منذ اندلاع الحرب، وإنما أعادت تعريفه بوصفه فشلا جماعيا للمجتمع الدولي. حين تحدثت عن “التردد والخذلان الكارثي”، لم تكن تشير فقط إلى بطء الاستجابة، ولكن إلى نمط متكرر من التعامل مع أزمات الأطراف بوصفها شئونا هامشية، تُدار بالبيانات لا بالقرارات، وبالتمنيات لا بالالتزامات.
ومع اقتراب النزاع من نهاية عامه الثالث (اندلعت الحرب في السودان في: 15 أبريل 2023)، لم يعد السودان مجرد ساحة حرب داخلية، وإنما تحوّل إلى عقدة جغراسياسية تهدد توازن الإقليم الممتد من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر، وتفرض نفسها بقوة على حسابات القوى الكبرى.
هذا التحول هو ما يفسر انتقال الخطاب الدولي من مرحلة الإدانة “البروتوكولية”، إلى ما يمكن تسميته بـ”الضغط الممنهج”. فالمشهد السوداني، بما يحمله من انهيار مؤسسي، وكارثة إنسانية غير مسبوقة، وتشابك مصالح إقليمية ودولية، بات مرآة لمدى قدرة النظام الدولي على التعلم من أخطائه السابقة. ومن هنا، تستثمر لندن رئاستها الحالية لمجلس الأمن لتغيير موقع السودان في جدول الأعمال الدولي، من “أزمة منسية” إلى “أولوية قصوى”، ليس بدافع أخلاقي صرف، ولكن انطلاقا من حسابات استراتيجية واضحة.
الدوافع البريطانية تنبع أولا من الإرث التاريخي والسياسي. فبريطانيا بوصفها القوة الاستعمارية السابقة، ما تزال تُدرك أن انهيار السودان الكامل سيُسجَّل بوصفه فشلا سياسيا لها، خاصة بعد أن لعبت أدوارا مؤثرة، مباشرة وغير مباشرة، في مسار الانتقال بعد عام 2019. لكنها -في الوقت نفسه- تنظر إلى السودان من زاوية الأمن الإقليمي: البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم، بات مهددا بسلسلة من الاضطرابات المتصلة، من اليمن إلى القرن الأفريقي، والسودان يمثل الحلقة الأضعف والأكثر قابلية للانفجار.
كما أن لندن ترى في الحرب السودانية ثانيا، اختبارا لمفهوم “الدبلوماسية الوقائية” الذي تروّج له منذ سنوات. فاستمرار النزاع يعني موجات لجوء جديدة نحو أوروبا، وتنامي شبكات التهريب، وتوسّع نفوذ الفاعلين غير الدوليين، وهي جميعها كوابيس أمنية لصانع القرار البريطاني. لذلك، فإن الضغط من أجل خارطة طريق للانتقال المدني لا يُقرأ فقط بوصفه دعما للديمقراطية؛ بل، كآلية لإعادة إنتاج الدولة السودانية بوصفها شريكا قابلا للتعامل، لا عبئا دائما.
أما برلين، من جانب آخر، فتدخل المشهد من زاوية مختلفة لكنها مُكَمِلة. فالدور الألماني في الملف السوداني يعكس تحوّلا أوسع في السياسة الخارجية الألمانية بعد حرب أوكرانيا، حيث باتت برلين أكثر استعدادًا للعب أدوار سياسية نشطة خارج محيطها التقليدي. السودان، بالنسبة لألمانيا، ليس فقط أزمة إنسانية كبرى – وهي بالفعل أكبر أزمة نزوح في العالم اليوم – بل هو أيضا مختبر لقدرتها على الربط بين المساعدات الإنسانية، والاستقرار السياسي، ومنع الانهيار طويل الأمد للدول الهشة.
الدافع الإنساني يظل مركزيا في الحسابات الألمانية. فبرلين هي أحد أكبر المانحين للمساعدات الدولية، لكنها باتت تدرك أن ضخ الأموال في غياب أفق سياسي واضح لا ينتج سوى إدارة للأزمة، لا حلا لها. من هنا، يأتي إصرارها على أن يكون “مؤتمر برلين” ليس مجرد مؤتمر تعهدات مالية، ولكن منصة سياسية تُربط فيها المساعدات بشروط تتعلق بوقف الحرب، وحماية المدنيين، والعودة إلى مسار انتقالي مدني.
في الوقت نفسه، تنظر ألمانيا إلى السودان بوصفه نقطة تقاطع بين قضايا الهجرة، والأمن الأوروبي، والتنافس الدولي. فاستمرار الفوضى يعني مزيدا من الضغوط على دول الجوار، ثم على أوروبا نفسها. كما أن الفراغ السياسي يفتح المجال أمام قوى دولية منافسة لتعزيز نفوذها، وهو ما لا ترغب برلين في حدوثه دون أن يكون لها موطئ قدم سياسي فاعل.
في هذا السياق، يبرز مؤتمر برلين (المقرر عقده في أبريل المقبل، 2026)، كأحد أهم الرهانات الدولية على كسر الجمود. فالمؤتمر لا يسعى فقط إلى انتزاع تعهدات مالية ضخمة، وإنما إلى بناء جبهة سياسية موحدة تضم “المجموعة الرباعية” (السعودية، الإمارات، مصر، بريطانيا)، إلى جانب الاتحاد الأفريقي، في محاولة لإعادة توحيد مسار الوساطة الذي تشتت بين مبادرات متعددة ومتنافسة.
أهمية هذه الصيغة تكمن في الاعتراف الضمني بأن أي حل في السودان لا يمكن أن يُفرض من خارج الإقليم، ولا أن يُدار بمعزل عن القوى الإقليمية المؤثرة. فالدول الأربع، رغم تباين مصالحها، تشترك في القلق من استمرار الحرب، وفي الرغبة في منع تفكك الدولة السودانية. أما الاتحاد الأفريقي، فيمثل الغطاء الشرعي الأفريقي الذي يمنح أي خارطة طريق حدا أدنى من القبول الإقليمي.
لكن احتمالات مؤتمر برلين تبقى مفتوحة على أكثر من سيناريو…
السيناريو الأول، والأكثر تفاؤلا، يتمثل في نجاح المؤتمر في توحيد الموقف الدولي والإقليمي حول إطار سياسي واضح، يربط بين وقف إطلاق النار، وإجراءات إنسانية عاجلة، ومسار انتقالي تقوده قوى مدنية سودانية. في هذا السيناريو، قد نشهد بداية ضغط حقيقي على أطراف الحرب، عبر أدوات سياسية واقتصادية، لإجبارها على الانخراط في تسوية.
السيناريو الثاني، وهو الأكثر واقعية، يتمثل في تحقيق اختراق جزئي: تعهدات مالية مهمة، وتوافق عام على مبادئ الانتقال المدني، دون القدرة على فرض آليات تنفيذ ملزمة. في هذه الحالة، سيظل المؤتمر خطوة إلى الأمام، لكنه لن يكون نقطة تحول حاسمة، وإنما جزءا من مسار طويل ومعقد.
أما السيناريو الثالث، والأكثر تشاؤما، فيكمن في فشل المؤتمر في تجاوز الانقسامات الدولية والإقليمية، وتحوله إلى منصة خطابية جديدة، تضاف إلى سجل المؤتمرات التي لم تغيّر شيئا على الأرض السودانية. هذا السيناريو يظل ممكنا إذا لم تُقرن الوعود بأدوات ضغط حقيقية، وإذا استمر التعامل مع أطراف الحرب بوصفها شركاء سياسيين متساوين، لا مسئولين عن كارثة وطنية.
في هذا الإطار..
يمكن القول إن التحرك البريطاني-الألماني يعكس إدراكا متأخرا لكن ضروريا بأن السودان لم يعد ملفا يمكن تأجيله. فالحرب، هناك، في هذا البلد، لم تعد شأنا داخليا، بل تهديدا مفتوحا للاستقرار الإقليمي والدولي. والضغط من أجل خارطة طريق للانتقال المدني ليس ترفا أخلاقيا، ولكن محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من الدولة السودانية.
ويبقى السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان المجتمع الدولي قادرا على صياغة هذه الخارطة.. بل، ما إذا كان مستعدا أخيرا لتحمّل كلفة فرضها؟!







