رؤى

السُنن الإلهية في القصص القرءاني.. التغيير الحضاري

يقرر القرءان الكريم في أكثر من موضع أن حركة التاريخ لا تخضع للصدفة، ولا تُدار بالأهواء، وإنما تحكمها سُنن إلهية ثابتة، تضبط مسار النهوض والانهيار، وتحدد مصير المجتمعات والحضارات. ومن أعمق هذه السنن وأشدها أثرا سنة “التغيير الحضاري” المرتبط بتغيير النفوس؛ هذه السنة التي تكشف العلاقة السببية الجوهرية بين التحول الداخلي للإنسان والتحول الخارجي للمجتمع. وقد صاغ التنزيل الحكيم هذا القانون في آية جامعة، تشكل مفتاح فهم التاريخ الإنساني؛ وذلك في قوله سبحانه وتعالى: “… إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ” [الرعد: 11].

هذه الآية الكريمة، لا تقدم توجيها أخلاقيا مجردا، وإنما تؤسس لقانون كوني حاكم، يؤكد أن التغيير الخارجي -قوةً أو ضعفا، عمرانا أو خرابا- لا يقع ابتداءً من خارج الإنسان، ولكن ينبع من داخله: من منظومة قيمه، ومن وعيه، ومن طريقته في النظر إلى نفسه وإلى الحياة. فحين يتغير ما في النفوس، تتغير بالضرورة ملامح الواقع، وحين تفسد النفوس، يبدأ التآكل الحضاري مهما بلغت مظاهر القوة.

التغيير الحضاري

هذه السًنة الإلهية تقوم على فلسفة قرءانية عميقة تربط بين عالمين: العالم الداخلي (عالم النفوس، والقيم، والمعتقدات)، والعالم الخارجي (عالم الأحداث، والمؤسسات، والحضارات). فالقرءان لا يفصل بين هذين العالمين، ولكن يجعلهما متلازمين تلازم السبب بالنتيجة. وهذا يختلف عن النظريات المادية التي تفسر التغيير الحضاري بعوامل اقتصادية أو جغرافية أو سياسية فقط، بينما يقدم التنزيل الحكيم نموذجا شاملا يجعل التغيير النفسي والأخلاقي والديني المحرك الأساسي للتغيير الحضاري.

ويكشف القصص القرءاني هذه السنة من خلال نماذج تاريخية واضحة، لعل من أبرزها: قصة قوم سبإ، وقصة قوم لوط، وقصة فرعون وقومه.

• قصة قوم سبإ.. التحول من النعمة إلى النقمة

فقد كانت سبإ أمةً مستقرة مزدهرة، تنعم بالأمن والرخاء، وتعيش في بيئة عمرانية متوازنة، حتى وصف القرءان حالهم في قوله سبحانه: “لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ” [سبإ: 15]. غير أن هذا الرخاء لم يُقابل بشكر ولا وعي بالمسئولية؛ بل قابله جحود وانفصال عن القيم. يقول تعالى في الآية التالية مباشرة: “فَأَعۡرَضُواْ…” ولم يكن الإعراض موقفا دينيا فحسب، ولكن تحولا نفسيا عميقا من الامتنان إلى الغرور، ومن الشعور بالوظيفة الحضارية إلى الاستهلاك الأناني. فجاءت النتيجة سننية حتمية، في قوله تبارك وتعالى: “… فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ” [سبإ: 16]؛ فتحول العمران إلى خراب، والنعمة إلى نقمة، لا بسبب ضعف الموارد، وإنما بسبب فساد الداخل.

لقد حدث التحول الداخلي عندما بدأوا يتخلون عن قيم الشكر والطاعة. هنا، نرى كيف أن التغيير النفسي (الإعراض عن شكر النعم)، أدى إلى تغيير حضاري (دمار السد وخراب الجنات). لم يكن العذاب تعسفيا، ولكن كان نتيجة حتمية لانحرافهم الداخلي، وهو ما يؤكده التنزيل الحكيم في قوله عزَّ وجل: “ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ” [سبإ: 17].

• قصة قوم لوط.. الانحراف الأخلاقي والدمار الحضاري

تقدم قصة قوم لوط نموذجا واضحا لارتباط الانحراف الأخلاقي الداخلي بالدمار الحضاري الخارجي. لم يكن ذنبهم مجرد معصية فردية؛ بل، كان تحولا حضاريا خطيرا، كما يُشير التنزيل الحكيم في قوله عزَّ من قائل، على لسان نبي الله لوط عليه السلام: “وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ” [الأعراف: 80]. إذ، هاهنا حولوا الفاحشة إلى نمط حياة مجتمعي، ما أدى إلى تحلل النسيج الأخلاقي للحضارة.

وبالتالي، ففي قصة قوم لوط تتجلى سُنة التغيير الحضاري من زاوية أخرى، حيث لا يكون الانهيار نتيجة خلل اقتصادي أو سياسي، ولكن نتيجة انهيار أخلاقي شامل. فقد بلغ الانحراف في منظومة القيم حدًّا جعل الفاحشة سلوكا عاما، لا مجرد انحراف فردي. هذا التحول الأخلاقي لم يكن مسألة سلوك خاص؛ بل تعبيرا عن فساد داخلي في الضمير الجمعي، وعن تطبيع مع الانحراف ورفض للإصلاح، حتى صار صوت الحق غريبًا منبوذا.

وحين تبلغ النفوس هذه الدرجة من الانحراف، يصبح التغيير الخارجي – أي الهلاك – نتيجة منطقية لا ظلما إلهيًا؛ كما يؤكد ذلك قوله سبحانه وتعالى: “فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ ٭ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ” [هود: 82-83]. فالقرءان الكريم يربط بوضوح بين فساد الداخل وسقوط المجتمع بأكمله.

• قصة فرعون وقومه.. الطغيان الداخلي والانهيار الخارجي

ولعل قصة فرعون، هي النموذج الأوضح لسنة التغيير الحضاري، حين تأخذ مسارا معاكسا؛ إذ تبدأ الحضارة في الانهيار حين تتحول السلطة إلى طغيان، ويُستبدل العدل بالاستعلاء، والرسالة بالهيمنة. لقد امتلك فرعون أدوات القوة السياسية والعسكرية، لكنه فقد البوصلة الأخلاقية، فكان تحوله النفسي من الحاكم إلى الإله المزعوم إعلانا صريحا لبداية السقوط. يقول تعالى: “فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ” [النازعات: 24]. ولم يكن هذا الادعاء مجرد كلمات، ولكن تجسيدا لعقلية الاستبداد التي تُفسد الإنسان من الداخل، وتدمر المجتمع من الأعلى إلى الأسفل.

ويربط التنزيل الحكيم بين طغيان فرعون الداخلي (الاستكبار، وادعاء الربوبية)، وانهيار مملكته الخارجي؛ حيث يقول تبارك وتعالى عن فرعون: “إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ” [القصص: 4]. هذا الفساد الداخلي (العلو في الأرض، والتفرقة، والاستضعاف)، هو الذي هيأ الأرضية لسقوط “حضارة فرعون”، رغم قوتها المادية الظاهرة.

فالقرءان الكريم يُظهر أن الهلاك لم يأت فجأة، وإنما كان نتيجة تراكمية لسنوات من الطغيان؛ إذ، إنه أُمهل طويلًا، وتكررت عليه الآيات، لكن الإصرار على الطغيان، ورفض التغيير الداخلي، جعلا النهاية حتمية. يقول عزَّ وجل: “وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ” [الزخرف: 51]. بهذا الاستكبار، والاستضعاف، أجبر قومه على طاعته؛ حيث يؤكد ذلك قوله عزَّ من قائل: “فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ” [الزخرف: 54].

وعندما فسدت النفوس، وطغت، كان الانهيار الحضاري حتميًا. يقول سبحانه وتعالى: “فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ” [النازعات: 25].. ويقول سبحانه: “فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ” [القصص: 40]. فالقصص القرءاني، هنا، وعبر “مثال فرعون”، يؤكد أن سقوط الطغاة ليس حدثا مفاجئا، ولكنه نتيجة مسار نفسي طويل من الاستعلاء والظلم.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن سنة “التغيير الحضاري” في القرءان الكريم لا تعمل بمعزل عن باقي السنن، ولكن تتكامل معها. فمن خلال هذه النماذج، يتضح أن فساد النفوس يقود إلى الظلم، والظلم يؤدي إلى فقدان الشرعية الحضارية، ثم يأتي الاستبدال أو الهلاك بوصفه نتيجة طبيعية منطقية. ولهذا يقرر القرءان الكريم قاعدة عامة؛ تلك التي ترد في قوله تعالى: “وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا” [الكهف: 59]، فالظلم ليس سببًا مباشرًا فحسب؛ بل، ثمرة لفساد داخلي سابق.

وللحديث بقية.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى