يقدّم القصص القرءاني رؤية تأسيسية للوجود الإنساني، لا بوصفه حادثة خلقٍ عابرة، ولكن بوصفه بداية مشروعٍ حضاريٍّ ممتدٍّ في الأرض. إذ، تأتي قصة خلق آدم عليه السلام، في مطلع هذا القصص، لتكشف عن جملة من السُنن الإلهية التي تحكم علاقة الإنسان بربه وبذاته وبالعالم من حوله. فهي ليست قصة بدءٍ بيولوجي؛ بل بيانٌ عن معنى الاستخلاف، وحدود الحرية، وطبيعة الابتلاء، ومسئولية الأمانة. ومن خلال التأمل في آيات التنزيل الحكيم التي عرضت هذا المشهد التأسيسي، تتضح معالم سُننٍ كبرى ما تزال، وسوف تظل، تحكم مسار الإنسان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
الوجود الإنساني
تبدأ القصة القرءانية بإعلانٍ إلهيٍّ يكشف عن المقصد الكوني لخلق الإنسان؛ حيث يقول سبحانه وتعالى: “وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ” [البقرة: 30].
فالاستخلاف “إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ” هنا، ليس وصفا وإنما هو الهدف من وجود الإنسان في الأرض. وسُنة الاستخلاف تعني أن الإنسان مكلَّفٌ بعمارة الأرض وفق منهج الله، لا مالكًا مطلقًا يتصرف فيها بهواه. يقول سبحانه: “وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ” [هود: 61]. إن هذا الإعلان، الإلهي، على لسان نبي الله صالح عليه السلام “هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا”، يؤسس لسنةٍ حضاريةٍ كبرى، مفادها أن الوجود الإنساني مرتبطٌ بوظيفة، وأن البقاء في موقع الفاعلية مرهونٌ بأداء هذه الوظيفة. فالخلافة ليست تشريفا مجردا؛ بل تكليفٌ مشروط بالعدل، وإقامة القيم، وتحقيق الاستخلاف.
ويكشف الحوار بين الملائكة ورب العالمين عن سُنةٍ أخرى، هي سُنة العلم أساسا للاصطفاء. فقد تساءلت الملائكة: “أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ”، في إشارةٍ إلى قابلية الإنسان للانحراف -وقد حاولنا في مقالات سابقة، منذ فترة، الإجابة على التساؤل: كيف عرفت الملائكة أن الإنسان سوف “يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ”- لكن الجواب الإلهي جاء مؤكدا على بعدٍ آخر في الإنسان: “قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ”.
ثم، تجلت حقيقة هذا البعد، وهو العلم، في قوله سبحانه: “وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ” [البقرة: 31]. إن سُنة التعليم هنا، تكشف أن مصدر تميز الإنسان ليس القوة المادية، وإنما القدرة على المعرفة والفهم والتسمية، أي إدراك الحقائق وتنظيمها. فالعلم هو الأساس الذي تقوم عليه الخلافة، أو بالأصح: الاستخلاف؛ وهو شرط الفاعلية الحضارية. وبالتالي، فإن أي حضارة تفقد علاقتها بالعلم تفقد ركنًا من أركان الاستخلاف.
ثم يتجلى بُعد الاصطفاء حين أمر الله الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام؛ في قوله تعالى: “وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ” [البقرة: 34]. والسجود، منطقيًا، ليس عبادة لآدم، وإنما تكريمٌ لموقعه في هدف الاستخلاف. غير أن هذا المشهد يكشف سُنةً أخرى حاكمة، هي سُنة “الصراع بين الاستكبار والطاعة”. فقد رفض إبليس السجود بدافع الكِبر “قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ”، في حواره مع المولى عزَّ وجل: “وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٭ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ” [الأعراف: 11-12]؛ فكان أول انحراف في التاريخ ناتجا عن الغرور ورفض الامتثال للأمر الإلهي.. فكانت “معصية الكِبر”.
وهنا تتأسس سُنةٌ خطيرة: إن الاستكبار هو أصل الفساد، وإن أول عائقٍ أمام تحقيق الغاية من الاستخلاف هو تضخم الأنا. فالقصص القرءاني يربط بين سقوط إبليس وبين الكِبر، كما في قوله عزَّ وجل: “قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ” [الأعراف: 13]؛ ليؤكد أن أي مشروع حضاري يتغذى على الاستعلاء مصيره الفشل.
اختبار الاستخلاف
ثم، تأتي مرحلة الابتلاء، لتكشف أن الاستخلاف لا يتحقق بلا اختبار. فقد أُسكن آدم وزوجه الجنة، وأُبيح لهما الانتفاع بما فيها. يقول عزَّ من قائل: “وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ” [البقرة: 35]. ولنا أن نُلاحظ أن التواجد في الجنة، ترافق معه تحذير إلهي واضح: “وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ”؛ وهو ما يرد، ليس فقط في هذه الآية الكريمة، ولكن أيضا في قوله تبارك وتعالى: “وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ” [الأعراف: 19].
إن هذا النهي المحدد “وَلَا تَقۡرَبَا” الذي ورد في هذين الموضعين من آيات التنزيل الحكيم، حصرا، يعبّر عن سُنة “الحرية المقيدة بالمنهج”؛ فالإنسان ليس مخلوقا مُسيّرا بلا اختيار؛ بل هو حرٌّ في إطار التكليف. وحين وسوس الشيطان لهما، آدم وزوجه، كان السقوط نتيجة الاختيارٍ الخاطئ، لا قدرا قاهرا؛ حيث يقول سبحانه وتعالى: “فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا…” [البقرة: 36]. وهنا تتأكد سُنة المسئولية الإنسانية: إن الخطأ من طبيعة الإنسان، لكن أثره مرتبطٌ بكيفية التعامل معه.
ويتبدى هذا بوضوح عبر سُنة التوبة -عن الخطأ- التي تتجلى بوصفها عنصرا جوهريا في البناء الحضاري؛ يقول سبحانه: “فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٭ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ” [البقرة: 22-23]. وهنا لنا نُلاحظ كيف أن أدم عليه السلام لم يُترك في دائرة الخطأ؛ بل ألهمه الله كلمات العودة: “فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ” [البقرة: 37].
إن هذه اللحظة تؤسس، ليس فقط لمهمة الاستخلاف الإنساني في الأرض، ولكن أيضا لقاعدة أن السقوط لا يعني نهاية الدور..
فمن جانب، تؤسس لحظة «التوبة»، توبة آدم وزوجه، لمهمة الاستخلاف الإنساني في الأرض؛ حيث يقول سبحانه: “فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ” [البقرة: 36].. ويقول تعالى: “قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ” [الأعراف: 24]. وهنا، لنا أن نُلاحظ كيف تتوافق نهايتي الآيتين الكريمتين “وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ”، مع قوله تبارك وتعالى: “وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ…” [البقرة: 30]. إذ، إن آدم عليه السلام لم يكن قد أصبح “خَلِيفَةٗۖ” في الجنة، ولكن بعد أن «أصبح في الأرض» (الجعل: هو تغير في الصيرورة).
من جانب آخر، تؤسس لحظة «التوبة»، توبة آدم وزوجه، لقاعدةٍ كبرى: إن السقوط لا يعني نهاية الدور، ولكن يمكن أن يكون بداية وعيٍ أعمق. فالحضارة في المنظور القرءاني لا تقوم على عصمة البشر، وإنما على قدرتهم على المراجعة والتصحيح. ومن دون ثقافة التوبة، يتحول الخطأ إلى مسار انحدار دائم. ولنا أن نتأمل، في هذا السياق، قول الحق سبحانه وتعالى: “قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ” [البقرة: 38]؛ بما تؤكده من سُنة إلهية خاصة بـ«الهدى الإلهي»، واتباع هذا الهدى الإلهي «فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ». كيف؟.. للحديث بقية.








