ترجمة أحمد بركات
يتمنى كل عاقل ألا يطول أمد تلك الحرب، وأن يتحرر الإيرانيون من غل الثيوقراطية الوحشية التي حكمتهم على مدى نصف قرن من الزمان.
ولكن الامنيات ليست استراتيجية.
ففي تلك المرحلة من الحرب التي يشنها ترامب على إيران، يبدو ذلك كله غير مُرجَّح. لقد تعلمنا -نحن الأميركيين- على مدى الستين عاما الماضية درسا قاسيا، مفاده أنه من السهل أن تشعل أوار الحرب، ولكن من الصعب أن تطفئها. كما أن الحروب قلما تنتهي على نحو ما كان يتخيله مخططوها.
في هذا السياق يجدر بنا أن نستدعي مقولة الاستراتيجيين العسكريين؛ بأن خطة أي معركة لا تصمد بمجرد بدء المواجهة مع العدو، أو كما قال الملاكم العالمي مايك تايسون: “جميع الملاكمين لديهم خطة حتى يتلقوا اللكمة الأولى”.
الجيش الأمريكي بلا ريب هو الأقوى بلا منازع في العالم، وقد أثبتت قواتنا ذلك بجلاء خلال الولاية الحالية لترمب، إذ أمر الرئيس بتحريكها أكثر مما فعل أي رئيس آخر في العصر الحديث.
ولكن إيران مختلفة.
فهي دولة ذات طبيعة جبلية ومحصنة ومعتدة بنفسها، يقطنها 90 مليون نسمة، ولديها جيش يزيد قوامه على مليون جندي على مستوى الخدمة الفعلية والاحتياطية، كما تمتلك ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة المصنعة محليا.
رغم ذلك، ربما لا يقوى الجيش الإيراني على التصدي للهجوم الأمريكي الإسرئيلي المشترك، ولكن القيادة الإيرانية كانت تتوقع هذا الهجوم منذ فترة طويلة، فأعدت العدة لتلك المواجهة غير المتكافئة.
النهاية المحتملة
من الممكن أن تكون هذه الحرب معركة خاطفة يسقط على إثرها النظام وينفتح الطريق أمام انتفاضة شعبية تحرر الإيرانيين.
لكن هذا الاحتمال يظل مستبعدا.
فالسيناريو الأوقع هو أن ينتهي الصراع على نحو غير مُرض وغير كارثي في آن. وقد يكون ذلك أفضل ما يمكن توقعه في تلك المرحلة من الصراع.
في تلك الحالة سيعلن ترمب انتصارا مؤزرا للجيش الأمريكي، وسيؤكد أنه قضى على برامج إيران الصاروخية وقدراتها النووية (سبق أن أعلن ترمب أنه قضى على برنامج إيران النووي العام الماضي في أعقاب الضربات الأمريكية الإسرائيلية، ولكن ذلك لم يحدث)، مخلفا وراءه فوضى عارمة في واحدة من أهم المناطق في العالم، وتحت حكم الملالي الذي حارب من أجل إسقاطه.
وعلى الجانب الآخر سيختار مَن تبقى من القيادة الإيرانية في السلطة مرشدا أعلى جديدا (في الغالب ابن المرشد السابق)، وسيسعون من أجل السلام، وسيرتدون إلى السياسات الداخلية القمعية، وسيعاودون بناء ترسانة الصواريخ والمسيرات، ويعدون العدة للصراع القادم.
وعندئذ أيضا سيتدفق النفط من جديد، وتستعيد الصراعات المتجذرة في المنطقة طبيعتها الأولى، من حيث كونها متوترة ومتقلبة ولكنها غير خارجة عن السيطرة. والأهم من ذلك أن ترمب سيقيم الاحتفالات الصاخبة زهوا بما حقق من نصر مؤزر.
ولكن.. قد تؤول الأوضاع إلى أسوأ من ذلك بكثير.. إلى سيناريوهات كابوسية.. على النحو التالي:
الكابوس الأول: سيناريو الحرب الكردية من أجل الاستقلال
قد تثير فوضى الحرب على إيران انتفاضات عرقية داخل وخارج الحدود.
ففي غرب إيران، يخوض الأكراد معركتهم على فترات متقطعة منذ عقود. والآن، وفقا لتقارير عديدة، يُجري الأمريكيون والإسرائيليون محادثات مكثفة مع القوات الكردية في إيران لتسليحها وتحريضها على إشعال فتيل انتفاضة تهدف إلى الإطاحة بالنظام.
ولكن الانتفاضات الكردية قلما تقتصر على دولة واحدة.
يُقدر عدد الأكراد بنحو 25 إلى 30 مليون، ما يجعلهم أكبر مجموعة عرقية في العالم بلا دولة، وينتشرون في أجزاء من تركيا والعراق وإيران وسوريا وأرمينيا. وفي كل دولة من تلك الدول توجد حركات كردية مسلحة وتنظيمات سياسية. وفي شمال العراق وشمال شرق سوريا توجد مناطق تتمتع بحكم شبه ذاتي.
وفي حال اندلاع ثورة في المناطق الإيرانية التي يغلب عليها الأكراد، فإن فكرة إقامة دولة كردية موحدة، تلك التي يحلم بها الأكراد منذ أكثر من قرن من الزمان، قد تبدو فجأة قريبة.
سيسبب ذلك بلا شك صداعا في رأس جميع حكومات دول المنطقة، وبخاصة تركيا.
وعلى نحو مفاجئ قد تتمخض الحرب، التي بدأت في شكل مواجهة أبين مريكا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، عن صراع إثني إقليمي في أربع دول. وكثيرا ما شهد التاريخ أحداثا أغرب من ذلك.
الكابوس الثاني: سيناريو يوغوسلافيا
احتمال آخر سوداوي يتمثل، ليس في قيام دولة كردية، وإنما في تفتيت إيران نفسها.
فإيران ليست بلدا متجانسا، حيث ينتمي نصف سكانها تقريبا إلى أقليات عرقية، مثل الأكراد والأذربيجانيين والعرب والبلوش والتركمان وغيرهم. ويعيش الكثير من تلك المجموعات في مناطق حدودية وتربطهم علاقات وثيقة عابرة للحدود. لقد رسم الاستعمار الغربي الحدود لأجيال في الشرق الأوسط وفق مصالحه، ولكن تلك الفواصل لا تزال تثير حنق الكثيرين من سكان المنطقة.
وهناك من الأمريكيين والإسرائيليين من يتكهنون خفية بأن إضعاف إيران قد يؤدي إلى تفككها بسبب تلك الاختلافات العرقية. وقد طرح بعض المحللين الإسرائيليين ومسئولين استخباراتيين سابقين فكرة استغلال الاختلافات العرقية في إيران من أجل تقسيم البلاد، إلا أن هذه الفكرة لم تتحول مطلقا إلى سياسة خارجية إسرائيلية.
وفي السياق، دعت “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” (Foundation for Defense of Democracies)، وهي مؤسسة تابعة للمحافظين الجدد، ومقرها واشنطن، إلى سيناريو التقسيم.
تنبني هذه الفكرة على أن تقسيم إيران إلى دويلات أصغر من شأنه أن يخفف من حدة تهديدها العسكري لإسرائيل ودول الخليج. بل إن هناك خرائط متداولة عما يجب أن يكون عليه شكل إيران المُقسمة:
ولكن التاريخ يحذر من هذا السيناريو. فعندما انهارت يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي، لم تكن النتيجة تقسيما سلميا، وإنما عقدا كاملا من الحرب الأهلية والتطهير العرقي والتدخل الخارجي. لقد كانت الأوضاع وحشية ومؤلمة. ولا تزال دول البلقان تعاني من تبعات تلك الحروب.
الكابوس الثالث: حرب بلا نهاية
يبدو السيناريو الثالث أقل دراماتيكية، ولكنه الأرجح. ستبقى الجمهورية الإسلامية.
لقد أمضى القادة الإيرانيون عقودا في الاستعداد لتلك اللحظة تحديدا، فتوقعوا الغارات الجوية وخطاب تغيير النظام ومحاولات قتل رؤوسه.
ومن ثم فإنه إذا ما استطاع النظام تجاوز المرحلة الأولى من الحرب، وهو ما يبدو محتملا الآن، فسينتقل بالصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، وقد بدأت هذه الحرب بالفعل.
فالصواريخ والمسيرات الإيرانية باتت تمثل مشكلة حقيقية للولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج. كما أن المخزون الأمريكي من أنظمة الدفاع الصاروخي والمسيرات ليس بلا نهاية.
من جانبها، لا تزل إيران قادرة على تفعيل وكلائها في المنطقة لشن هجمات ضد القواعد والشركات والمصالح الأمريكية. ولا تزال الممرات الملاحية في الخليج العربي ومضيق باب المندب عرضة للخطر.
فيما، على الجانب الآخر من الصراع، لا تزال الولايات المتحدة أسيرة حلمها الساذج بثورة شعبية تطيح بنظام طهران، غافلة أو متغافلة عن حقيقة أن الهجمات الخارجية غالبا ما تقوي الأنظمة السلطوية بدلا من أن تضعفها، وعادة ما تحشد المشاعر القومية حول الحكومات التي كانت تمقتها الشعوب في الأحوال العادية بدلا من أن تطلق شرارة الثورة ضدها.
ومن ثم، فإنه إذا ما استوعبت إيران الضربات الأولى وقاتلت بفعالية، حتى لو على نحو متواضع، فقد يخرج النظام منهكا، ولكنه سيكون أقوى سياسيا. وقد تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة في حرب طويلة الأمد لم تكن مستعدة لخوضها.
https://terrymoran.substack.com/p/iran-the-nightmare-scenarios?img=https%3A%2F%2Fsubstack-post-media.s3.amazonaws.com%2Fpublic%2Fimages%2F974ea2dc-9c70-4087-999a-1aea12827e28_1284x1181.png&open=false








