في إحاطتها الدورية أمام مجلس الأمن الدولي، في 18 فبراير 2026، لم تكتف الممثلة الخاصة للأمين العام ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، برسم صورة قاتمة للواقع الليبي، وإنما حملت في جعبتها مقترحا جديدا يعكس تحولا في الاستراتيجية الأممية، من منطق “الحوارات الموسعة” إلى منطق “الفرق المصغرة التنفيذية”. هذا التحول يأتي تتويجا لإحباط أممي متزايد من عجز الأطراف السياسية عن الوفاء بالتزاماتها.
ما كان لافتا في إحاطة تيتيه هو وضوحها في التشخيص، حيث لم تتردد في الإعلان أن مجلسي النواب والأعلى للدولة لم يُحققا أي تقدم يذكر بشأن خريطة الطريق التي أطلقتها البعثة في أغسطس الماضي. بل، وصفت تيتيه أداء هذين المجلسين بأنهما “غير قادرين أو غير راغبين” في إنجاز حتى أولى مراحل الخريطة، والمتمثلة في تشكيل مفوضية عليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية. هذا التشخيص يمثل إعلانًا ضمنيًا بفشل النهج التقليدي القائم على تفويض المؤسسات التشريعية المنقسمة لإنتاج توافق وطني.
دبلوماسية جديدة
الجوهر الحقيقي للجديد الذي حملته إحاطة تيتيه، يتمثل في إعلان البعثة عن توجهها لتشكيل “فريق عمل مصغر”، أو ما أطلقت عليه وسائل إعلام “لجنة تنفيذية للمهمات الصعبة”. هذا الفريق سيُكلَف بمهمة محدودة ومركزة، هي حلحلة النقاط الأكثر تعقيدا التي فشلت فيها المجالس التشريعية.
المقترح يقوم على مرحلتين: الأولى، تشكيل مجموعة مصغرة تتولى إنجاز المهام الأكثر إلحاحًا ضمن جدول زمني محدد، وفي مقدمتها حل أزمة تشكيل مفوضية الانتخابات.. والثانية، اللجوء إلى خيار موسع إذا استمر الانسداد التشريعي.
هذا النموذج يمثل تحولا من الدبلوماسية التفاوضية الواسعة، إلى دبلوماسية “الهندسة السياسية”، حيث تسعى البعثة إلى خلق آلية موازية تتجاوز حالة الفيتو المتبادل بين المجلسين. تيتيه أوضحت أنها استشارت بالفعل أطرافًا ليبية في هذه الخطة، ما يشير إلى مساعٍ أممية لبناء توافق دولي ومحلي مسبق حول هذه الآلية الجديدة.
إمكانية التنفيذ
رغم ذكاء المناورة الإجرائية في المقترح، إلا أن إمكانات تنفيذه واقعيا تظل رهينة بعقبات بنيوية عميقة. فالمشكلة الليبية ليست مجرد غياب آلية تفاوض، وإنما هي أزمة ثقة وإرادات متصارعة. تيتيه نفسها حذرت من أن تسييس وانقسام السلطة القضائية، لاسيما مع وجود محكمتين دستوريتين متنافستين في بنغازي وطرابلس، يمكن أن يضر بأي عملية سياسية. كما أن الاقتصاد الليبي يعاني من انهيار قيمة الدينار ونقص السيولة، وهي أعراض مباشرة للانقسام السياسي.
إضافة إلى ذلك، فإن مسألة القاعدة الدستورية ليست خلافا تقنيا فحسب؛ بل ترتبط بتوازنات السلطة المستقبلية. فشروط الترشح للرئاسة، وصلاحيات الرئيس، والعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، كلها قضايا تمس مصالح مباشرة لقوى سياسية وعسكرية نافذة. ومن دون توافق الحد الأدنى بين هذه القوى، قد تجد اللجنة نفسها أمام مقترحات جيدة نظريا لكنها غير قابلة للتطبيق عمليا.
ومن ثم، سيكون نجاح اللجنة المصغرة رهنا بقدرتها على فرض حلول توافقية على قوى سياسية، تستمد شرعيتها من استمرار حالة الانسداد القائمة منذ سنوات. ومع ذلك، فإن البعثة تراهن على أن الضغط الدولي الموحد قد يحدث فرقا.
أما على المستوى الدولي، فيبدو أن المقترح يحظى بدعم واضح. فقد رحبت دول كبرى، مثل الصين، باستمرار جهود تيتيه، داعية البعثة إلى توضيح خطواتها المقبلة وأولوياتها لمجلس الأمن. كما أعربت لاتفيا عن دعمها الكامل لجهود تيتيه، محذرة من أن الجمود السياسي يعمق التحديات الاقتصادية، ويتيح مجالا للفاعلين الأجانب للتأثير سلبا.
ازدواجية أمريكية
المثير في الأمر هو الموقف الأمريكي من المقترح الأممي؛ إذ هو يبدو ظاهريا داعما، لكنه يحمل في طياته تعقيدات لافتة. فمن جهة، أصدرت الولايات المتحدة، مع 9 دول أخرى (بينها مصر وفرنسا وتركيا)، بيانا مشتركا، في نوفمبر 2025، رحبت فيه بخريطة طريق تيتيه وحثت جميع الأطراف الليبية على استخدامها للتوصل إلى حوكمة موحدة وانتخابات. كما أشادت واشنطن، في سبتمبر 2025، بإحاطة تيتيه واعتبرت أن دعم المجتمع الدولي الموحد للمؤسسات الاقتصادية الليبية سيكون محركا للوحدة.
لكن في المقابل، ثمة تقارير تشير إلى وجود مساعٍ أمريكية موازية. ففي 25 فبراير 2026، أي بعد أسبوع واحد فقط من إحاطة تيتيه، نشرت صحيفة “ليبيا أوبزرفر” تحليلا يتحدث عن تسريبات بخصوص “خطة أمريكية” يعمل عليها مستشار الرئيس ترامب، مسعد بولس، لإعادة ترتيب السلطة بين حكومة الوحدة الوطنية ومجلس النواب، بشكل يتقاسم فيه الطرفان المناصب السيادية، ما قد يؤدي إلى “إجهاض المبادرة الأممية”.
اللافت للاهتمام، أن التحليل نقل عن تيتيه نفسها قولها، في حوار مع ناشطين، إن “الخطة الأمريكية لا تحظى بدعم دولي”؛ وهو تصريح يؤكد وجود خطة أمريكية فعلية؛ لكنه يشير -في الوقت نفسه- إلى أن تيتيه تسعى لحشد إجماع دولي مضاد يجرد هذه الخطة من شرعيتها. هذا المشهد يكشف عن حالة من التنافس الخفي بين المسار الأممي الرسمي والمساعي الأمريكية الأحادية، رغم أن التصريحات الرسمية الأمريكية ما تزال تدعم تيتيه علنا.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن مقترح هانا تيتيه الجديد يمثل محاولة ذكية لكسر الجمود الليبي، عبر تبني أدوات أكثر مرونة وتركيزا. لكن نجاح هذه “اللجنة التنفيذية للمهمات الصعبة” يتوقف على عاملين حاسمين: الأول، مدى تجاوب النخبة الليبية مع آلية تنتزع منها صلاحيات فشلت في استغلالها. والثاني، مدى قدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على وحدة الموقف الدولي خلف مبادرتها، في ظل وجود توجهات أمريكية تبدو وكأنها تسير في مسار موازٍ قد يفضي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغة جديدة، بدلًا من حلها. ليبيا تقف مجددا أمام اختراق محتمل، أو انزلاق نحو مزيد من التعقيد.
بالنسبة إلى العامل الثاني، فهو ممكن.. خاصة إذا لاحظنا أن الدول الأوروبية المعنية مباشرة بالملف الليبي، في ظل هواجس الهجرة وأمن الطاقة، تدعم أي مسار يُفضي إلى توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات؛ هذا فضلا عن أن التفاهمات الدولية الأوسع حول ملفات إقليمية أخرى انعكست نسبيًا في تراجع حدة الاستقطاب بشأن ليبيا داخل مجلس الأمن.
لذلك فإن قدرة البعثة على حشد توافق دولي فعلي حول آليتها الجديدة ستكون عنصرا حاسما.







