قالت لي والأسى يعتصر محياها وعيناها تقطران دمعا: مستحيل.. وأجهشت بالبكاء.
قلت لها بعد أن تنهدت والتقطت أنفاسها: لا يوجد في قاموسي مستحيل, لأنه يجهض كل البدايات، فتقفر الحياة ويدب في أوصالها الملل، وتصبح والعبث صنوان.
كل البدايات كانت مستحيلة لأشخاص سلبيين، وانقلبت إلى تجارب رائدة؛ عندما تبناها أناس إيجابيون آمنوا بقدراتهم وتفاءلوا بالخير؛ فوجوده. فأصبح مستحيل الأمس رؤية في أذهانهم فاستطاعوا بعزيمتهم ومثابرتهم تحقيقه؛ فأصبح واقعا مُعاشا لا أحد يشك في وجوده، وأصبح من المسلمات.
أشرق وجهها بابتسامة فاترة وَشَتْ بانقشاع هاجسها الحزين وهي تقول: إنه كلام نظري, الواقع لا يمت له بصلة البتة, الكتب مليئة بالحكم.. والفلاسفة ما انفكوا يتفلسفون, ولم ينقص عدد الذين يعانون من الكآبة، والذين يحاولون الانتحار, الواقع مرٌ وقاسٍ وتلك هي الحقيقة.
كان في حديثها بعض الحقيقة، ولكنها اصطبغت بمزاجها الحزين، وصورت لها الأشياء كاحلة السواد، بفعل نظارتها السوداء التي ارتدتها، وأصبحت غير قادرة على رؤية الوجه الآخر الأكثر إشراقا للأشياء.
كان عليَّ أن أثبت لها بالدليل القاطع أن الأمور ليست بهذا المقدار من اليأس، وأن الإنسان يستطيع أن يقلب الموازيين إذا امتلك الإرادة فقلت لها: العالم مليء بالأمثلة والشواهد التي تدل على أن إرادة الإنسان تستطيع تغيير الكثير, لقد قال كل الخبراء أن التربة والبيئة في “الإمارات” غير صالحة لزراعة الأعشاب والورود والنباتات, ولكن الإيجابية والإصرار على استصلاح الأرض أثبت العكس. هل يشكك الآن أي إنسان -عندما يرى كل هذه الحدائق والزهور- بإمكانية الزراعة في هذه الأرض؟
كان وقع تلك الكلمات إيجابيا, حيث أشرق محياها بابتسامة خجول وهي تقول: الايجابية لا تنفع مع زوجي, مستحيل يتغير.
سألتها بشغف: هل حاولتِ؟
قالت: حاولت كثيرا وكل مرة أحاول, تنتهي المحاولة بمشادة, حتى أن كلانا فَقَدَ الأمل.
: لماذا لا تحاولي مرة ثانية؟
: وما الاختلاف هذه المرة؟
قلت: لعلنا نطرق الباب المناسب هذه المرة, هل لدى زوجك هوايات؟
: تلك هي المشكلة ذاتها, إنه يهوى الطيور, لقد كرّس كل وقته لها، ولا يعيرني أي اهتمام, ولهذا أموت أنا من الطيور.
قلت لها: الطيور كائنات جميلة, لقد تفنن الخالق سبحانه وتعالى في خلقها؛ فمزج بين الرقة والجمال والتناسق والوفاء والحب والسرعة, ألم تقرئي قصة النبي سليمان والهدهد في القرآن ألكريم؟ حاولي أن تتأملي كل هذه الصور وخاصة صورة الهدهد، وأنا متأكد أنك سوف تغيري رأيك.
أطرقت لبرهة من الزمن, ثمَّ قالت: رغم أني قلت أنه مستحيل, أعدك بأني سأحاول
قلت: عندما تقولين مستحيل تحكمين على نفسك بالفشل، وهي قمة السلبية, أنا لا اقول لك إنها عملية بسيطة ولكنها على الأقل ليست مستحيلة، وكما يقول الرسول الكريم: “تفاءلوا بالخير تجدوه”.
ودَّعتني وانصرفت, ونسيت حديثنا في خضم هذه الحياة وزحامها وتنوع انشغالاتنا اليومية والعملية. ولم أتذكر حديثنا وهدهد النبي سليمان؛ إلا بعد عدة أيام عندما انفتح باب العيادة، وإذا بها تقبل تقطر بهجة وحيوية ونشاطا وقد أشرق وجهها بابتسامة زادتها رونقا وجمالا, وبادرتني قائلة: كنتَ على حق يا دكتور, لقد قرأتُ قصة النبي سليمان والهدهد وأحببتها كثيرا, فذهبت إلى السوق واشتريت صورة كبيرة لهدهد وعلقتها بمدخل داري, لقد هدى الهدهد مملكة كاملة بحكمته وذكائه, وعندما أتى زوجي ورآها, أخبرته بالقصة كاملة وبحبي للطيور فانفرجت أساريره وهو يقول: ألم أقل لك أن الله قد وضع نصف أسرار الكون في الطيور, وبدأ يضحك ضحكة كنت قد نسيتها منذ زمن بعيد.. ونظر إليَّ نظرة كأننا التقينا بعد فراق طويل, وقال تذكرت أننا لم نخرج للعشاء، في مكان جميل منذ فترة طويلة, هل تحبين الخروج اليوم, قلت له بكل سرور, ونحن نستقل السيارة لم أنس فضل الإنترنت في حياتنا, فكتبت في محرك البحث “أغنية عن الحب والطيور”
فانطلقت بنا السيارة في شوارع الشارقة الفسيحة كطير أفلت من سجَّانه؛ فطار في سموات الحلم اللازوردية، يرفرف بأجنحة الحرية التي تاق لها طويلا.
كان صوت فريد الأطرش يصدح “يا ريتني طير لطير حواليك, مطرح ما تروح عيوني عليك” وأنا وزوجي في طريقنا لنزهة لم نكن نتوقعها أو خططنا لها, وأعمدة الكهرباء المضاءة تقف كحرس يحتفون بموكبنا, والأزهار والأشجار على الجانبين قد اصطفت تحيينا, أخذت نفسا عميقا شعرت أنني أتنفس هواءً نقيا للمرة الأولى في حياتي وتنهدت تنهيدة عميقة وأنا أقول: إن أسعد اللحظات هي التي لم تأت بعد.








