يمثّل مضيق هرمز أحد أهم المفاصل الجغراسياسية في العالم المعاصر؛ إذ تمر عبره نسبة لا يستهان بها من تجارة النفط والغاز العالمية، ما يجعله شريانا حيويا للاقتصاد الدولي. ومع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة أخرى، عاد هذا الممر البحري الضيق ليصبح محورا مركزيا في معادلة الصراع.
ولعل التصريحات الأخيرة التي أطلقها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني السيد علي لاريجاني، عبر منصة “إكس” (الثلاثاء: 10 مارس 2026) حول إمكانية تحويل المضيق إلى “نقطة اختناق” عالمية، لا تعكس مجرد تهديد سياسي؛ بل تعبّر عن استراتيجية إيرانية قديمة تُعرف بـ”سلاح الجغرافيا”، تقوم على توظيف الموقع الجغرافي الحساس، للضغط على الخصوم وإعادة تشكيل موازين القوة في لحظات التوتر الكبرى.
تدرك إيران جيدا أن قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة عسكريا بشكل مباشر تظل محدودة، مقارنة بالقوة العسكرية الأمريكية الهائلة. لذلك اعتمدت طهران -منذ سنوات- على استراتيجية الرد “غير المتكافئ” التي تستند إلى أدوات متعددة؛ من بينها: النفوذ الإقليمي، والحرب غير النظامية، وكذلك التحكم النسبي في نقاط العبور الحيوية. ويأتي مضيق هرمز في قلب هذه الاستراتيجية، إذ يمر عبره ما يقارب “خُمس” إمدادات النفط العالمية، فضلا عن كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال القادم من الخليج. ومن ثم، فإن أي اضطراب واسع في هذا الممر لا ينعكس فقط على أسعار الطاقة، بل يهدد أيضا استقرار الاقتصاد العالمي بأكمله.
واللافت أن حركة الملاحة في مضيق هرمز لم تعد تشبه صورتها الطبيعية قبل الحرب. فوفقا لشركة “لويدز ليست إنتليجنس”، انخفض عدد السفن العابرة للمضيق إلى 77 سفينة فقط منذ بداية مارس 2026، مقارنة بأكثر من 1200 سفينة في الفترة ذاتها من العام الماضي. والأكثر دلالة أن 26% من هذه السفن تعود لما يُعرف بـ”الأسطول الشبح” المرتبط بإيران؛ أي إن طهران ضمنت استمرار صادراتها بينما أوقفت شريان الحياة لخصومها الإقليميين.
لقد نجحت إيران حتى الآن في فرض معادلة انتقائية: ممر آمن لسفنها وسفن حليفتها الصين، وممر محفوف بالمخاطر لباقي الدول. وقد دفع هذا الوضع وكالة الطاقة الدولية إلى الإعلان عن سحب منسق لـ”400″ مليون برميل من احتياطيات الطوارئ، في محاولة لامتصاص الصدمة النفطية التي رفعت أسعار برنت فوق 100 دولار للبرميل.
في هذا السياق، يمكن فهم التصعيد الإيراني الأخير بوصفه محاولة لخلق “معادلة ضغط” معقدة: فبينما تتعرض إيران لضربات عسكرية تستهدف بنيتها العسكرية وقياداتها، تسعى في المقابل إلى توسيع دائرة تكلفة الحرب على خصومها؛ بل، وجيرانها أيضا. فإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتين على توجيه ضربات عسكرية، فإن إيران تحاول نقل المعركة إلى ساحة الاقتصاد العالمي. بمعنى آخر، تريد طهران أن تقول إن الحرب ضدها لن تبقى محصورة في المجال العسكري، ولكن ستتحول إلى أزمة طاقة عالمية تمس مصالح القوى الكبرى كافة.. بما فيها القارة الأوروبية.
غير أن السؤال الأهم هو: هل يمكن لهذا السلاح الجغرافي أن يحقق فعلا الضغط المطلوب؟
الإجابة ليست بسيطة، لأن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على عدة عوامل متشابكة. فمن جهة، تملك إيران القدرة العسكرية على إزعاج حركة الملاحة في المضيق عبر الألغام البحرية، والزوارق السريعة، والصواريخ الساحلية، والطائرات المسيّرة. وقد أثبتت تجارب سابقة أن هذه الوسائل يمكن أن تؤدي إلى تعطيل جزئي لحركة السفن، أو على الأقل إلى رفع كلفة التأمين والشحن بشكل كبير.
من جهة أخرى، يكشف الموقف الأمريكي عن حرج استراتيجي غير مسبوق. فاعتراف وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، بأن البحرية الأمريكية “ليست مستعدة بعد” لمرافقة السفن عبر المضيق، وأن جميع الأصول العسكرية مركّزة على تدمير القدرات الهجومية الإيرانية؛ يُظهر فجوة بين الخطاب العسكري والقدرات الميدانية.
لكن الأعمق من ذلك هو ما كشفته صحيفة “نيويورك تايمز” عن خطأ التقدير الأمريكي قبل الحرب. فقد راهن مستشارو الرئيس ترامب على أن إيران لن تجرؤ على إغلاق المضيق، متجاهلين أن القيادة الإيرانية تنظر إلى الصراع باعتباره حربا وجودية وليس مواجهة محدودة. هذا الخطأ وضع واشنطن أمام واقع مؤلم: الحرب لم تعد مجرد ضرب جوي للقواعد الإيرانية، بل معركة استنزاف اقتصادي تضرب في العمق الأمريكي عبر ارتفاع أسعار الوقود.
وبالطبع، فإن الارتفاع في أسعار النفط قد طال كذلك القارة الأوروبية، التي تُعد الخاسر الأكبر في أي اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية. بعد الحرب الروسية – الأوكرانية، وجدت أوروبا نفسها مضطرة لإعادة هيكلة منظومة الطاقة لديها، والبحث عن مصادر بديلة للغاز والنفط الروسيين. وبالتالي، فإن أي أزمة جديدة في الخليج قد تعني ارتفاعا حادا في الأسعار، وتفاقم الضغوط الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي. لذلك من المرجح أن تسعى العواصم الأوروبية إلى لعب دور دبلوماسي نشط لتخفيف حدة التصعيد، وربما الضغط على واشنطن من أجل احتواء الصراع ومنع تحوله إلى حرب إقليمية واسعة.
أما دول الخليج فتجد نفسها في قلب هذه المعادلة المعقدة. فاقتصادات هذه الدول تعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط والغاز التي تمر عبر مضيق هرمز. لذا، فإن أي تعطّل في الملاحة يعني خسائر مالية ضخمة؛ فضلا عن تهديد استقرار الأسواق التي تعتمد عليها موازناتها.
هنا، يصبح التساؤل: ماذا عن المستقبل؟
في المدى الأبعد، قد تؤدي هذه الأزمة إلى تسريع التحولات الجارية بالفعل في خريطة الطاقة العالمية. فالدول الصناعية الكبرى بدأت منذ سنوات العمل على تقليل اعتمادها على الممرات البحرية الحساسة، سواء عبر تنويع مصادر الطاقة، أو عبر الاستثمار في الطاقة المتجددة. كما أن ارتفاع المخاطر الجغراسياسية قد يدفع شركات الطاقة إلى إعادة النظر في استثماراتها في المنطقة، أو إلى البحث عن مصادر بديلة في أفريقيا والأميركتين.. وهو ما يجري بالفعل، بحسب كثير من المؤشرات.
من جهة أخرى، قد تعزز الأزمة أيضا من أهمية الاحتياطيات الاستراتيجية وآليات التنسيق بين الدول المستهلكة للطاقة، كما حدث في قرار السحب الجماعي من المخزون الاستراتيجي. هذا يعني أن “سلاح الجغرافيا” قد يفقد تدريجيا بعضا من فعاليته مع مرور الوقت، إذا نجحت الدول الكبرى في بناء منظومة أكثر مرونة لإدارة أزمات الطاقة.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن مضيق هرمز عاد ليصبح، من جديد، مركزا لصراع الإرادات بين القوى الإقليمية والدولية. إيران تحاول استخدام موقعها الجغرافي لرفع تكلفة الحرب، وإجبار خصومها على إعادة حساباتهم؛ بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على حرية الملاحة، ومنع تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز سياسي. وبين هذين الاتجاهين تقف أوروبا ودول الخليج أمام معادلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع اعتبارات الأمن الإقليمي.








