ترجمة: أحمد بركات
برغم أنه لا يخلو من أوجه تشابه مع الحروب ضد العراق، قد يثبت الصراع ضد إيران أنه الأخطر والأكثر تأثيرا حتى الآن.
هذه هي الحرب الخليجية الثالثة، والنموذج المتكرر للصراعات في المنطقة منذ أن بسطت الولايات المتحدة هيمنتها ونفوذها في الشرق الأوسط بعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي وإسدال الستار على الحرب الباردة. وربما تكون أيضا هذه الحرب هي الأكثر خطورة وتأثيرا والتباسا على الإطلاق.
فحالة الدمار والفوضى التي تتفشى في جميع أنحاء المنطقة تؤكد وضعية الشرق الأوسط من حيث كونه “مصنع الأزمات” الأكثر تعقيدا في العالم، كما أنها تثير تساؤلات حول الإعلان المتكرر للرؤساء الأمريكيين بإنهاء التدخل الأمريكي في المنطقة فقط؛ ليجدوا أنفسهم منجذبين للعودة إليها تارة أخرى.
فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، عكفت الولايات المتحدة على إطلاق قواتها للإطاحة بإحدى الحكومات في منطقة الشرق الأوسط بمعدل مرة في كل عقد. وفي كل مرة تقريبا تركت هذه الحروب البلد المستهدفة بالتغيير، والولايات المتحدة أيضا، في حالة أسوأ بكثير، بسبب عواقب لم يُحسب لها حساب.
وبينما يعكف دونالد ترمب على تغيير نظام حكم آخر -هذه المرة في إيران التي يبلغ تعداد سكانها 90 مليون نسمة- يتزايد الشعور بالقلق. فالحدود الزمنية تمتد، والشعور بأن ترامب يقامر بمصير بلد يكاد لا يعرف عنه شيئا يتفاقم يوما بعد يوم.
حرب الخليج الأولى
على أقل تقدير، تميزت حرب الخليج الأولى (1990 ـ 1991) بأنها كانت محددة النطاق والأهداف والمدى الزمني.
فبمجرد أن قام صدام حسين بغزو الكويت، في تحد سافر لمبادئ القومية العربية، أجبر جورج دبليو بوش قوات الزعيم العراقي على التراجع بسهولة نسبية، مدعوما بتحالف عربي موسع عبر ضمان عدم تورط إسرئيل في هذه الحرب بمنعها من الرد على استفزازات صدام.
وانطلاقا من الالتزام بتفويض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتحرير الكويت وعدم غزو العراق، قرر بوش عدم تتبع الجيش العراقي المهزوم إلى بغداد. ولم تستغرق الحملة البرية سوى 100 ساعة.
تتشابه أحادية تلك الحرب مع ما يحدث الآن ضد إيران.
في هذا السياق وصف المفكر العربي عزمي بشارة حرب الخليج الأولى بأنها نموذج الحرب التي يخوضها طرف من دون مخاطر ضد طرف من دون أمل، حيث “يخسر أحد الطرفين بضعة جنود عرضا، فيما يخسر الطرف الآخر مئات الآلاف من جنوده بقوة السلاح”.
لكن هذه الحرب خلفت إرثا مهما. فقد تعلّم الأكرد والشيعة المسلمون خطورة استغلالهم من قبل رئيس الولايات المتحدة، الذي شجعهم على الانتفاضة ضد صدام و”تولي زمام الأمور بأنفسهم”، فقط ليكتشفوا أن بوش تنحى جانبا عندما وجدهم ينسحقون. وربما استوعب أكراد إيران هذا الدرس جيدا.
كما جلبت هذه الحرب نصف مليون جندي أمريكي إلى منطقة الشرق الأوسط. وكما كتب مارك لينش في كتابه Ruination of a Region (تدمير منطقة)، فإن هذه القوات “لم تعد أبدا أدراجها، وإنما انتشرت في أرخبيل من القواعد الأمريكية عبر منطقة الخليج العربي وبلاد الشام وجنوب تركيا لفرض احتواء مزدوج على كل من العراق وإيران”.
والآن، تشكل هذه القواعد تحت وطأة القصف الإيراني “البنية التحتية للهيمنة الأمريكية”.

حرب الخليج الثانية
في حرب الخليج الثانية، المعروفة باسم حرب العراق (2003 – 2011)، أعلن جورج دبليو بوش عزمه الإطاحة بصدام حسين على خلفية امتلاكه المزعوم لأسلحة دمار شامل.
كان ذلك يعني على أقل تقدير أن واشنطن لديها هدف واضح من هذه الحرب، رغم أنه كان مبنيا على فشل استخباراتي فادح لم يتحمل أحد مسئوليته.
وسواء ذهبت الولايات المتحدة إلى تلك الحرب بناء على كذبة أو سوء فهم، فقد مضت دون أن تعرف ما يكفي عن البلد الذي ستغزوه أو عن القوى التي ستطلقها بمجرد سقوط حكم صدام الاستبدادي.
لقد كان التفاؤل المفرط بشأن ما ستسفر عنه تلك الحرب بالغا لأن الرغبة فيها كانت عارمة.
ففي شهادته أمام أعضاء لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، في فبراير 2003، قال نائب وزير الدفاع الأمريكي آنذاك، بول وولفويتز، إن العراقيين، الذين كان يبلغ تعدادهم 23 مليون نسمة “من أكثر الناس تعليما وثقافة في العالم العربي، وسيستقبلوننا كمحررين”.
وأضاف أن “فكرة أننا سنخلق مزيدا من الأعداء بدخولنا العراق، وبالتخلص من حاكم يعلم العرب جميعا أنه واحد من أكثر الحكام استبدادا… ليست سوى محض هراء”.
ورفض وولفويتز مقارنة العراق بالبلقان، مؤكدا أن العراق ليس لديها “سجلا قتاليا بين ميليشيات عرقية”، ومن ثم فإنه “لن تكون هناك حاجة إلى قوت حفظ سلام كبيرة بعد الحرب”.
كما أبدى نائب وزير الدفاع الأمريكي ثقة بالغة في أن العراقيين الأحرار سينبذون التطرف الإسلامي والحكم الثيوقراطي، مقرا بأنه بنى أفكاره جزئيا على علاقاته الشخصية.
وكان من بين المؤيدين للحرب أيضا زعيم المعارضة في إسرائيل آنذاك، بنيامين نتنياهو، والذي أكد أنه “إذا أطحتم بصدام، فإني أضمن لكم أن يخلف هذا الإجراء آثارا إيجابية هائلة في جميع أنحاء المنطقة. وأعتقد أن جيرانهم في إيران وغيرها سيقولون أن زمن تلك الأنظمة وهؤلاء المسبدين قد ولى”.
ولكن ما حدث كان عكس ذلك، حيث ازدادت قوة إيران، بما في ذلك داخل العراق.
ولاحقا، وصف جون ساورز، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطاني M16، والممثل الخاص للمملكة المتحدة في بغداد، في عام 2003، الفترة التي أعقبت الغزو بأنها “فوضى كاملة”.
وأكد فيليب جوردون، مستشار الأمن القومي لنائبة رئيس الولايات المتحدة السابقة كامالا هاريس، أن “هناك خطأ جوهري فيما يتعلق بالتصور الأمريكي لتغيير الأنظمة”.
وكتب جوردون: “عند التلميح إلى قدرة الولايات المتحدة على حل المشكلات في الشرق الأوسط، فإنه يجدر بنا أن نتذكر أن الولايات المتحدة تدخلت في العراق واحتلتها، وكانت النتيجة كارثة فادحة. وتدخلت في ليبيا ولم تحتلها وكانت النتيجة أيضا كارثة فادحة. أما في سوريا فإن الولايات المتحدة لم تتدخل ولم تحتل أراضيها، وكانت النتيجة كارثة فادحة”.
وخلص الخبير في شئون الأمن القومي إلى أن “الحروب قد تطيح بالأنظمة، ولكنها لا تخلق مجتمعا متماسكا”.

حرب الخليج الحالية
بالمقارنة بعام 2002، فإن ما لدينا الآن هو “التباس ملحمي”، وليس ما يسميه ترامب “عملية الغضب الملحمي”.
فعبر سلسلة من المقابلات والبيانات والمكالمات الهاتفية، لم يقدم ترامب وفريقه سوى مبررات متناقضة بشكل صارخ لتلك الحرب، قلما تتجاوز المزاعم الواهية والادعاءات الجوفاء.
فقد استعرض وزير الحرب الأمريكي، بيت هيجسيث، مجموعة من الأسباب المتضاربة في ندوات أشبه بفيلم المغامرة Top Gun، مشيرا إلى أنه “لا يمكن أن تمتلك الأنظمة المجنونة المتشبثة بأوهام إسلامية نبوية، كالنظام الإيراني، أسلحة نووية”.
وزعمت إدارة ترمب أن إيران كانت على وشك امتلاك صاروخ باليستي عابر للقارات وقادر على ضرب أمريكا. فيما أكد ستيف ويتكوف، المبعوث الدولي لترامب في جميع المهام، أن إيران كانت على مسافة أسبوع واحد من امتلاك مواد تمكنها من تصنيع قنبلة نووية.
من جانبه قال نائب الرئيس جيه دي فانس إن المحادثات النووية مع إيران لم تحقق أي تقدم، مؤكدا أن إيران كانت تبني منشآت تحت الأرض بعمق 20 مترا (70 قدما)، وتخصب اليورانيوم حتى نسبة نقاء 60%. ومن ثم فإن المواقع النووية التي دُمّرت في هجمات يونيو الماضي كانت بحاجة إلى إعادة تدميرها.
ووصف ترامب الطبيعة الإرهابية للنظام على مدى 40 عاما، وتحدث عن ضرورة تغييره.
لكن التبرير الصادم جاء على لسان وزير الخارجية ماركو روبيو الذي أخبر الصحافيين بأنه “كنا نعلم أن هناك تحركا إسرائيليا، وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم على القوات الأمريكية، وكنا نعلم أيضا أنه إذا لم نبادرهم قبل أن يهاجموننا، فسنتكبد خسائر أكثر فداحة”.
ويبدو أن أحدا في البيت الأبيض لم يفكر في أن الحل البديل لهذه المقامرة يكمن في مطالبة إسرائيل بعدم مهاجمة إيران، وليس في مهاجمة إيران.
وهنا يبرز السؤال مجددا: “من القوة العظمى هنا؟”، وهو نفس السؤال الذي طرحه بيل كلينتون في عام 1996 بعد لقائه الأول والعاصف مع نتنياهو.
ربما يعود جزء من تلك الفوضى إلى عدم توافق الأهداف السياسية لدى إسرائيل والولايات المتحدة بشكل كامل.
كما أن الخوف من السقوط في مستنقع العراق دفع ترامب إلى القول بأنه يبحث عن شخصية إيرانية مراوغة تضاهي ديلسي رودريجيز، التي حلت محل نيكولاس مادورو في حكم فنزويلا، والتي، برغم تجذرها في النظام، تظل قادرة على إعادة توجيه دفة السياسة على نحو براجماتي بما يتوافق مع توقعات واشنطن، وهو ما يشبه تصور وزيرة الخارجية الأمريكية، كوندليزا رايس بشأن العراق بأن “الجيش سيُهزم، ولكن المؤسسات ستصمد”.
وقال ترامب إنه عثر على بعض المرشحين المحتملين، قبل أن يعترف بأنهم لسوء الحظ يرقدون الآن جثثا هامدة تحت أنقاض المبنى الحكومي الذي فُجِّرَ، مضيفا: “لدينا الآن مجموعة أخرى. قد يكونوا في عداد الموتى أيضا وفقا للتقارير. لذا أتوقع أنكم بصدد موجة ثالثة، إلا أنني متأكد تماما أننا لن نعرف منهم أحدا”.
ورغم ذلك، لا يبدو ترامب في بعض الأحيان ذلك الرجل الذي يريد توجيه ضربة محدودة أو “تدمير الأبوب الدامية فقط “، وإنما يسعى إلى هندسة تدمير المبنى بأكمله، ويرغب في فتح صندوق الباندورا عبر طلب مساعدة المتمردين الأكراد في إيران لتحقيق ذلك.
ويحذر ساورز، تعويلا على خبراته السابقة في منطقة الشرق الأوسط، من “احتمال تآكل النظام أو انهياره، وفقد السيطرة على أجزاء من البلاد وتفككها إلى مناطق مختلفة تنشأ فيها إدارات محلية على أساس عرقي في أغلب الأحوال، ما يجعلها تتحول في نهاية المطاف إلى دولة فاشلة”.
وأضاف: “لقد علمتنا السنوات الأربعين الماضية أن هذا يعني تحول إيران إلى مركز للإرهاب وتهريب وتجارة الأسلحة والمخدرات وغير ذلك من أشكال وصنوف الجريمة”.
كما أن تعدد الأقليات العرقية في إيران، مثل الأكراد والبلوش والعرب الأحوازيين والأذربيجانيين، ومحاولة استغلال هذا التعدد من أجل تفكيك البلاد، طالما شكل أحد أكبر مخاوف القيادة، خاصة أن الغالبية العظمى من الموارد الطبيعية في إيران، مثل النفط والغاز ومصادر المياه الرئيسية، موجودة في المناطق التي تسكنها مجتمعات غير فارسية ومجموعة كبيرة من المسلمين السُنة، في حين تتركز الأغلبية الشيعية الفارسية في الهضبة الوسطى، وهي منطقة قاحلة يحدها من الغرب جبال زاجروس، ومن الشمال سلسلة جبال البرز، ومن الشرق الصحراء الوسطى.
إن المقارنة بين الحرب الحالية وحروب الخليج السابقة ليست صحيحة تماما، فإسرائيل لم تكن القوة الدافعة مثلما هي الآن في هذا الصراع، كما أن احتمالية حدوث انقسام طائفي بين السُنة والشيعة أقل، فضلا عن عدم تدخل قوات برية غربية في الحرب الحالية.
ولكن الخطر يكمن بالأساس في أن هذه الحرب تمثل مشروعا أمريكيا يركز بقوة على تدمير التهديدات التي تفرضها إيران. ولكن دعاة الصدمة والترويع قلما يدركون طبيعة القوى التي يمكن أن تنشأ عن انهيار الجمهورية الإسلامية.
ففي الطريق إلى بغداد عام 2003، طرح قائد القوات الأمريكية، الجنرال ديفيد بترايوس، سؤالا مهما: “أخبروني كيف ستنتهي هذه الحرب؟”. ويبقى هذا السؤال ملحا الآن مثلما كان في ذلك الحين.








