رؤى

ترامب يعود من بكين.. بـ “خُفَّي حُنَيْن”!

ترجمة: أحمد بركات

برغم كل مظاهر البهرجة والأبهة التي حفلت بها زيارته للصين، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بلاده بخُفَّي حُنَيْن، حيث تمسكت الصين بمواصلة سياساتها، فيما يتعلق بمساعدة إيران في معركتها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وغادر الرئيس الأمريكي بكين دون أن يحصل على صفقات تجارية كبيرة مع القوة العظمى المنافسة، كما كان يُمنِّي نفسه ورجال الأعمال المقربين.

ومن ثم -كما كان متوقعا- لم تختلف هذه القمة، التي التقى خلالها الرئيس الأمريكي نظيره الصيني شي جين بينغ، في كثيرٍ عن قمة ألاسكا، التي جمعت الرئيسين الأمريكي والروسي، فلاديمير بوتين، بمدينة أنكوريج في أغسطس 2025.

ففي خِضم اقتصاد صيني عملاق يسهم في توسيع أنشطة قواته العسكرية ويتفوق على الولايات المتحدة في السيطرة العالمية على المعادن النادرة- استقبلت بكين الرئيس الأمريكي بمهرجان تَحُفُّه الأعلام والورود، وتُزيِّنه مأدبة رسمية فخيمة، ويُغلِّفه في الوقت نفسه ازدراء سافر يتوارى خلف استعراضات صاخبة أقيمت خصيصا لإلهاء الزعيم العالمي، عن حالة الغرق التي يكابدها عن غير وعي.

لا شك أن الرئيس الأمريكي -السابع والأربعين- قد هالته الحفاوة وأبهرته فخامة الاستضافة على مدى رحلته التي استغرقت يومين، ما جعله يشعر بارتياحٍ كافٍ لإهالة المديح العنصري على مضيفه الذي وصفه لقناة “فوكس نيوز” بأنه “طويل القامة.. طويل جدا بالنسبة لهذا البلد، لأن الصينيين يميلون إلى قصر القامة”.

في المقابل، لا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لتخمين ما قاله الصينيون عن ترامب بعد أن غادرهم، حيث تشي الإحاطات الإعلامية الواردة من بكين، بأن ما قيل لم يكن مدحا على الإطلاق، حيث عمدت بكين -بدلا من ذلك- إلى تذكيره بضرورة النأي بنفسه عن القضايا التي تخص تايوان، وإلا فسيخاطر بأن يجد نفسه في أتون صراع سافر.

إلى ذلك، كان ترامب يأمل في أن يبرم صفقات كبيرة في بكين، بينها صفقة طائرات لشركة “بوينج” العملاقة. وبالفعل صرَّح الرئيس الأمريكي بأن “بوينج” قد “تلقت طلبية” صينية لشراء مئتي طائرة، فيما كانت تأمل الشركة في بيع 500 طائرة.

وفيما يتعلق بالدعم الصيني للولايات المتحدة ضد الآلة العسكرية الإيرانية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على المكونات الصينية، فيما تمتلكه من صواريخ وطائرات مسيرة، والتي لا يزال 60% منها سليما برغم القصف الأمريكي الإسرائيلي -حسبما أفات تقارير- فقد عاد ترامب إلى بلاده صفر اليدين، إذ لم يمثل تجديد الاتفاق بشأن عدم السماح لإيران بتطوير أسلحة نووية سوى تكرار لسياسة الصين الراسخة في هذا الملف.

كما لم تقدم بكين من جانبها أي التزام من أي نوع بشأن استخدام نفوذها لدى طهران من أجل فتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران منذ الهجوم عليها في فبراير، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل.

كان من المفترض أن يكون هذا الاتفاق إنجازا سهلا يعود به الرئيس الأمريكي من رحلته إلى بكين، حيث تحصل الصين على ما يقرب من نصف إمداداتها من النفط من الخليج العربي، كما تتمتع بخصم على صادرات النفط الإيرانية الخاضعة للعقوبات، والتي تفرض عليها الولايات المتحدة حصارا في الوقت الحالي.

إلا أن وزارة الخارجية الإيرانية اكتفت بالقول بأنه: “لا يوجد سبب واحد لاستمرار هذا الصراع الذي ما كان ينبغي له أن يندلع من الأساس”.

لقد اكتفت الصين، في واقع الأمر، بمقعد المشاهد للطريقة التي سيخرج بها ترامب من حربه غير الشرعية التي شنها بالتعاون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي توجه له المحكمة الجنائية الدولية أيضا اتهامات بارتكاب جرائم حرب في غزة.

ومع اختتام الرئيس الأمريكي زيارته للصين، وجدت إيران الفرصة سانحة لتُظهر مجددا حدود القوة الأمريكية.

في هذا السياق قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن بلاده “ليس لديها أي ثقة” في واشنطن، مؤكدا أن رفاقه لن يعودوا إلى مائدة المفاوضات إلا إذا “أظهرت الولايات المتحدة جديتها”.

وفي بادرة تعتبر بمثابة هدية إلى الصين، أعلن وزير الخارجية الإيراني أنه “بإمكان جميع السفن المرور عبر مضق هرمز الآن، فيما عدا سفن الدول التي تشن حربا ضد إيران”.

وبرغم أن آلية تنفيذ تلك البادرة لم تتضح بعد، إلا أنها تعزز التصور العالمي بأن النظام الإيراني، الذي يدعم الإرهاب ويقتل معارضيه في الداخل ويتسبب في زعزعة الاستقرار في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط- ليس سوى ضحية.

كان بإمكان بكين أن تربح كل شيء من إعطاء ترامب مكسبا دبلوماسيا زهيدا من خلال التعهد بالضغط على طهران، ولكن شي لم يكن بحاجة إلى أن يكلف نفسه عناء ذلك، بعد أن شتت انتباه ترامب بصخب وجوده في حضرته.

فالرئيس الصيني، تماما مثل نظيره الروسي فلاديمير بوتين، هو النموذج الذي يرغب ترامب في أن يحذو حذوه، حيث يتمتع الزعيمان، الصيني والروسي، بسلطة شبه مطلقة في الحكم لا تخضع لقيود الديمقراطية الحقيقية.

وقد انتهج ترامب النهج الصيني والروسي، فوضع يده على جميع القوات العسكرية والأجهزة الأمنية، كما يسعى جاهدا إلى تقويض وتفكيك استقلال القضاء، فضلا عن أنه خلق أقلية حاكمة تعتمد تماما على سياساته لتحقق ثرائها الشخصي.

ولكن، بينما لا يمتلك ترامب أي رؤية تتجاوز توسيع دائرة سلطاته ومضاعفة ثروات المقربين منه، يمتلك شي -على الجانب الآخر- رؤية استراتيجية وخطة محكمة لتوسيع مجال النفوذ الصيني في العالم على مدى العقود القادمة.

لا شك أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر اقتصاد وأقوى جيش في العالم، وتنتشر قيمها الثقافية في كل بيت على سطح الأرض. رغم ذلك، فقد تُجُوهِل رئيسها خلال حفل شاي ببكين، وعاد إلى بلاده وهو لا يحمل سوى “خُفَّي حُنَيْن”.

https://www.independent.co.uk/news/world/asia/trump-xi-china-iran-putin-trade-b2977247.html

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى
زر الذهاب إلى الأعلى