رؤى

هآرتس: كيف حوّل ترامب إسرائيل إلى مادة للسخرية في واشنطن؟

مقدمة أصوات: في هذا المقال يندد الكاتب تسيفي بارئيل بالوضع المهين الذي وصلت إليه دولة الاحتلال بسبب تعمّد ترامب السخرية من شخص نتنياهو وتحقيره بمناسبة وبدون مناسبة..  ويرى بارئيل أن نتنياهو يستحق كل ذلك وأكثر، بوصفه “متهم جنائيا يستحق كل إدانة وإذلال ممكنين لتدميره الطابع الديمقراطي لإسرائيل، وشنّه حروبا عبثية، واستغلاله منصبه لمصالحه الشخصية، وتفكيكه للمجتمع الإسرائيلي”.

ما يخشاه الكاتب أن تكرِّس سخرية ترامب من رئيس وزراء دولة الاحتلال لوضع جديد -سيصبح إرثا لرؤساء أمريكا بعد ترامب- ويرى أن الحل الوحيد هو التخلص من نتنياهو وإعادة بناء ما دمّره من أسس الدولة العبرية.

ويبدو أن بارئيل يظن أن إرث السخرية والمهانة هو وحده ما يجب التخلص منه.. ليس صحيحا إذ ستواجه دولة الاحتلال في قابل الأيام موجة من النبذ والرفض والتهميش لم تعرفها منذ تأسيسها قبل 78 سنة، بعد اتخاذ عدد من الدول إجراءات حظر ومنع وإنهاء شراكة مع الكيان الغاصب، بعد تصاعد الغضب الشعبي  بسبب الإبادة الجماعية التي نفذتها -وما زالت تنفذها- دولة الاحتلال في قطاع غزة.

المقال:  

يُبثُ البرنامج الرئيسي كل ليلة تقريبا. يُدعى ملايين المشاهدين على شاشات التلفزيون، والمواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي للاستمتاع بلحظات من الاسترخاء بينما ينتظر الجميع كلمات النجم البرتقالي القادم من واشنطن. وهو لا يُخيّب الآمال أبدا.

يُمتعنا ترامب كثيرا عندما يروي لنا، في عروضه الكوميدية القصيرة، كيف وبّخ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وكيف أذلّه، وسحقه، وداسه، ومضغه، وبصق عليه – كيف أمره بالجلوس، ثمّ أطلق سراحه بعبارة “انصرف” – باختصار، هكذا يُصنع “قائد من طراز آخر”.

أحيانا، لا يكفي رئيس الوزراء بالنسبة لدونالد ترامب. فهو يجد أيضا وقتا لتوجيه بعض الصفعات القوية إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ، نعم، لإسرائيل رئيس أيضا. لم يتعرض أي رئيس وزراء أو رئيس آخر للإساءة من قِبل أقرب حلفاء إسرائيل كما تعرض قادة الدولة اليهودية.

صحيح أنه وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ”الأحمق”، وانتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لعدم امتنانه، وقال إن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر “ليس ونستون تشرشل” لمعارضته سياسة ترامب تجاه إيران، بل ووصف الزعيم البريطاني بالضعيف وغير القادر على اتخاذ قرار. لكنه لم يعامل أيًا منهم قط بازدراء أو كجرو مدرب “إذا أمرته بشيء، يفعله”. ولم يُوصف أي منهم بعد بـ”المجنون”. لا يسع المرء إلا أن يحسد ترامب على المديح الذي أغدقه على صديقه المقرب، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي وصفه بأنه “شخصية قوية” تؤدي عملا رائعا. ووصف الرئيس السوري أحمد الشرع بأنه “شاب وسيم” ذو “ماضٍ حافل” يقوم “بعمل استثنائي” ولديه القدرة على جعل سوريا دولة ناجحة. وسأتوقف هنا كي لا أغرق في سيل المديح الذي أغدقه على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي يسميه “أخيه”.

المشكلة تكمن في أنه بعد انتهاء هذا العرض اليومي، يتضح أننا نحن من انقلبت علينا الخدعة، وهي أبعد ما تكون عن كونها مضحكة. ذلك لأن ترامب لا يكتفي بإهانة رئيس الوزراء الإسرائيلي وإذلاله، وهو متهم جنائيا يستحق كل إدانة وإذلال ممكنين لتدميره الطابع الديمقراطي لإسرائيل، وشنّه حروبا عبثية، واستغلاله منصبه لمصالحه الشخصية، وتفكيكه للمجتمع الإسرائيلي.

بل إن ترامب -عبر نتنياهو الذي أصبح دمية في يده- يرسّخ أسس تقليد جديد ستتمكن كل إدارة أمريكية مستقبلية من اتباعه.

لطالما عرف الرؤساء الأمريكيون كيف يعارضون سياسة إسرائيل، ويرفضونها، ويوقفون عملياتها العسكرية، ويأمرونها بالانسحاب، ويغضبون من قادتها، بل ويفرضون عليها عقوبات. لكن هذا السلوك كان دائما يتماشى مع قواعد اللعبة المتفق عليها، وهي أن حماية أمن إسرائيل قيمةٌ عليا. وهذا نتاج إدراك القيم المشتركة بين البلدين. لا يسع المرء إلا أن يبكي حين يتذكر ما قاله الرئيس جيمي كارتر خلال زيارة رئيس الوزراء مناحيم بيغن للبيت الأبيض عام ١٩٧٧: “هناك تشابه كبير بين ما تمثله إسرائيل، وما ترمز إليه، وبين ما يمثله رئيس الوزراء بيغن وما يرمز إليه. إنه رجلٌ أظهر استعدادا للتضحية من أجل المبادئ، رجلٌ أظهر شجاعةً شخصيةً فائقةً في مواجهة المحن والتحديات وخيبات الأمل، ولكنه انتصر في النهاية بفضل عمق التزامه وسماته الشخصية. وهذا تشابهٌ قويٌ مع ما كانت عليه أمته وما هي عليه الآن”.

مع أن كارتر كان من أشد منتقدي بيغن، إلا أنه لم يخطر بباله أبدا أن يقول: “إذا أمرته بشيء، فإنه يفعله”. لكن ترامب أزال كل هذه القيود.

بفضل نتنياهو، يستطيع ترامب أن يعامل إسرائيل كمستعمرة نائية، ورئيس وزرائها كقائد قاعدة عسكرية يخضع لأوامره. إذا لم تستفق إسرائيل سريعا، وتتخلص من الرجل الذي يمثل المشكلة، وتعيد بناء الأسس التي دمرها نتنياهو، فسيكون هذا إرثه للرؤساء الأمريكيين الذين سيأتون بعده.

رابط المقال الأصلي:

https://www.haaretz.com/opinion/2026-06-10/ty-article-opinion/.premium/how-trump-turned-israel-into-washingtons-punchline/0000019e-ad62-df19-a59e-ff6b92570000

زر الذهاب إلى الأعلى