في دراسته القيمة المعنونة “دور الازهر السياسي في مصر إبَّان الحكم العثماني” يستعرض الدكتور عبد الجواد صابر إسماعيل، أستاذ التاريخ الإسلامي الحديث في جامعة الأزهر، صفحات منتقاة من تاريخ مصر في الفترة ما بين دخول العثمانيين إلى مصر في القرن السادس عشر الميلادي، إلى القرن الثامن عشر الميلادي؛ موضحا الدور البارز الذي لعبه الأزهريون، شيوخا وطلبة علم على حد سواء في تلك الفترة.
ويسهل على الباحث والقارئ المتعمق لهذه الدراسة أن يخرج بعدد من النتائج عقب الاطلاع على النماذج التاريخية التي أوردها المؤلف.
وأول هذه النتائج: هو أن المصريين بشكل عام والأزهريين بشكل خاص؛ أدركوا منذ عصر سابق على عصر التنظيم النقابي في أوروبا، مدى أهمية التنظيم المجتمعي فكان المنتمون إلى الأزهر من مدرسين ودارسين أشبه بتنظيم هرمي متكامل الأركان، وكان هذا التنظيم ينهض بدوره في الدفاع عمن ينتمون إليه من أفراد، إذا ما وقع على فرد منهم ظلم بيِّن.
ومن أمثلة ذلك ما يسُوقه المؤلف عن غضبة الأزهريين عام1689، لشيخ يدعى أحمد بن عبد الدايم حين اعتقل وعذِّب دون ذنب اقترفته يداه على يد الجنود الانكشارية (قوات مشاة من النخبة بالجيش العثماني).
ما حدا برفاق الشيخ المذكور إلى الإضراب عن الدراسة في الأزهر والمجاهرة بسخطهم على من أسموهم “البُغاة” حتى سُجِنَ من ظلموا الشيخ الشاب واستسمحه قائد الانكشارية.

وهو ما تكرر عام1717، مع نجل الشيخ منصور المنوفي، حين تعرّض لموقف مماثل عندما تعدَّى عليه بالضرب المبرح جنود من الانكشارية فما كان من شيوخ الأزهر إلا مطالبة والي مصر بعزل قادة الانكشارية من مناصبهم وهو ما كان.
ثانيا: أن المصريين عرفوا شكلا من أشكال التمثيل النيابي قبل قرون من افتتاح البرلمان المصري في عهد خديوي مصر إسماعيل باشا عام1866.
حيث أن ما كان يعرف بالديوان العالي في العهد العثماني والذي كان يعقد بقلعة صلاح الدين مقر الحكم في تلك الفترة، بحضور شيوخ من الأزهر والذين كان عامة الشعب يعتبرون أنهم يمثلونهم ويدافعون عن حقوقهم في ذلك الديوان.
وكان الأزهريون يدركون تماما هذا الدور الذي عهد لهم به العامة وما يوجبه من مسئولية تقع على عاتقهم، وكانوا يرون في دورهم هذا امتدادا لتراث النقباء الاثني عشر الذين جعلهم النبي الكريم على رأس قومهم في بيعة العقبة الثانية.
لذا كانوا يعارضون قرارات الولاة التي من شأنها أن تمس بصالح الزراع أو الصناع أو التجار أو غيرهم من فئات الشعب المختلفة.
ومثال ذلك.. معارضة الفقهاء في صيف عام 1693، محاولة والي مصر علي باشا مصادرة أراض زراعية من فلاحين في صعيد مصر مؤكدين أن ما يطالب به أهالي الصعيد من احتفاظ بهذه الأراضي هي حقوق يقرها الشرع وأنهم -أي أهل الصعيد- لم يتجاوزوا هذه الحقوق.
ثالثا: أن أداة الأزهريين والمصريين بشكل عام في ذلك العصر لانتزاع مطالبهم المشروعة من الولاة أو لرفع الظلم عن العباد كان العصيان المدني، علما بأن المصريين استخدموا هذا الأسلوب قبل أن ينقشه الكاتب الأمريكي هنري ديفيد ثورو في بحث له عام 1849.
حيث تتكرر بشكل روتيني في كتابات مؤرخي تلك المرحلة مثل عبد الرحمن الجبرتي وغيره جملة “أغلقت أبواب الأزهر وأغلق التجار متاجرهم ووكالاتهم وشرعوا في إغلاق المساجد والمدارس”.
بعبارة أخرى كان المصريون يدركون أن تعطيل الحياة اليومية وخاصة حركة السوق بما تتضمنه من تداول للسلع وبيع وشراء من شأنه أن يشكل أداة ضغط فاعلة على الولاة ترغمهم على التفاوض مع ممثلي الشعب.
رابعا: أن الأزهر باعتباره مؤسسة، وبسبب كل ما سبق ذكره من أساليب احتجاجية، بلغ درجة من القوة جعلته قادرا على عزل الولاة بل ونفيهم أحيانا.
ومن الولاة العثمانيين الذين تمكن شعب مصر من عزلهم قبل تعيين محمد علي باشا بانتفاضة شعبية عام 1805، كلا من:
– الوالي موسى باشا الذي عزله الشعب عام 1630، بسبب اغتياله زعيم المماليك قيطاس بك غيلة وغدرا.
– الوالي رجب باشا الذي عُزل أيضا بإرادة شعبية قادها شيوخ الأزهر عام1721، وعبروا عن تلك الإرادة في رسالة أرسلوها إلى السلطان العثماني قالوا فيها أن والي مصر رجب باشا ما خلعه إلا الرعية التي رفضت أن يكون حاكما عليها، وإن الرعية في مصر تطلب حاكما عادلا يحكم فيها بما أنزل الله سبحانه وتعالى وما جاء في سنة رسوله.
ولا يغيب عن القارئ ما تكرسه هذه الرسالة من مبدأ سيادة الشعب وحق الأمة في تولية وعزل ولاتها.
ومن اللافت أن عزل المصريين لولاتهم بات عادة متكررة أثارت استياء المسئولين العثمانيين في مقر دولتهم في اسطنبول وفي مقدمتهم الصدر الأعظم (ما يعادل رئيس الوزراء في عصرنا الحالي) الذي قال لوفد من الأزهريين أتاه في زيارة في اسطنبول: “أي نوع من الباشوات نرسله لكم؟ لنصنع لكم باشا من خشب لعله يوافق أهواءكم”.
خامسا: أن فقهاء مصر أدركوا أهمية إلزام الولاة بما يمكن وصفه بلغة العصر بوثيقة دستورية تضمن حقوق الرعية، ومن امثلة ذلك وثيقة الصلح بين ممثلي الشعب وقادة المماليك في مصر: إبراهيم بك ومراد بك عام1795، والتي أعقبت انتفاضة شعبية عارمة ضد تجاوزات هذين القائدين ولم يجدا حلا لها سوى عقد مجلس صلح مع شيوخ الأزهر وقاضي قضاة مصر وقع فيها على الوثيقة المذكورة أعلاه والتي تضمنت 19 بندا ملزما للموقعين عليها.
سادسا: أن الأزهريين ورغم إدراكهم لخطورة الاستبداد الداخلي وتصديهم له، إلا أنهم في الوقت ذاته كان يرفضون التدخل الخارجي.
وخير مثال لذلك هو تصديهم عام1786، لحملة عثمانية عسكرية بقيادة حسن باشا القبطان كانت تهدف لنصرة الوالي العثماني في صراعه ضد قادة المماليك.
ورغم معارضة الأزهريين لظلم المماليك البين، إلا أن هذا لم يمنعهم من معارضة حسن باشا القبطان حين أقدم على ممارسات تخالف الشرع من وجهة نظرهم مثل حبس أولاد المماليك الفارين ونسائهم، ونجح الفقهاء في نهاية الأمر من التوصل إلى حل وسط مع الباشا المذكور وهو العفو عن قادة المماليك على أن يبقوا خارج القاهرة.
وفي المجمل، يمكن القول أن ما تثبته الدراسة هو أن لشعب مصر تراثا نضاليا عريقا عُتِّمَ عليه -عن عمد- لصالح رواية أخرى.. رواية تحسّن صورة الاستعمار الأجنبي وتصوّره في صورة منقذ أتى عبر البحار ليأخذ بيد المصريين ويعلمهم مبادئ الحرية والعدالة التي يجهلونها.
ولكن الحقيقة التاريخية -التي تبرزها الدراسة- أن هذه القيم كان يدركها الشعب تمام الادراك قبل مجيء المستعمر وجسَّدها ممثلوهم الذين استحقوا أن يصفهم الشعب بتعبير المؤرخ الجبرتي بـ”ساداتنا العلماء”.








