“أبناء عاملين” مصطلح يعرفه عموم المصريين، عنوانا على الواسطة والمجاملة وإسناد الأمر لغير أهله.. وفي الوسط الرياضي رأينا نماذج من أبناء العاملين، زاحمت أصحاب المواهب، وفي أحيان كثيرة استولت على فرصهم.. تلك النماذج في مجال كرة القدم، تكاد تكون معروفة للكافة.. لذلك عندما بدأ اسم مصطفى شوبير يتردد في الأسماع، وهو ما زال ناشئا في صفوف فرق النادي الأهلي.. توقَّع الكثير من المهتمين بالشأن الكروي في مصر أن يكون مصطفي، حلقة في سلسلة أبناء العاملين الذين يفرضون أنفسهم دون أحقية؛ هذا بالإضافة إلى موقف الكثيرين “غير الودي” من شوبير الأب؛ لأسباب لا مجال لذكرها- جعلت من مصطفى هدفا للهجوم الشرس؛ حتى بعد تقديمه مستويات لا بأس بها بعد تصعيده للفريق الأول في النادي الأهلي.
وجاء الاختبار الأهم في حياة أوفا -كما يناديه زملاؤه- عندما أصيب الحارس الأساسي محمد الشناوي قبيل مباراة الذهاب في نهائي دوري الأبطال في 4 يونيو 2023، أمام الوداد المغربي باستاد القاهرة في حضور جماهيري قارب الثمانين ألفا، بدا شوبير واثقا وتعامل مع الكرات التي وصلته بثبات، إلى أن حانت الدقيقة الأربعون من زمن المباراة والتي شهدت تصديا مذهلا من أوفا، عندما انفرد أيمن الحسوني بالمرمى بعد وصول كرة عالية إليه، فشل رباعي الدفاع المتواجد على قوس منطقة الجزاء في إبعادها، ويخرج شوبير لمواجهته وقد أغلق المرمى تماما بحركة الأخطبوط على طريقة الحارس الأالماني نوير.. ويسدد الحسوني بقوة لتصطدم الكرة بصدر أوفا، قبل أن يشتتها الدفاع.. انتهت المباراة بفوز الأهلي بهدفين لهدف قبل أن يحصد اللقب في كازابلانكا بالتعادل الإيجابي بهدف لهدف في مباراة غاب عنها شوبير، ولعبها الشناوي.
في دوري الأبطال الموسم التالي حقق شوبير رقما يصعب كسره في المدى القريب.. إذ حافظ على نظافة شباكه في تسع مباريات متتالية واحتفظ للأهلي باللقب بعد تألقه على نحو غير عادي.
ورغم إخفاق الأهلي في البطولتين الإفريقيتين التاليتين -بطولة 2025 لعبها الشناوي- إلا أن مصطفى كان سببا مباشرا في خروج الأهلي فائزا أو متعادلا خارج الأرض في مباريات عديدة.
ورغم أن شوبير شارك بديلا في مباريات المنتخب في تصفيات كأس العالم، ولم يحظ باللعب أساسيا في أية مباراة إلا أن التقدم المذهل في مستوى مصطفى، جعل المدير الفني للمنتخب الكابتن حسام حسن يحسم الأمر مبكرا.. مصطفى شوبير حارس منتخب مصر الأساسي في كأس العالم.
شارك شوبير مع المنتخب في المباريات الخمس التي لعبها المنتخب في كأس العالم.. ويذهب كثيرون إلى أن الحارس الشاب، هو اللاعب الأفضل أداءً بين لاعبي مصر خلال البطولة العالمية.. قدّم أوفا أداءً لافتا في المباراة الأولى أمام بلجيكا.. لم يقتصر الأمر على 17 تصديا منها ما كان أهدافا مؤكدة (ثلاث تسديدات قوية من داخل مربع العمليات) كما كان موفقا في التعامل مع عرضيتين بالالتقاط مرة والإبعاد مرة أخرى.. واستعاد الكرة 7 مرات وكسب التحاما واحدا. تميّز شوبير أيضا بدقة تمرير أهّلته لبناء اللعب 53 مرة متفوقا بفارق كبير على كورتوا، الذي بنى اللعب لفريقه 36 مرة فقط. حصل مصطفى على تقييم 7.4 من 10 واستحق إشادة اللجنة الفنية بالفيفا التي وصفت أداءه بالبطولي، إذ أنقذ فريقه من خسارة مؤكدة.
في المباراة الثانية أمام منتخب نيوزيلاندا قدّم شوبير أداءً ممتازا ولعب دورا حاسما في فوز فريقه بنتيجة (3 – 1) إذ تصدّى لأربع كرات من داخل منطقة الجزاء، وتعامل مع الكرات العالية والعرضية بكفاءة 7 من 8 كرات وبلغت دقة تمريراته 71% واستعاد الكرة بنجاح 8 مرات، بالإضافة إلى 5 تخليصات دفاعية. نال أوفا أعلى تقييم في المباراة بـ 8.3 من 10.
في المباراة الثالثة أمام المنتخب الإيراني، وهي المباراة التي عادل بها رقم والده من حيث عدد المشاركات في كأس العالم- أظهر شوبير إمكانات فنية كبيرة، تصدَّى لضربة جزاء سددها مهدي طارمي بقوة على يساره، وأبعد تسديدة أرضية قوية من داخل منطقة الجزاء؛ لكنها انتهت إلى هدف من زاوية صعبة، واجه شوبير صعوبة كبيرة في الكرات العرضية في الشوط الثاني ولم يوفق في التقاط أكثر من كرة إلا أن الأمور مرت بسلام.. وانتهت المباراة بتعادل الفريقين بعد إلغاء حكم المباراة هدفا للفريق الإيراني بدافع التسلل، وكان لتقدم شوبير الفضل في إلغاء الهدف.
في المباراة الأولى في الأدوار الإقصائية التقى المنتخب المصري بنظيره الأسترالي.. تألق شوبير بشكل لافت في المباراة حيث نال أعلى تقييم بـ 7.6 عبر شبكة “سوفا سكور”. قاد أوفا فريقه لتأهل تاريخي بركلات الترجيح (4-2) بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل (1-1). بعد تصديه لتسديدتين من داخل منطقة الجزاء، والتمرير الصحيح 27 مرة من أصل 31 تمريرة إجمالية، بنسبة دقة عالية بلغت حوالي 87%، ما يعكس تميزه في بناء اللعب من الخلف وتخفيف الضغط على زملائه.
في مباراة الأرجنتين قدم شوبير مباراة تاريخية رغم الأهداف الثلاثة التي دخلت مرماه، تصدى لضربة جزاء من ميسي ليكون الحارس الرابع في تاريخ كأس العالم الذي يتصدى لضربتي جزاء في الوقت الأصلي للمباريات، كما تصدى لأربع كرات كانت بمثابة أهداف مؤكدة سددت من مسافات قريبة جدا من داخل منطقة الجزاء، وبلغت دقة تمريراته 79% (24:19). ونال تقييما قدره 7.3 وهو أعلى تقييم في الفريق بعد زيكو 7.6.
شوبير الذي احتفل بعيد ميلاده السادس والعشرين الشهر قبل الماضي، هو مستقبل حراسة المرمى في المنتخب المصري خلال السنوات العشر القادمة على الأقل بمشيئة الله.. فهو يتمتع بميزات نستطيع أن نقول أنها لم تتوفر مجتمعة في حارس مصري من قبل.. فالإضافة إلى التميز الشديد في اللعب بالقدمين ودقة التمرير الكبيرة، وبناء اللعب.. يتمتع شوبير بمعدل ذكاء مرتفع جدا، وحُسن توقع غير عادي، إلا أن أهم ما يميزه -في نظري- هو أنه حارس ذو خيال خصب ولديه تصورات مبتكرة جدا عن طرق حماية المرمى، وهو يستخدم تكتيكات حراس المرمى المتميزين في كرة البد، وبمنع الكرة أحيانا على طريقة لاعبي الكرة الطائرة.. ويلتقط الكرات العالية مثل عمالقة كرة السلة.. كما أنه شجاع للغاية ولديه ثبات انفعالي يقترب من البرود أو ما يسميه البعض بـ”الكلاحة الكروية”.
ومن المتوقع أن يلعب شوبير الموسم القادم في أحد الأندية الاوروبية -في أحد الدوريات الخمس الكبرى- في حالة إذا لم يستطع مسئولو الأهلي إقناعه بالبقاء.
شوبير الابن هو الاستثناء الأهم والأبرز من قاعدة “أبناء العاملين” التي عانى منها الوسط الرياضي كثيرا ونأمل أن يكون مصطفى شوبير بداية لسلسة أبناء عاملين موهوبين جدا مثله.








