رياضة

مع توقعات عودة الحرب.. الاقتصاد المصري يواجه تحديات جديدة

تباطأ معدل التضخم في المدن المصرية للشهر الثالث على التوالي خلال يونيو 2026، بحسب بيان الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، في وقت فضّل فيه البنك المركزي، الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، تحسبا لمخاطر تضخمية لا تزال قائمة بفعل التطورات الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة.

وسجَّل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.3% خلال يونيو، مقارنة بـ 14.6% في مايو، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مدعوما بانخفاض أسعار عدد من السلع الغذائية، وفي مقدمتها الخضروات واللحوم والدواجن ومنتجات الألبان.

ورغم هذا التحسن، فإن مسار التضخم لا يزال يواجه تحديات كبيرة، إذ جاءت وتيرة التراجع مدفوعة بدرجة كبيرة بأثر سنة الأساس، مقارنة بمستويات مرتفعة للأسعار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، في حين لا تزال الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة والخدمات تلقي بظلالها على الاقتصاد المصري.

وخلال الأشهر الماضية رفعت الحكومة أسعار الوقود والغاز الطبيعي بنسب تراوحت بين 14% و30%، كما زادت أسعار خدمات الاتصالات، ورفعت تكلفة توريد الغاز الطبيعي للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، في ظل التداعيات الاقتصادية للحرب الإقليمية وما صاحبها من ارتفاع تكاليف استيراد النفط والغاز والشحن.

وفي هذا السياق، قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري الخميس الماضي، تثبيت أسعار الفائدة للمرة الثالثة على التوالي خلال عام 2026، لتظل عند 19% للإيداع و20% للإقراض، مؤكدة استمرار نهج الحذر في إدارة السياسة النقدية مع تصاعد حالة عدم اليقين الإقليمي والعالمي.

ويرى البنك المركزي أن التضخم قد يبلغ ذروته خلال الربع الثالث من العام الجاري، قبل أن يبدأ في التراجع تدريجيا وصولا إلى معدلات أحادية الرقم، مع استمرار السياسة النقدية المقيدة بما يضمن الحفاظ على سعر فائدة حقيقي موجب، يساعد على احتواء الضغوط التضخمية ودعم استقرار الأسواق المالية.

في المقابل، تتباين تقديرات المؤسسات الدولية بشأن المسار المستقبلي للأسعار. فبينما يتوقع البنك المركزي أن يقترب التضخم تدريجيا من مستهدفه خلال النصف الثاني من عام 2027، حذر بنك باركليز من احتمال عودة التضخم إلى مستويات تتجاوز 19% خلال الربع الثالث من 2026، نتيجة انتهاء أثر سنة الأساس واستمرار الضغوط السعرية.

أما صندوق النقد الدولي، فيتوقع أن يبلغ متوسط التضخم في مصر 13.2% خلال عام 2026، مع بقائه الأعلى بين الدول العربية، وهو ما يعكس استمرار التحديات التي تواجه الاقتصاد المحلي رغم التحسن النسبي في بعض المؤشرات.

وفي المقابل، تلقى الاقتصاد المصري دعما واضحا من تحسن موارد النقد الأجنبي، إذ ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 32% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025- 2026 لتبلغ نحو 35 مليار دولار، كما ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو33% لتصل إلى حوالي 13 مليار دولار.

وساعدت هذه التدفقات، إلى جانب تعافي إيرادات السياحة وارتفاع إيرادات قناة السويس، على تقليص عجز ميزان المدفوعات إلى 1.8 مليار دولار، كما دعمت استقرار سوق الصرف وأسهمت في تحسن أداء الجنيه، قبل أن يعاود الدولار الارتفاع اليوم متجاوزا حاجز الخمسين جنيها.. مع عودة قوية لاستثمارات المحافظ الأجنبية في أدوات الدين الحكومية. ليقترب حجم الأموال الساخنة من التسعة مليارات دولار.

غير أن هذه التطورات الإيجابية لم تُنهِ مواطن الضعف الهيكلية، إذ اتسع عجز الميزان التجاري السلعي إلى 47.8 مليار دولار، بينما بلغ عجز حساب المعاملات الجارية 14.6 مليار دولار، وهو ما يؤكد استمرار اعتماد الاقتصاد بدرجة كبيرة على تدفقات النقد الأجنبي والاستثمارات الخارجية في تمويل احتياجاته.

وفي إطار جهود خفض الدين العام وتعظيم الاستفادة من أصول الدولة، تدرس الحكومة المصرية تأسيس شركة مساهمة جديدة لإدارة وتنمية واستثمار الأصول العقارية المملوكة للدولة، مع إمكانية استخدامها كآلية لإعادة هيكلة جزء من الدين الحكومي عبر مبادلة بعض أدوات الدين بحصص ملكية في الشركة الجديدة، بما يوسع مشاركة القطاع الخاص ويخفف الضغوط على المالية العامة.

وبوجه عام، تعكس المؤشرات الاقتصادية الحالية قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص جزء من الصدمات الخارجية، مستفيدا من تحسن تدفقات النقد الأجنبي واستقرار سوق الصرف لفترة، إلا أن استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الطاقة واتساع العجز التجاري تظل عوامل رئيسية ستحدد مسار الاقتصاد خلال الفترة المقبلة، وتجعل السياسة النقدية الحذرة الخيار الأكثر ترجيحا حتى تتضح آفاق التضخم بصورة أكبر.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى