التاريخ لا يموت بل يظل حيا؟ نشعر به ونتأمله، ويظل يفيض بالدلالات والمعاني.. كانت أمة وكانت تدرك تحدياتها المشتركة.. وتتوحد في مواجهاتها.. وكان ذلك قبل ظهور مفهوم الوطن والدولة الوطنية.. ولكن لم تكن يوما منفصلة الأولويات والاهتمامات؛ بل تتوحد عند التحدي ومتى أمكن ذلك.
نعم كان ذلك قبل ترسيم الحدود ونشوء الدول الوطنية والقُطرية.. ولكن هذا لا ينفي أن الأمة كانت هناك ولا زالت هنا.. شعورا مشتركا واهتماما وكفاحا مشتركا عند التحديات، والتنكر والنفي لها ليس صحيحا.. ولا دقيقا على الإطلاق.. فما الذي يأتي بأمير حسيني يحكم المدينة ويصارع اولاد عمه الحسينيين بالمدينة.. ويلتقي صلاح الدين إلا أن صلاح الدين كان مشروعا زاهيا أقنع وجذب الكثيرين شأن كل مشروع لقائد “كاريزمي” عظيم أراد عظمة هذه الأمة وانتصارها والخروج من آبار انكساراتها.
هذه صفحة مطمورة من جواهر تاريخنا وتراثنا، نرفع عنه ركام النسيان، لأسباب مختلفة، منها ما شغل المجال الثقافي والإعلامي العام، خلال السنتين الماضيتين، حيث حاول البعض من الباحثين والإعلاميين، اختزال تاريخ صلاح الدين الأيوبي، في كونه أمير استولى على ملك الفاطميين، لصالح سيده نور الدين زنكي وفقط، ثم انقلب على أبنائه، وغير ذلك من الشبهات التي تطرح بحق السلطان العظيم صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب، التي قد تساعد هذه المقالة مع مقالات أخرى في كشف حقيقة من يكون؟ ومشروع هذا الرجل؟ وكيف اصطف له ومعه العرب والمسلمون، بوصفه مشروع أمة، كما هو مشروع دولة أسسها، ولم يحافظ عليه خلفاؤه، وكيف يمكن ضم هذه الصفحة التاريخية لصفحات أخرى عن أخلاقه وسلوكه وسياسته، تكشف الغبار عن الرجل الذي تثورت حملات التشويه الاختزالي والمؤدلج له في السنوات الأخيرة، في سياق الحملة على العروبة باعتبارها هوية ثقافية وسياسية في آن واحد!! وهو الأمر الذي قد يحتاج تفصيلا آخر.
الجمامزة وصلاح الدين.. لماذا؟
لأنهم شاركوا صلاح الدين في كل الغزوات، حيث يقول ابن شامة المقدسي عن مشاركة قاسم بن مهنا في كل غزوات صلاح الدين: “ثمَّ وصل -أي صلاح الدين- إِلَى حماة فَنزل بقلعتها وَمَعَهُ أَمِير المدينة النَّبَوِيَّة على ساكنها السَّلَام وَهُوَ عز الدّين أَبُو فليتة الْقَاسِم بن المهنا وَكَانَ للسُّلْطَان فِي جَمِيع الْغَزَوَات مصاحبا وعَلى معاضدته مواظبا وَمَا حضر مَعنا على بلد أَو حصن إِلَّا فتحناه وَكَانَ السُّلْطَان يستوحش لغيبته ويأنس بشيبته وَكَانَ بِجنب السُّلْطَان جَالِسا ولنظره عَلَيْهِ حابسا(1) كانوا حضورا وفتحا وبركة نبوية في سيرة عطرة للدولة الصلاحية الأيوبية.. ومن بعدها الدولة المملوكية.
وقد شاركه أبناؤه في ذلك وفي مقدمتهم جماز بن قاسم ن مهنا الحسيني، جد الجمامزة، وابنه قاسم بن جماز وحفيده الأمير عمير بن قاسم بن جمال الدين جماز كل هذه الحلقات، وقد تولى جماز بن القاسم بعد وفاة أبيه سنة 583 هجرية، على أرجح الآراء.. شرافة وإمارة المدينة المنورة، كونه من السادة آل مهنا الحسينيين، وهذا يشي بتمييز مهم في موقف صلاح الدين الأيوبي من العلويين وآل البيت عموما، تفريقا بين موقفه من الفاطميين الذي كانت تنهار دولتهم قبل قدومه وانهارت بقدومه، وتثار بعض الشكوك في أنسابهم، على مدار قرنين، كما وثّق الكثيرون، وبين موقفه من السادة الآخرين من آل البيت، من ثابتي النسب والفضل، والمستقيمين على السنة الوسيطة، دون غلو يقسم الأمة ويشوش على حقيقة التدين. فجمال الدين -وهذا لقبه- هو جماز بن القاسم بن مهنا الحسيني، وقد تولى والده إمارة المدينة خمسة وعشرين عاما، وخلفه عليها جماز بن قاسم أبو فليتة سنة 599 أو 600 هجرية، وقد شارك جمال الدين جماز بن قاسم بن المهنا ووالده مع الناصر صلاح الدين الأيوبي، كما يروي ويوثق العِمَاد الأصفهانيّ (519-597 هجرية) مؤرخ الناصر صلاح الدين الأيوبي، دوره واستشارته، وحضوره في تحرير عكا سنة 583 هجرية، فيقول:
“كانَ أمِيرُ المدينة النَّبوية -صلواتُ اللهِ على ساكنها- في مَوْكِبه، فكأنَّ رَسُول اللهِ صلّىٰ اللهُ عليه وآله وسلّم سَيَّر للفقير إلى نُصرتهِ مَنْ يُثْرَىٰ به مِنْ يَثْرِبِه، وهذا الأَمِير ”عِزُّ الدِّين أبو فليته القَاسِم بن المُهَنَّا الحُسَيْنِيّ“ قد وَفَدَ في تلك السَّنة أَوَانَ عَوْد الحَاجّ، وهو ذُو شَيْبةٍ تَقِدُّ كـالسِّرَاج، وما بَرِحَ مع المَلِك النَّاصر مأثُورَ المَآثِر، مَيْمون الصُّحبة، مأمون المحبَّة، مُبَارك الطَّلْعة، مُشَارِكا في الوَقْعة، فما تَمَّ فتحٌ في تلك السِّنين إلّا بـحضُوره، ولا أشرقَ مطلِعٌ من النَّصر إلا بِـنُوره، فرأيتُه في ذلك اليوم للسُّلطان مُسَايرا ، ورأيتُ السُّلطان لهُ مُشَاوِرا مُحَاوِرا، وأنا أسيرُ معهُمَا، وقد دَنَوتُ منهما لِـيَسمَعَانِي وأسمعُهُمَا”(2) وقد شارك قاسم بن مهنا وجماز بن قاسم في كل حروب صلاح الدين، كما شارك نجل جمال الدين جماز كما يذكر المقريزي وابن خلدون مع خلفاء صلاح الدين وتحديدا الصالح نجم الدين أيوب في معركة تحرير المنصور التي أكملتها زوجته شجرة الدر، وقادها الظاهر بيبرس والمماليك. وهكذا كان يحاول الوزير والكاتب العماد الأصفهاني الدنو من حديث المودة والمشورة بين صلاح الدين الأيوبي والقاسم بن مهنا جد الجمامزة، وكذلك في تحرير دمياط، وقد رحل بأهله إلى مصر سنة 647 هجرية، بعد أن سلب منه ملكه على يد ابن عمه شيحة بن هاشم وأبنائه كما يذكر المقريزي وابن شدقم(3).
وقال السيِّد ضامن بن شَدْقَم الحُسَيْنيّ المَدَنِيّ النِّسابة -رحمه الله- عن القاسم بن مهنا ومشاركته صلاح الدين في غزواته وإيثار الأخير له وتوقيره لمقامه، نقلا عن البدر محمد بن فرحون والسيد علي السمهودي الداودي الحسني: كان سيِّدا جليل القَدْر، رفيع المنزلة، عظيم الشأن، كريما سَخِيَّا، فارسا بطلا شُجاعا، [وقد كان الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب] لَيَستَأْنِسُ بصُحبته، ويَستوحشُ لِغَيْبته ويُشركُه في غزواته ويستصحبُه في فتوحاته، فما حاصر بلدا أو مِصرا إلا وهو معه، فيفتحها اللهُ تعالى وينصره على أعدائه ببركة هذا السيِّد الأمير الجليل”.
ثم قال يصفه: “وكان ذا شيبةٍ مليحةٍ عظيمة، قَوِيّ الجِنَان، ذا مُروَّةٍ وشهامة، وفراسةٍ وشجاعةٍ وعقلٍ وكمال رأىٍ صائب، ووجاهة، توجّه من المدينة المنوّرة وافدا على صاحب مصر الملك يوسف صلاح الدين الناصر لدين الله بن أيوب بن شادي الكُردِى؛ فأعزَّهُ وأَجَلَّهُ بالإعظام والإكرام، وأخلص منه الوِدَاد، وزاد فيه الاعتقاد، ورفع منزلته على سائر العباد، وأمر ألا يجلس إلا بإِزَائه على يمينه، وأَوْقَفَ عليه وعلى نَسْلِه أَوْقَافا كثيرةً بريف مصر، فمنها ضَيْعةٌ يُقَالُ لها قِنَا، وأخرى يُقَالُ لها جَصفَة وغيرهما، وهي الآن بِيَد الجَمَامِزَة من نَسْلِه”(4).
إكرام صلاح الدين وبنيه ودعوة الجمامزة للإقامة بمصر:
هاجر الجمامزة إلى مصر، بعد أن وقف عليهم صلاح الدين أوقافا كثيرة في ريف مصر وصعيدها، كما يذكر ابن شدقم، وينسب ذلك إلى ابنه العزيز بن صلاح الدين الذي تولاها، وهو إكرام من الأيوبيين لأنصارهم وأهل نصرتهم في الحروب الصليبية، التي شاركوا فيها جميعا مع صلاح الدين الأيوبي كما شاركوا خلفاءه في بقية المعارك، وقد استقروا بمحافظة قنا وغيرها من محافظات مصر، وبرز منها العلماء والمفكرون والكتّاب وتولى منهم شمس الدين الجمازي نقابة الأشراف سنة 1033 هجرية.
ولكن كما تبقى ذكرى جدهم أمير المدينة المنورة، جمال الدين جماز ورحمه تجمعهم، تبقى مشاركته ونصرته للناصر صلاح الدين الأيوبي فخرا واعتزازا لهم، ولكن تبقى لها دلالة أهم وهي قوة رابطة الأمة وارتفاعها على سواها، فجمعت العربي والكردي وجمعت المصري مع الحجازي وتشاركا الهم والهدف من قديم، وأنه عند الأزمة والتحدي تنتفي حسكات النفوس وتقسيمات الطوائف والأعراق داخل هذه الأمة أحيانا كثيرة.
المصادر:
(1)ابن شامة المقدسي: الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، تحقيق إبراهيم الزيبق، ط مؤسسة الرسالة سنة 1997، ج4 ص 45.
(2)عماد الدين الكاتب الأصفهاني (ت. ٥٩٧ هـج) القُسِّيّ في الفتْح القُدْسِيّ ص 54.
الكتاب: الرَّوضَتيْن في أخبار الدَّولتيْن النُّوريّة والصَّلاحيّة | المُصَنِّف: شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بـ أبي شامة (ت. ٦٦٥ هـج) | الجزء: الثالث | رقم الصفحة : ٣٠٨ ، ٣٠٩ ].
(3)مخطوط تزييلات السيد محمد بن علي بن حيدر على زُهرة المَقُول للسيد الشدقمي ضاعن بن شدقم.
(4)ضاعن بن شدقم: تُحفة الأزهار وزُلال الأنهار في نسب أبناء الأئمة الأطهار عليهم صلوات الملك الغفّار – تحقيق : كامل سلمان الجبوري | المُصنِّف : العلامة النسابة السيد ضامن بن شدقم بن علي الشدقمي الحسيني المدني (كان حيّاً سنة ١٠٩٠ هـج) | رقم الصفحة : ٣٤٠ ، ٣٤١ ]
– الناصر صلاح الدين (فلم) – ويكيبيديا
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1_%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86_(%D9%81%D9%84%D9%85)








