فن

جريمة النقد الفني.. في زمن الـ (قشطة يابا ودباديبو)

اشتعلت خلال الأيام الماضية حربا كبيرة، من التصريحات المتبادلة والتلاسن، بين الناقد الفني طارق الشناوي، ونقيب الموسيقيين مصطفى كامل، على خلفية رأي الشناوي في أداء كامل في حفل بالساحل، عندما وصف صوته بالنشاز مطالبا نقيب الموسيقيين مصطفى كامل، بالتحقيق مع النقيب مصطفى كامل، لمنحه تصريحا بالغناء لمطرب لا يصلح للغناء هو مصطفى كامل!

بالفعل صوت مصطفى كامل، من أسوأ وأردأ الأصوات، التي سمعتها في السنوات الأخيرة، وربما في حياتي كلها، ولا يصلح أبدا للغناء، هو كاتب أغاني جيد وقدم أعمالا ناجحة مع مطربين كبار، ربما نجاح كلماته هو ما جعله يغني، على طريقة أنا أولى بالنجاح من غيري، ما دمت أنا صانعه وسببه.

ليرد كامل بأن الشناوي بلا قيمة، وكل دوره في الحياة إهانة رموز الفن بمصر وهو منهم، وأضاف أنه قدّم لمصر الكثير، عندما كتب ولحن أغنية “تسلم الأيادي” التي حارب بها تنظيم الإخوان، وان ما يفعله الشناوي بهدم رموز الفن بمصر- هو مساعدة للتنظيم في تحقيق أهدافه، كما طالب كامل الجهات العليا بوقف تنفيذ هذا المخطط، ومنع إهانة رموز الغناء والشخصيات العامة.

فجأة تحوّل الشناوي من ناقد يمارس عمله، أو حتى حقه بصفته مواطنا في إبداء رأيه في منتج فني موجه للجمهور من الأساس وهو صاحب الحق الأصيل في تقييم العمل والمطرب، اعتقد كامل أن منصب نقيب الموسيقيين يمنحه حصانة من النقد أو أغنية تسلم الأيادي (المسروقة كلماتٍ ولحنا) منحته حصانة تجعله فوق النقد والتقييم!

وعلى الخط دخل المطرب مصطفى قمر لدعم زميله مصطفى كامل وبحثا عن فرصة للثأر من الشناوي الذي انتقد فيلمه المتواضع “أولاد حريم كريم” قبل سنوات، وقتها أيضا شن قمر هجوما كبيرا على الشناوي ودعمه كامل.

رغم أن الفيلم بالفعل متواضع جدا في كل عناصره، وقمر المطرب هو سبب نجاح قمر الممثل المتواضع، وبعد خفوت نجم المطرب تراجع وفشل الممثل، وقمر شأنه شأن فنانين كُثر عندما تفشل أعمالهم يبحثون عن أسباب للفشل بعيدة عنهم، منها أن الناقد الفلاني هاجم الفيلم وساعد في فشله، أو أن هناك حربا على السوشيال ميديا ضد الفيلم، رغم أن كلها آراء في العمل من جمهور مارس حقه الطبيعي فقط. ليتحول الرأي والنقد الفني إلى جريمة تستوجب العقاب، ويوصف الرجل بأبشع الصفات والتهم.

أزمة مطربي وفناني هذا الزمن، هو انعدام الوعي والثقافة، التي تجعلهم يعرفون أن النقد الفني جزء من الحركة الفنية، ولا غنى عنه وأن تراجع النقد يؤثرا سلبا على العملية الفنية بالكامل، الأزمة أنهم يعتقدون أن أي رأي سلبي تجاه أعمالهم، هو تطاول شخصي وتجاوز في حقهم وكراهية لهم.

ولو عُدنا للخلف، ورأينا كيف كان يتعامل كبار فنانينا مع النقد، لشعرنا بالخجل مما وصلنا له، على سبيل المثال.. شنَّ الناقد الكبير الراحل سامي السلاموني هجوما -استمر لسنوات- على مخرج الروائع حسن الإمام، واصفا إياه بمخرج الراقصات ومخرج المؤخرات؛ بل جعله رمزا للإسفاف! حسن الإمام مخرج (الثلاثية، زقاق المدق، أميرة حبي أنا، حب وكبرياء، حكايتي مع الزمان، بائعة الخبز، وبالوالدين إحسانا) يصبح رمزا للإسفاف؛ لمجرد أنه لا ينتمي لتيار اليسار الذي ينتمي له السلاموني، أو لأن أعماله لا تعجب السلاموني، ومع ذلك لم يرد حسن الإمام على كل هذا بل التزم الصمت معتبرا نجاح أفلامه أبلغ رد، وأن رأي السلاموني السلبي أمامه آلاف الآراء الإيجابية من الجمهور وشباك التذاكر، ولم يعلن أنه رمز من رموز مصر مطالبا الجهات العليا بحمايته ومنع الناقد من الهجوم عليه كما فعل كامل.

نفس الحال عندما هاجم السلاموني المخرج حسام الدين مصطفى واصفا إياه بأبشع الصفات هو وأفلامه، لم يخرج علينا حسام الدين مصطفى مخرج (السمان والخريف، والطريق، والنظارة السوداء، وأدهم الشرقاوي، والرصاصة لاتزال في جيبي، والشيماء) بأنه رمز لا يجوز نقده أو أنه أخرج “الرصاصة لا تزال في جيبي”، العمل الذي جسّد بطولات الجيش المصري، وأن الهجوم عليه هو هجوم على البطولات ولا طالب بمنع السلاموني من النقد، كل ما فعله أن جعل أي لص أو رئيس عصابة في أفلامه، اسمه السلاموني لينال عقابه من البطل ضربا وسبا، ورد السلاموني على ذلك بمقال ساخر، ولم يتوقف عن نقد أفلامه.

والأمثلة كثيرة على فنانين احترموا النقد الفني وآراء النقاد، حتى وإن غضبوا من هذا الرأي لم ينزلقوا للسب والتلاسن كما فعل كامل، احتراما لأنفسهم أولا، قبل احترامهم للنقد والنقاد، ولأنهم يعلمون أن النقد الفني جزء من الحركة الفنية كما قلنا.

أزمة فناني هذا الزمن -ممثلين ومطربين- أنهم اعتقدوا أن اللجان الإليكترونية التي اشتروها والصفحات المجهولة التابعة لهم، والتي تشيد بأعمالهم المتواضعة وتصبغ عليهم أعظم الصفات وكلمات الإشادة – من الممكن أن تحل محل آراء النقاد والجمهور الحقيقي، وأن تؤثر في الرأي الجمعي بالإلحاح والحصار، ونسوا أن هناك جمهور حقيقي أصبح يكتب رأيه بلا خوف أو تردد، وبكل قسوة وتطاول أحيانا، أما النقاد فهم خارج الحملات الممولة، حتى وإن دُجِّنَ بعضهم، وفشل فيلم مصطفى قمر وتراجعه فنيا، والسخرية من حفلات كامل ومن صوته الرديء خير مثال ودليل، أن هناك آراء يجب أن تؤخذ في الاعتبار بعيدا عن الحملات الممولة واللجان المأجورة.

إن انعدام الوعي والثقافة هو أول عدو للفنان، وهو ما يُعجّل بعمره الفني، مهما زاد عدد لجانه وحملاته، والمتابع لتصريحات كامل والفيديوهات المُسربة من اجتماعات النقابة، يدرك مستوى وعيه وثقافته وأيضا تصريحات كثير من الفنانين تفضحهم. قليل من العقل والوعي.. لأنفسكم قبل أي شيء.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى