رياضة

إسرائيل تفتح جبهة “ثامنة”.. وتشن حربا على العقول وحرية الكلمة

ترجمة : ناهد نچار (مترجمة وكاتبة)

مع اتساع الانتقادات الدولية الشعبية والرسمية لحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل في غزة، جند جزء كبير من الجهد الإسرائيلي على الإعلام الجماهيري المعروف بوسائل التواصل الاجتماعي، و أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمؤثرون أدوات أساسية في محاولة التأثير في الرأي العام، خاصة بين جيل الشباب حول العالم.

وقد أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بوضوح، بفشل إسرائيل على -ما أسماه- حرب الجبهة الثامنة وأقر بأهمية المعركة على هذه الجبهة. والتقى نتنياهو منذ عام تقريبا أي في سبتمبر/أيلول 2025، عددا من المؤثرين الأمريكيين المؤيدين لإسرائيل في نيويورك، وتحدث عن أهمية وسائل التواصل الاجتماعي، بما فيها TikTok وX، في كسب الدعم لإسرائيل، وربط السيطرة أو النفوذ على هذه المنصات بالقدرة على التأثير السياسي والإعلامي.

ولم تكن استعانة إسرائيل بالمؤثرين مجرد فكرة أو نشاط عفوي. فقد كشفت وثائق قدمت إلى وزارة العدل الأميركية بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) عن حملة مدفوعة لإدارة شبكة من المؤثرين في الولايات المتحدة لصالح وزارة الخارجية الإسرائيلية. ووفق الوثائق، تعاقدت شركة Bridges Partners على حملة تصل قيمتها إلى 900 ألف دولار، لتجنيد ما بين 14 و18 مؤثرا، لإنتاج محتوى عبر TikTok وInstagram ومنصات أخرى خلال عام 2025.

هذه الوقائع تكشف تحولا مُهمّا: لم تعد الحكومات تعتمد فقط على بياناتها الرسمية أو وسائل الإعلام التقليدية للدفاع عن سياساتها؛ بل أصبحت تسعى أيضا إلى الوصول إلى الجمهور مباشرة من خلال أشخاص يبدون في كثير من الأحيان وكأنهم أصوات مستقلة، بينما تكون وراء بعض الحملات آليات تمويل منظمة بشكل أكثر تنسيقا مما يظهر على السطح.

والسؤال الذي تفرضه هذه الظاهرة ليس فقط: ماذا يقول هؤلاء المؤثرون؟ بل أيضا: من يقف وراءهم؟ من يمولهم؟ من يحدد الرسائل التي يكررونها؟ وكيف تتحول روايات سياسية محددة إلى ما يبدو أمام الجمهور وكأنه رأي مستقل وعفوي؟

وهنا نتابع معا ما كتبه الدكتور مارك أوين جونز أستاذ التحليل الإعلامي في جامعة نورث ويسترن في قطر، عما سماه بـ (المؤثرين المضللين) المرتبطين بالإمارات. والمقال التحليلي الذي نشره في أواخر الشهر الماضي في موقع ميدل إيست آي، يقدم من خلاله مثالا آخر على ظاهرة تستحق اهتماما أكبر، وهي ظهور شبكات من المؤثرين والمواقع الإلكترونية التي تقدم نفسها بوصفها مصادر مستقلة، بينما تكشف الروابط بينها، وتوقيت إنشائها، والمحتوى الذي تنتجه، والرسائل التي تكررها، عن درجة من التنسيق تتجاوز بكثير ما قد يبدو للمتابع العادي.

اختار مارك أوين جونز العنوان التالي لتحقيقه: مع الظهور السريع والمنظم للمؤثرين الإماراتيين المضللين، ينبغي أن نشعر جميعا بالقلق.

كشف التحقيق الذي اعتمد على مصادر ومعلومات متاحة لعامة الناس على الإنترنت، وعلى حسابات في وسائل التواصل الاجتماعي، عن وجود شبكة إعلامية متطورة زائفة مرتبطة بالإمارات. وتضم هذه الشبكة معلقين من تيار اليمين مؤيدين لإسرائيل، يقدمون أنفسهم على أنهم أصوات عربية معتدلة ومستقلة.

وربما صادف القارئ بعضهم على الإنترنت: فهم معلقون شباب يتحدثون بلهجة إماراتية ويظهرون في مقاطع فيديو أنتجت بطريقة احترافية. ويتركز جل تعليقاتهم على مخاطر جماعة الإخوان المسلمين.

ويظهر هؤلاء في مؤسسات مرموقة مثل جامعة جورجتاون وجامعة كامبريدج. وينشرون مقالات رأي بشأن السودان والهجرة والإسلام السياسي. ويقدمون أنفسهم على أنهم شخصيات عامة، ومفكرون مستقلون ذوو صوت عربي معتدل، يهتمون بالأمن وبالاستقرار في دول المنطقة وفي الغرب.

لكن هناك أمرا لا يبدو منطقيا تماما.

لماذا يظهر هؤلاء الأشخاص معا وبكثرة؟ رغم أنهم كما يفترض شخصيات مستقلة، ولماذا يصورون أنفسهم في استديو يبدو وكأنه نفس الاستديو المستخدم لديهم جميعا، ويستخدمون في الخلفية الأدوات والديكورات نفسها؟ ولماذا أُنشئ -في الفترة نفسها تقريبا- العديد من حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وأطلق الكثير من المواقع الإخبارية التي تدعي أنها مستقلة؟ ولماذا تتطابق رسالتهم في كثير من الأحيان مع مواقف السياسة الخارجية لدولة الإمارات وإسرائيل، وبعض تيارات اليمين الأوروبي المتطرف؟

بعد أشهر من تدقيق وتمحيص المعلومات المتاحة لعامة الناس، بدأت الصورة تصبح أكثر وضوحا.

فما قد يبدو للوهلة الأولى مجموعة عفوية من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، هو في الحقيقة، شبكة إعلامية مترابطة بشكل وثيق، تضم عددا من المؤثرين المضللين، ومواقع إخبارية زائفة، وكتبا تنشر بعد أن صيغت بمساعدة الذكاء الآلي، إلى جانب منابر مفتوحة في مؤسسات مرموقة. ويهدف هذا كله إلى صناعة هالة من المصداقية وإضفاء قبول على السردية السياسية التي يروجها هؤلاء، ودمجها بسلاسة في الخطاب الإعلامي الغربي.

ويعمل في قلب هذه الشبكة معلقون لديهم سجل موثق في نشر معلومات مضللة ومواد تتوافق والدعاية الإماراتية.

والمؤثرون المضللون هم ببساطة مجموعة ممن لديهم قدرة على الوصول إلى جمهور واسع، ويعمدون بشكل دائم على نشر معلومات مضللة، أو الترويج لسرديات وأفكار تخدم أجندة سياسية معينة.

ظهور منسق

والغريب أن معظم هؤلاء الأشخاص حتى أواخر عام 2024، كانوا تقريبا نكرة، لا يعرفهم أحد. لكنهم بدأوا، بين عشية وضحاها، في الانتشار في كل منبر تقريبا. وتزامن ذلك مع إنشاء سبعة حسابات على الأقل على منصة إكس في شهر ديسمبر/كانون الأول وحده عام 2024. وهذه الحسابات مرتبطة بشبكة التضليل الإعلامي التي تحدثنا عنا. وفي الفترة نفسها تقريبا، وخلال بضعة أسابيع فقط في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2024 ظهرت تباعا خمسة مواقع إلكترونية تشبه المواقع الإخبارية، هي (Washington Eye The) و (Daily Euro Times) و (Brieflex) و (AfricaLix) و(InfoFlix) .

وكانت مواقع أقدم قد أُطلقت في عام 2023، من بينها (EuroPost Agency) و(New York Insight)، ويبدو أيضا أنها مرتبطة بالشبكة نفسها.

وعند تمعن هذه الروابط وفحصها يصبح من الصعب تجاهل درجة التنسيق بينها.

فالأشخاص المنتمون إلى هذه الشبكة يسجلون في كثير من الأحيان مقاطع فيديو في الاستوديو نفسه، وبديكورات متطابقة في خلفية الصورة، من بينها مجسم مميز للكرة الأرضية باللونين الأسود والفضي. كما ينشرون في المواقع نفسها، ويروج بعضهم لمحتوى البعض الآخر، ويحضرون الفعاليات نفسها.

وخلال عام 2025، سافروا معا إلى مؤتمرات وفعاليات في ثلاث قارات للتحدث. وشملت هذه الفعاليات مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، وجامعة كامبريدج، وجامعة كاليفورنيا في سان دييغو. كما شاركوا في لندن في مؤتمر اليمين (التحالف من أجل مواطنة مسئولة)، وهذا غيض من فيض.

ويبدو أن هذه المشاركات محاولة لطرح نقطة حوار محددة ونشرها في مراكز سياسية وأكاديمية مهمة، وعبر منصات ومنابر مختلفة. وقد سيطرت فكرة واحدة بشكل متكرر على أعمالهم الدعائية: ألا وهي جماعة الإخوان المسلمين.

وعند تحليل أنشطتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وجدت أن موضوع انتقاد الإخوان المسلمين كان القضية الأكثر تكرارا، بشكل ملحوظ، بالمقارنة مع أعمالهم الأخرى.

وعلقت هذه المجموعة من المؤثرين المضللين كل مشاكل المنطقة على كاهل جماعة الإخوان المسلمين، التي أصبحت الإطار الذي تفسر من خلاله كل أزمة تشهدها المنطقة، إذ يصورونهم على أنهم وراء تدهور البيئة وتآكلها، ووراء حرب السودان الأهلية، وهم أيضا وراء الهجوم الإرهابي في سيدني.

ويبدو أن رحلات هؤلاء المؤثرين المضللين الدولية تهدف إلى الترويج لسياسات الإمارات وإسرائيل، وبعض فئات اليمين الأوروبي.

إذ إن إحدى المعلقات، على سبيل المثال، متخصصة في قضايا البيئة، ورغم هذا تعمدت في مقطع فيديو سجل في جامعة كامبريدج برعاية مركز بنسكر، أن تحمل جماعة الإخوان المسلمين المسئولية عن الأضرار التي لحقت بالبيئة. وكرر شخص آخر مرتبط بالشبكة في جامعة جورجتاون، روايات إسرائيلية تقول إن حركة حماس تحول دون وصول المساعدات الإنسانية إلى وجهتها الأصلية. وهكذا تتضمن الحملة أمثلة شديدة الوضوح على المعلومات المضللة.

تغيير السردية وإعادة عرض المعلومات المزيفة

إلى جانب هؤلاء المؤثرين المضللين، توجد شبكة من المواقع الإخبارية الزائفة وهي مواقع تبدو وكأنها مؤسسات إخبارية، لكنها لا تعمل بالطريقة التي تعمل بها المؤسسات الصحفية الحقيقية، وإنما تستخدم لنشر الدعاية والتلاعب بالمعلومات المضللة لإضفاء شكل من المصداقية عليها كي تبدو وكأنها صحافة حقيقية.

تنشر هذه المواقع مقالات للمؤثرين المضللين، الذين يروجون بدورهم لتلك المواقع. وفي الوقت نفسه، تنتج هذه المواقع أعدادا ضخمة من المنشورات الرديئة، التي غالبا ما يكون محتواها قد صيغ بمساعدة الذكاء الآلي، وتُقدم على أنها من إنتاج كتاب يعملون بالقطعة. وبالإضافة إلى نشر المؤثرين لمقالات مضللة تنشر هذه المواد على أنها (حصرية) لضمان تفشيها على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويبقى سؤال مهم: من الذي يدفع تكاليف السفر والإنتاج والترويج؟ وكيف يجري تنسيق القرارات التحريرية والدعائية؟

وثمة مثال واحد يوضح كيفية عمل هذا النظام: ففي مايو/أيار عام 2025، نشر موقع The Washington Eye خبرا (حصريا) زعم فيه أن رئيس الوزراء الليبي حول 400 مليون دولار إلى تركيا، وأوعز إلى أن جماعة الإخوان المسلمين كانت ضالعة في الأمر.

ويبدو أن كتّاب (التقرير الحصري) كانوا صحفيين وهميين. إذ نفت وسائل إعلام ليبية صحة هذه الادعاءات. ثم شطب المقال بهدوء من الموقع، لكنه ظل متاحا على منصة إكس، واستمر معه التضليل في الانتشار.

وهذا هو تحريف السردية كما يمارس فعليا، إذ تنتشر الادعاءات المزيفة ويتواصل انتشارها لفترة أطول رغم نفيها، وتحظى بمصداقية لمجرد وضعها داخل مواقع تقدم نفسها على أنها مؤسسات إخبارية.

وفي مثال آخر مشابه، نشر أحد المعلقين مقالا على موقع غير معروف كثيرا يسمىNew York Insight، وهو أيضا موقع إخباري زائف يروج له أشخاص مضللون آخرون من الشبكة نفسها.

ويرتبط موقع New York Insight كذلك بموقع آخر سبق أن نشر معلومات مضللة مؤيدة لإسرائيل استهدفت صحفيين في قناة الجزيرة.

وهاجم المقال جماعة الإخوان المسلمين في السودان، كما احتوى على مجموعة من الأفكار والحجج المرتبطة باليمين السياسي.

إنتاج الكتب وتصنيعها

ثم يأتي دور الكتب: إذ نشر ثمانية أشخاص على الأقل مرتبطين بالشبكة نفسها، بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول 2025، كتبا عن طريق دار نشر واحدة خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر.

وتحمل نصوص هذه الكتب عدة مؤشرات على استخدام الذكاء الآلي في إنتاجها. ومن بين هذه المؤشرات التراكيب النمطية المتكررة، والاستخدام المفرط لعلامات الترقيم، وتكرار الجمل التي تقوم على المقارنة، إلى جانب الغياب شبه الكامل لقوائم المراجع أو المصادر الأصلية. وتستخدم تلك الكتب للترويج للكتّاب المضللين لتعزيز مكانتهم الفكرية وإضفاء مصداقية على إنتاجهم.

وتشير محركات البحث وأنظمة الذكاء الآلي إلى هؤلاء الأشخاص بوصفهم مؤلفين وخبراء ومحللين، كي يبدوا في نظر القراء أكثر إقناعا ومصداقية.

وإذا سألت أنظمة الذكاء الآلي عن كتب هؤلاء المؤثرين المضللين، فقد لا تخبرك بأن هذه الكتب -التي تركز مرة أخرى على الهجوم الشرس على الإسلام السياسي- أنتجت بسرعة كبيرة لا تتعدى الساعات بالاعتماد على الذكاء الآلي.

وعند تحليل هذه الأمثلة معا تظهر شبكة نفوذ مرتبطة بالإمارات، تقدم نفسها على أنها مجموعة من الأصوات المستقلة المنادية بالإصلاح، بينما يكرر الأشخاص المشاركون فيها رسائل متشابهة وبشكل ملحوظ، فحواها عداء شديد لجماعة الإخوان المسلمين، التعامل مع ملف الإسلام والهجرة في أوروبا من منظور أمني، باعتبارهما يشكلان خطرا على الأمن في أوروبا، وتبني السردية الإسرائيلية الأمنية دون تمحيص أو انتقاد، وتقديم الإمارات باعتبارها دولة نموذجية.

ولا يعتمد هذا التنسيق على الترويج لما تحمله رسائلهم من دعاية، بل تدعمه بنية تحتية كاملة تشمل مواقع إخبارية زائفة أُنشئت في الفترة نفسها تقريبا التي أُنشئت فيها حسابات المؤثرين المضللين، إلى جانب الترويج المدفوع من خلال شركة Crestnux Media، وهي شركة إعلان أنشأها أحد المؤثرين، إضافة إلى الظهور معا باستمرار في فعاليات سياسية غربية، وارتباطهم ببعض الشخصيات المهمة في هذه الشبكة.

ويبقى سؤال مهم وغامض: من يدفع تكاليف السفر والإنتاج والترويج؟ وكيف تنسق السياسات التحريرية والترويجية؟

بيد أن الأمر الذي لا غموض فيه هو كيف يلمّع هؤلاء المؤثرين الإماراتيين المضللين في مؤسسات غربية مرموقة، ثم قدموا في المنطقة على أنهم محللون مستقلون وخبراء موثوق بهم.

وستظل هذه الأصوات التي تقدم نفسها على أنها مستقلة موجودة، إن لم تبدأ المؤسسات الإعلامية في طرح أسئلة أساسية بشأن كيفية بروزهم على الساحة، وكيف يجري الترويج لهذه الأصوات؟ وما الروابط التي تجمع بينها؟

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى