مختارات

“الوطن الأكبر” في فيلم “الِقصص”: أيّ تاريخ نتذكر؟

مالك خوري نقلا عن صفحته على فيس بوك

في فيلم “القصص” (أبو بكر شوقي)، والذي جرى ترشيحه مؤخرا لتمثيل السينما المصرية في التقديمات الخاصة بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي، تلفت الانتباه منذ البداية كثافة الإشارات البصرية والصوتية المرتبطة بالعصر الناصري. وليست المسألة مجرد حضور عابر لأغانٍ أو صور تنتمي إلى زمن بعينه؛ بل التكرار المنظم لمجموعة من العلامات التي تتحول تدريجيا إلى إطار يوجّه قراءتنا للفترة التاريخية الطويلة التي يتحرك داخلها الفيلم.

فالسرد يمتد زمنيا عبر عهود ثلاثة رؤساء: جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك. والفيلم يشير بالفعل إلى أحداث وتحولات وقعت بعد انتهاء الحقبة الناصرية وميّزت مرحلتي السادات ومبارك. لكن اللافت ليس غياب هذه الأحداث، وإنما الطريقة التي يعاد بها تأطير دلالاتها داخل البنية البصرية والصوتية العامة للفيلم. فبدلا من أن تؤدي التحولات التاريخية إلى إعادة ترتيب الإطار الذي نفهم من خلاله كل مرحلة، تستمر العلامات المرتبطة بالعصر الناصري في توفير المرجعية الأكثر كثافة وانتظاما، والتي تنتظم حولها الأزمنة المختلفة التي يتضمنها الفيلم.

نرى -على سبيل المثال- صورة لأحد أفراد العائلة مع عبد الناصر، تتكرر عبر مراحل الفيلم المختلفة، كما تظهر خلف مكتب مدير المعهد الموسيقي الفاسد صورة مبالغ في ضخامتها وتجمعه بعبد الناصر، رغم أن السياق الزمني للمشهد يعود إلى عهد مبارك.

هنا لا تعمل الصورة بوصفها مجرد توثيق لزمن سابق؛ بل تستمر بوصفها حضورا بصريا داخل زمن سياسي لاحق، فتربط بين مراحل تاريخية متباينة من خلال مرجعية رمزية واحدة.

ويبدو الاختيار البصري للأعلام أكثر دلالة. ففي القسم الأول من الفيلم، المعنون “الوطن العربي الأكبر”، يحضر بوضوح علم الجمهورية العربية المتحدة ذو النجمتين الخضراوين، المرتبط بمرحلة الوحدة المصرية السورية. لكن الفيلم لا يمنح الحضور البصري نفسه للأعلام التي اعتمدتها الدولة المصرية لاحقا، سواء العلم الذي حمل صقر قريش منذ 1972 أو العلم الذي حمل نسر صلاح الدين منذ 1984.

وهكذا تحتفظ العلامة البصرية المرتبطة بالمرحلة الناصرية بامتياز واضح داخل الاقتصاد البصري للفيلم، حتى عندما يكون السرد قد انتقل تاريخيا إلى مرحلتين أخريين.

لكن المرجع الأهم والأكثر انتظاما هو نشيد “الوطن الأكبر”. فهو ليس مجرد أغنية تستعاد بوصفها جزءا من ذاكرة المرحلة، وإنما يكاد يتحول إلى لازمة بنيوية للفيلم كله. يبدأ حضوره منذ تقديمه عنوانا للقسم التأسيسي للفيلم (الأول)، ويتكرر حضوره في الخلفية الصوتية، كما يظهر في مادة أرشيفية تلفزيونية داخل أحد مشاهد الفيلم، ثم يعود ليقابلنا في تترات النهاية التي ترافقها موسيقاه. وبحسب ما استطعت توثيقه، يحيلنا الفيلم إلى النشيد، صوتيا أو بصريا، نحو عشر مرات موزعة على أقسامه الثلاثة، مع التركيز الأكبر في القسم الأول.

هذه الكثافة مهمة لأنها تنقل “الوطن الأكبر” من مستوى التفصيل التاريخي إلى مستوى العلامة الموجهة للقراءة وللتأويل. فحين تتكرر علامة ثقافية محمّلة بهذا القدر من الذاكرة السياسية داخل بناء سينمائي، لا تعود وظيفتها مجرد الإشارة إلى زمن مضى؛ بل تدخل في تنظيم «معنى» ذلك الزمن، وفي تأطير علاقتنا أيضاً بالأزمنة التي أتت بعده.

وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة للاهتمام. فالحكاية الأساسية للفيلم تتبع شابا يحاول التمسك بحلمه في العزف على البيانو وسط عالم يقدّمه الفيلم من خلال الضجيج والفوضى والعبث والفساد والخوف من السلطة والضيق الاقتصادي والانكسارات. وفي الوقت نفسه، تواكب هذه الصورة باستمرار وتتجاور مع علامات القومية والوحدة العربية و”وطنها الأكبر” والخطاب الوطني المرتبطين -تحديدا- بالعصر الناصري.

لكن الفيلم لا يتوقف عند النكسة أو عند إخفاقات تلك المرحلة، بل ينتقل إلى أحداث لاحقة، وبعضها يحمل دلالات تاريخية مختلفة؛ بل ومناقضة لمنطق الهزيمة. وهنا تصبح إشارة الفيلم إلى حرب أكتوبر بالذات مثالا كاشفا. فالحرب، التي وقعت في عهد السادات وشكل انتصار أكتوبر فيها تحولا واضحا عن تجربة هزيمة 1967، تحضر بالفعل في الفيلم. إلا أن السياق البنيوي الذي يستقبل هذا الحدث لا يسمح له بأن يشكل قطيعة مع المناخ العام الذي بناه الفيلم حول الإحباط والفشل والاختناق. ففي اللحظة التي يفترض أن تشير إلى الانتصار، تأتي دعوة أحد أصدقاء أحمد له إلى “عدم العودة إلى مصر”.

المسألة هنا ليست إنكار الفيلم للانتصار، ولا تجاهله لاختلاف المرحلة التاريخية التي وقع فيها. ما يحدث هنا هو أن الترتيب السينمائي للحدث يعيد إدراجه عاطفيا ودلاليا داخل مناخ سبق أن تأسس من خلال منظومة الفشل والإحباط المرتبطة، في البنية العامة للفيلم، بمرجعيات الحقبة الناصرية. وبهذا المعنى، لا تلغي الإشارة إلى أكتوبر الحجة التي يبنيها الفيلم، بل تكشف بصورة أوضح عن كيفية عملها: الحدث التاريخي المختلف موجود، لكن اختلافه لا يؤدي بالضرورة إلى كسر الإطار التأويلي المهيمن.

وهذا ينطبق -بدرجات وأشكال مختلفة- على إيماء الفيلم إلى أحداث وتحولات لاحقة أخرى، بما فيها انتفاضة الخبز والتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مرحلتا السادات ومبارك. فالقضية ليست أن الفيلم يمحو الفوارق الزمنية أو يتجاهل وجودها، بل أن لغته السينمائية تعيد ترتيب ثقلها ودلالاتها. التاريخ حاضر، لكن عناصره لا تدخل الفيلم بالوزن التأويلي نفسه.

وهنا تحديدا تكمن أهمية الشكل السينمائي. فالمعنى لا ينتج فقط مما يخبرنا به الفيلم عن التاريخ، بل أنه ينبثق من العلاقات التي يقيمها المونتاج بين الأحداث والصور والأصوات، ومن التكرار، ومن توزيع العلامات داخل الكادر، ومن الموسيقى التي ترافق لحظة بعينها، ومن الصورة التي تبقى في الخلفية حتى بعد أن يكون زمنها التاريخي قد انقضى.

من هذه الزاوية، لا تتمثل المسألة في أن يقدم الفيلم قراءة نقدية للناصرية أو للقومية العربية؛ فهذا حق مشروع لأي عمل فني. السؤال النقدي الأكثر أهمية هو: كيف ينتج الفيلم هذه القراءة؟

فالتراكم المتواصل للعلامات والصور والأصوات يخلق، عبر التكرار والتجاور والاستمرار، علاقة إيحائية متراكمة بين المشروع القومي الناصري من جهة، وبين الفوضى والفشل والفساد والانكسار من جهة أخرى. ثم تستمر هذه الشبكة الدلالية في العمل حين ينتقل الفيلم إلى مراحل لاحقة، بحيث يمكن -حتى- لحدث يحمل دلالة تاريخية مختلفة، مثل انتصار أكتوبر، أن يدخل في البنية من دون أن يزعزع بصورة جوهرية منطقها العاطفي والتأويلي.

وهذا ما يجعل الفيلم، بالنسبة إليّ، مثالا مثيرا للاهتمام، على دور السينما في إعادة تنظيم الذاكرة التاريخية. فهذه العملية لا تجري بالضرورة من خلال حذف أحداث من التاريخ أو إضافة أحداث إليه، بل قد تنفذ بطريقة أكثر تعقيدا: يعرض الفيلم الأحداث بالفعل، لكنه يعيد ترتيب العلاقات بينها، ويمنح بعضها وزنا أكبر من غيرها، ثم يربطها، من خلال الصورة والصوت والمونتاج والتكرار، ضمن إطار تأويلي محدد. وبهذا يمكن لأحداث تنتمي إلى مراحل تاريخية مختلفة، وتحمل دلالات سياسية متباينة أو حتى متناقضة، أن تبدو وكأنها أجزاء من سردية واحدة ومتصلة.

ومن هنا يمكن قراءة “القصص” بوصفه نموذجا لكيفية عمل وتفاعل الأفكار المهيمنة على مستوى الذاكرة التاريخية: ليس عبر فرض تفسير سياسي مباشر، ولا بالضرورة عبر تشويه حدث أو إخفائه، وإنما عبر جعل علاقة معينة بين الأحداث تبدو تلقائية وبديهية. وفي هذا الإطار، تتراكم الإشارات البصرية والصوتية بحيث تدفع، بصورة غير مباشرة، نحو قراءة ترى في إخفاقات المرحلة الناصرية نقطة مرجعية تمتد ظلالها إلى ما تلاها من أزمات وانكسارات، حتى حين تنتمي هذه الأخيرة إلى مراحل سياسية مختلفة، وتنتج عن ظروف وتحولات تاريخية مغايرة. وهكذا لا يُطرح هذا التأويل بوصفه موقفا يحتاج إلى إثبات، بقدر ما يتشكل تدريجيا داخل بنية الفيلم باعتباره أقرب إلى “المعنى المتعارف عليه” للتاريخ.

وهنا ربما نصل إلى السؤال الأوسع الذي يثيره الفيلم، بصرف النظر عما إذا كان يقصد طرحه بهذه الصورة أم لا: ماذا يحدث عندما تتلقى أجيال جديدة تاريخ مصر الحديث أساسا من خلال منظومات الصور والأغاني والرموز المتكررة في الثقافة الشعبية، بينما تصبح العلاقات التاريخية والسياسية والمادية الأكثر تعقيدا بين مراحله أقل حضورا في الوعي العام؟

عندها لا يعود «الوطن الأكبر» مجرد نشيد قديم نستعيده في خلفية فيلم. يصبح جزءا من صراع معاصر على الذاكرة: ليس فقط على ما نتذكره من التاريخ؛ بل على كيفية ترتيب ما نتذكره، والعلاقات التي نتعلم أن نقيمها بين أحداثه، وما الذي يصبح، بفعل التكرار، بديهيا في تفسيره.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى