لم تعد الهوية في العالم العربي مجرد سؤال نظري يتعلق بتحديد “من نحن؟”، وإنما غدت في كثير من الأحيان سؤالا ملتبسا تتقاطع فيه السياسة بالدين، والتاريخ بالحاضر، والانتماء الوطني بالانتماءات الفرعية. ومن هذا التشابك الذي يتطلب وعيا وانتباها، تأتي أهمية كتاب د. هاني نسيرة “ألغام الهويات: تحديات الدين والدولة في العالم العربي”، الذي يسعى إلى تفكيك البنية التي تجعل اختلاف الهويات مصدرا للاحتقان والصراع.
الكتاب الصادر حديثًا عن دار رؤية للنشر والتوزيع، ينطلق من فكرة مركزية مؤداها أن الهوية ليست ماهية ثابتة ومغلقة، وإنما حالة حية ومتحركة، تتشكل عبر التاريخ والمكان والتفاعل مع الآخر. ومن ثم، فالمشكلة ليست في تعدد الهويات، وإنما في تحول إحداها إلى بنية أحادية تزعم امتلاك الحقيقة الكاملة وتسعى إلى نفي ما عداها. وهنا تتجسد “الألغام”: حين تتحول الخصوصية إلى أداة إقصاء، والانتماء إلى وسيلة للهيمنة، والاختلاف إلى مبرر للعداء.
وبمنظور واسع في المعالجة، يوضح نسيرة أنه لم يقتصر على الحالة المصرية وحدها؛ فالسؤال عن الهوية، بحسب قوله، “صار وجعا إنسانيا عابرا للقارات والأوطان، لا يمكن سبر أغواره بغير عينٍ منفتحة تقارن وتبحث في تجلياته التي تسكن كل زمان ومكان”.
الهوية.. من الماهية إلى الحركية
ويتتبع نسيرة تطور مفهوم الهوية وإشكالاته، منتقدا اختزالها في تعريفات جوهرانية ثابتة، ومؤكدا أنها تتكون من دوائر متداخلة: وطنية ودينية وثقافية واجتماعية وإنسانية. فالإنسان لا يعيش هوية واحدة معزولة عن بقية دوائر انتمائه، وإنما يتحرك داخل شبكة من الانتماءات التي تتفاعل وتتقاطع. ولذلك فإن فهم الهوية يقتضي النظر إليها بوصفها حركية مستمرة، لا قالبا جاهزا يفرض على الفرد أو المجتمع.
ثم ينتقل الكتاب إلى العلاقة بين الهوية والمرجعية، والدين والسياسة، مستعيدا محطات من النقاش الإسلامي الحديث، من محمد عبده إلى علي عبد الرازق، ومتوقفا عند التحولات التي أفضت في بعض القراءات الأصولية إلى مفاهيم الحاكمية والولاء والبراء وأحكام الديار، وما ارتبط بها من تصور للهوية المقاتلة. والمهم هنا أن المؤلف لا يقف عند نقد هذه المفاهيم منفردة، وإنما يحاول الكشف عن آلية تحول المرجعية من مصدر للقيم والمعايير إلى أداة لإنتاج ثنائية حادة بين الذات والآخر.
وهذه النقطة تفسر جانبا من اهتمام الكتاب بالعلاقة بين الدين والدولة؛ فالهوية الدينية، في تصور المؤلف، لا ينبغي أن تتحول إلى مشروع لنفي الهوية الوطنية أو لإعادة تعريف المجال العام على أساس الانتماء الديني وحده. كما أن الدولة الوطنية لا يمكن أن تستقر بإلغاء الخصوصيات الدينية والثقافية، وإنما بإيجاد الإطار القانوني الذي يسمح لها بالحضور في المجال العام دون أن تتحول إلى أدوات للتمييز أو الإقصاء.

الدولة الوطنية.. الاختبار الأصعب
يضع هاني نسيرة الدولة الوطنية في مواجهة سؤال الهوية، من خلال أزمات الطائفية والأقليات وصراعات الانتماء في العالم العربي، ويطرح المواطنة إطارا جامعا للعلاقة بين المواطنين، يقوم على المساواة وسيادة القانون. فالهوية الوطنية، بهذا المعنى، لا تعني محو الانتماءات الأخرى، وإنما توفير رابطة أوسع تستوعبها جميعا.
ويضيف إلى الأسئلة التقليدية حول الهوية سؤالا معاصرا يتمثل في الهوية الرقمية، في ظل التحولات التي أحدثتها وسائل الاتصال والذكاء الاصطناعي في تشكيل الوعي والانتماءات. فالهوية لم تعد تتشكل فقط داخل الأسرة والمدرسة والمؤسسة الدينية والمجتمع المحلي، وإنما أصبحت تتعرض بصورة مستمرة لإعادة الإنتاج داخل فضاء رقمي عابر للحدود، بما يفرض أسئلة جديدة حول الخصوصية والتأثير وصناعة الصورة والوعي.
وفي مقاربة أنثروبولوجية لقضايا الهوية وتجلياتها، يوسع المؤلف مجال النظر فيها، منتقلا من الخطابات الكبرى إلى تجلياتها اليومية؛ فيتناول النزعة الكيميتية في مصر، ثم يتوقف عند الفنون والعادات والأطعمة والاحتفالات والرموز الشعبية بوصفها مكونات للذاكرة والوجدان الجمعي. وهكذا لا تعود الهوية مجرد أفكار وشعارات، وإنما تصبح أيضا ما يعيشه الناس ويمارسونه ويحتفظون به في ذاكرتهم اليومية.
وهذا الانتقال من المفهوم إلى علاماته وتجلياته اليومية مهم؛ لأنه يكشف أن الهوية بقدر ما تُصنع في المؤسسات والنصوص الكبرى، تتكون أيضا في تفاصيل الحياة، وفي الأشياء التي قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل دلالات الانتماء والذاكرة والتاريخ.
كيف ننزع الألغام؟
وفي محاولة لنزع ألغام الهوية، لا يكتفي نسيرة بتشخيص الأزمة، وإنما يقدم جملة من التوصيات العملية؛ ويلخص جوهر هذه المهمة بقوله إن “نزع ألغام الهويات المتصادمة لن يتم بغير اقتحام مواضع ومناطق الاحتقان الهوياتي ونزع أسبابه وروافده أو معالجة أمراضه وتصحيح أخطائه”، مؤكدا أن “الهوية الحقيقية ليست جدارا للعزلة، بل هي جسرٌ يمتد نحو الآخر في إطار من الموضوعية التي ترفض الإقصاء”.
ومن هنا تبدأ الحاجة إلى التربية والتعليم على معقولية التنوع، وترسيخ فهم الهوية المركبة بما تحمله من أبعاد وطنية ودينية وثقافية وإنسانية، بحيث تصبح المواطنة ممارسة يومية لا مجرد شعار. ويتصل بذلك تجفيف منابع خطاب الكراهية وتجريمه، خاصة في الفضاء الرقمي الذي أتاح لخطابات الإقصاء والتمييز والتخوين قدرة واسعة على الانتشار والتأثير.
ويضع نسيرة المواطنة وسيادة القانون في قلب عملية حماية الهوية الوطنية؛ فالهوية لا تستقر بمجرد الحديث عنها، وإنما حين يشعر المواطن بالانتماء والمساواة، وحين يكون القانون إطارا جامعا لا يميز بين المواطنين. فغياب العدالة يفتح ثغرات تتسلل منها نزعات التعصب والإقصاء، بينما توفر المواطنة أساسًا للعيش المشترك واستيعاب التنوع.
وفي هذا السياق، يستفيد المؤلف من طرح الدكتور سمير مرقص حول “سياسات تجديد الهوية”، القائمة على الاعتراف بالآخر، وقبول الاختلاف، والدمج، والتمكين. والمقصود هنا ألا يتحول التنوع إلى مصدر للصراع، بل إلى مكوّن في هوية وطنية جامعة، تحفظ الخصوصيات الدينية والثقافية، وتضمن أيضا تكافؤ الفرص والمشاركة في المجال العام.
حلقة نقاشية ثرية:
وفي احتفاء بالكتاب، موضوعا ومعالجة، أقيمت حلقة نقاشية حوله بنقابة الصحفيين، الأحد 4 أكتوبر، تضمنت كلمات ومداخلات ثرية، خاصة من الدكتور علي الدين هلال، والدكتور سمير مرقص، والأستاذ عبد العظيم حماد. وفي مداخلتي تناولت أمرين بإيجاز.
الأول: أن الحديث عن الهوية حديث قديم متجدد، وهذا أمر مفهوم ومشروع، على الأقل من زاوية التحديات المتجددة التي تواجه الهوية باستمرار؛ لاسيما في زمن انزياح المسافات والخصوصيات الفردية والأسرية والاجتماعية، بفعل التحولات التقنية والثقافية المتسارعة. وهو ما يفرض، باستمرار، إعادة النظر في مفهوم الهوية وتشكلاته. وهنا، أشكر الدكتور العزيز هاني نسيرة؛ لأنه جمع شتات موضوع الهوية، وناقش إشكالاته بعمق، وصولاً إلى التحديات الراهنة، ومنها الهوية الرقمية.
وأما الأمر الثاني فهو أهمية الانشغال بما يمكن أن نسميه «سياسات حمائية للهوية»، بما تشمله إجرائيا من التدعيم والتعزيز؛ وهو أمر يتقاطع، في تقديري، مع قيم المواطنة وحقوق الإنسان. فالهوية ليست كلاما نظريا أو تنظيرا فلسفيا فحسب، وإنما لها ترابط مادي وإجرائي يتصل بالاحتياجات اليومية للفرد والمجتمع. والهوية، كتناول شامل، تنطلق من التنظير إلى التطبيق، ومن الفكر إلى الواقع.
بجانب هذا، إذا كان من الشائع أن الهوية بصورةٍ ما هي محصلة تفاعلات بُعدَي المكان والزمان، فإنني أرى أن نضيف إلى ذلك بُعدا ثالثا هو الإنسان؛ فالتاريخ بما يراكمه من ذاكرة، والجغرافيا بما تمنحه من خصوصية، والإنسان بوصفه حامل الهوية ومجال تحققها والمنعكس عليه آثارها. وبذلك، تصبح الهوية ذات تجليات أخلاقية وحقوقية وإجرائية، تتصل بكرامة الإنسان ومتطلبات المكان والزمان.
وفي وصفٍ ختامي موجز لـ “ألغام الهويات” يمكن القول إن الدكتور هاني نسيرة أنجز سفرا مهمًّا حول موضوع حيوي وشائك، وقدّم إطلالة شاملة وعميقة حول قضية رافَقَتنا في تاريخنا الحديث، وستظل تطلّ على مستقبلنا.
