عبد الباسط سلامة هيكل
أفدح خسارة مُنيَ بها العقل الإسلامي هي القرار المُتعسّف بإقفال باب الاجتهاد، حتى أنّ بعض الآراء جعلت الاجتهاد استثناء في حياة الأمة عرفته في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو حقّ له دون غيره، وجعله آخرون مرتبطا بالصحابة دون غيرهم حيث صحّت الذمم، وكثر الصالحون، وجعلوا ما عداه من الأزمنة يندرج تحت ما أطلقوا عليه أزمنة الفساد الذي عمّ فيها الباطل وخربت الذمم، وضعف اليقين، واتجهت أكثر الآراء إلى تعطيل فاعلية التفكير والاجتهاد الإسلامي، وحصْره بآراء الفقهاء الأربعة، ففي عصور التقليد المتعاقبة صارت أقوال الأئمة واجتهاداتهم هي “النصوص” بمعنى أنّها صارت مجال الشرح والتفسير والاستنباط والتعليل أي مجال توليد النصوص، واقتصرت المؤلفات على شروح لمتون الكتب في الحواشي، وما يُقال عن الفقه يُمكن أن يُقال مثله على العلوم العربية كافة كالنحو والبلاغة وعلوم القرآن والحديث والتفسير، ولم تسلم كتب علم الكلام المتأخرة رغم كونها علوما عقلية من المصير نفسه.
وانتهت بنا مسيرة التقليد إلى خسارةٍ ناءَ بأعبائها المسلمون على مدار قرون، ولم يسلم منها الأزهر الشريف الذي دخل في أوائل القرن الماضي في حالة من الجمود يُرثى لها، حتى قيّد الله للشروع في إصلاحه الشيخ محمد عبده، رغم ما قدّمه الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي من ترجمات وما قام به من إصلاح للتعليم بالانفتاح على العلوم الحديثة وإتاحة الفرصة لتعليم المرأة إلا أن الأزهر كان بعيدا عن ذلك..
فكانت جهود الشيخ رفاعة الطهطاوي موجهة إلى المدارس الحديثة التي أنشأها محمد على، ومع تولّى “عباس الأول” في 4 ديسمبر 1848، أريكة حكم مصر أصدر قراره بنفي رفاعة الطهطاوي إلى السودان. مات “عباس الأول” في مؤامرة من مؤامرات قصور الشرق، وتولّى الحكم “سعيد باشا” في 16 يوليو 1854، فأعاد الطهطاوي من منفاه في السودان، وأسند إليه نظارات مدارس: الحربية والهندسة ومصلحة الأبنية، ومشروع طبع كتب التراث العربي الإسلامي في مطبعة بولاق، لكنه فجأة على عادة الشرق وجد رفاعة الطهطاوي نفسه مفصولا عن العمل عام 1861، وبقي دون عمل رسمي إلى أن مات الخديوي سعيد، وجاء إسماعيل سنة 1863. ليستعين بالطهطاوي مرة أخرى في إنشاء مدارس جديدة والإشراف على مجلة روضة المدارس بالإضافة إلى عمله ناظرا لقلم الترجمة حتى كان رحيل الطهطاوي في 27 مايو 1873.
ويُمكننا إجمال أبرز إنجازات الشيخ محمد عبده في النقاط التالية:
– الانتقال بالإصلاح من مفهوم الثورة واستخدام القوة والتغيير الفوقي إلى مفاهيم بناء الوعي والتربية وتغيير المجتمع، فإذا كان الأفغاني هو من قاد الشيخ محمد عبده للانفتاح على كتب الفلسفة عند المسلمين وثقافة الغرب إلا أن الشيخ شقّ طريقا مخالفا لطريق الأفغاني باعد بينه وبين الأفغاني في سنواتهما العشر الأخيرة، متبنيا مشروع إصلاحيا متدرجا يقوم على تعزيز الوعي وإعادة بناء مؤسسات الدولة، فتطوّر أفكار محمد عبده في المنفى جعله يرى أسباب التخلف أكثر تعقيدا من أن نحصرها في الاستبداد السياسي، وأن الأولى بالمواجهة والإصلاح هو نظم التعليم والثقافة والجمود المذهبي الذي يحتاج إلى تغيير شامل وممتد عبر عدة أجيال متعاقبة، فسعي محمد عبده للإصلاح عبر مؤسسات الحكم القائمة وبالتعاون مع الأجنبي المستعمر، متبرأ من السياسة ومشتقاتها، واستكمل مسيرته تلامذته، فأنشأ سعد زغلول مدرسة “القضاء الشرعي”، واستكمل الشيخ المراغي مشروعه في إصلاح المحاكم الشرعية، وسعى الشيخ محمود شلتوت إلى إصلاح وتطوير الأزهر، وتجسد بصورة واضحة في إنشاء الجامعة الأهلية عام ١٩٠٨؛ لتكون قاطرة النهضة فكرية والعلمية التي دعا إليها الإمام محمد عبده.
– ضرورة إصلاح الفكر الديني كخطوة أولى على طريق الإصلاح السياسي والاجتماعي، فالفكر الديني يُمكن أن يكون عاملا من عوامل النهوض والتّقدم، ويُمْكن أن يكون عاملا من عوامل النكوص والتخلّف، فـ”البذرة لا تنبت في أرض إلا إذا كان مزاج البذرة مما يُتغذّى من عناصر الأرض، ويُتنفس بهوائها، وإلا ماتت البذرة، بدون عيب على طبقة الأرض وجودتها، ولا على البذرة وصحتها، وإنما العيب على الباذر. ولقد أشربت أنفس الأمة الانقياد إلى الدين، حتى صار طبعا فيها، فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذرا غير صالح للتربة التي أودعه فيها فلا ينبت، ويضيع تعبه، ويخفق سعيه… إن سبيل الدين، لمريد الإصلاح في المسلمين، سبيل لا مندوحة عنها”. ([1])
– الإصلاح التشريعي وتقبُّل فكرة القانون والحرص على مكافحة جمود وتقليد الفكر الديني، بـ”فتح باب الاجتهاد فيما كان يُصدره من فتاوي دينية، فأقام أصحاب الجمود في الأزهر، وأقعدهم، ولكنه كان أقوى منهم حجة، وأفصح لسانا، وأقوى جنانا؛ فسكتوا على مضض، وجبَنوا عن منازلته بالبرهان والحجة، لأنهم من الجمود في العلم، بحيث لا يحسنون بيانا، ولا يمكنهم أن يقيموا حجة أو برهانا”. ([2])
فمن القضايا المعاصرة العديدة التي اجتهد فيها الإمام على خلاف معاصريه من مشايخ الأزهر مسألة جواز التعامل مع البنوك بادّخار الأموال فيها، وأخذ الأرباح عليها، والتعامل مع التأمين بشرط أن تكون أموال التأمين مما سيقوم الطرف الثاني باستثمارها في التجارة والتكسب، ويعطي الطرف الأول أرباحا مقابل ذلك، كما أباح الإمام التصوير والتماثيل. ([3])
ودعا إلى عدم تعدد الزوجات إلا للضرورات الشرعية؛ فرأى عن قرب من خلال عمله بالمحاكم الشرعية استحالة تحقق شرط العدل بين الزوجات، وما ينتج عن التعدد الزوجات من سوء معاملة الأزواج لزوجاتهن والعداوة بين الأبناء من أمهات مختلفة، وانتهى محمد عبده إلى أن على الحاكم أن يمنع تعدد الزوجات طالما أن التعدد مصدر للمفاسد والشرور.([4]) واشترط لوقوع الطّلاق أن يقع أمام القاضي أو المأذون بحضور شاهدين([5]) كما أفتى بأنّ من حقّ المرأة أن تطلب من القاضي تطليقها إذا تحقق من الضرر، وهو ما يجوز شرعا كالهجر بغير سببٍ شرعي، والضرب والسبّ، وعلى الزوجة أن تثبت ذلك بالطرق الشرعية،([6]) ووافق الشيخ على مشاركة المرأة في الأمور السياسية، فكان أسبق في الدعوة إلى ذلك من قاسم أمين حتى قيل إنّ كتاب “تحرير المرأة” لقاسم أمين، قد وُضع في “جنيف” عندما كان في صحبته الشيخ محمد عبده، وسعد زغلول، وأحمد لطفي السيد.([7]) من هنا نلاحظ أن اتجاهات الإمام محمد عبده نحو تجديد الفقه إنّما قامت على مسايرة المستجدات التي جاءت بها الحداثة إلى المجتمعات الإسلامية.
– إعادة النظر في مسائل علم الكلام في كتابه “رسالة التوحيد” التي انتقلت بموضوعات التوحيد عمّا هو سائد في عصره فقضت على آثار الجمود وجعلته ملائما لما صار إليه العلم في العصر الحديث فجمع بين مفهوم التوحيد الأشعري والعدل المعتزلي، بما يمنح المسلم حرية التعاطي مع العلم الحديث، انطلاقا من سنة الله في ضرورة الأخذ بالأسباب.
– النهوض بلغة الصحافة، والانتقال بها من أسلوب السجع المتكلف إلى الأسلوب النثري المرسل، وإصلاح أساليب تعليم البلاغة العربية، فالإمام أول مَن درّس للطلاب في الأزهر علمَ البلاغة من كتابَي الشيخ عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز؛ فيعود إلى الشيخ فضل إحياء التراث اللغوي في حيويته وقُوته ونضارته، فما قام به الشيخ في إحياء الفكر البلاغي أقرب ما يكون إلى ما قام به محمود سامي البارودي في إحياء التراث الشعري.
فيعدّ الأستاذ الإمام “مجدد الأدب النثري في العصر الحديث، ومحرره من القيود التي أثقلته، وجنت عليه في العصور الوسطى. جدد الشيخ في أسلوب النثر، وفي معانيه وموضوعاته، وامتازت كتابته بالوضوح وحسن الترتيب وسلامة التراكيب، والبراءة من الغريب والحشو والتوعر. والمتأمل في أدبه يراه قد تنقل في أطوار عدة، فقد كان أول أمره يميل إلى السجع والتكلف والصنعة، وبعض المحسنات البديعية والمصطلحات العلمية. ويستعمل ألفاظا دخيلة من اللغات الأوروبية أو التركية، ثم أخذ يتحلل من قيود الصنعة شيئا فشيئا بعد تضلعه في الأدب العربي، والإكثار من قراءة الكتب القديمة، ثم سما وعذب ورق بعد دراسته اللغة الفرنسية والآداب الأوروبية الحديثة، وقد شاعت طريقته بين المتأدبين في هذا العصر فترسّموا خُطاه، وساروا على نهجه”.([8])
ولم تقف جهود الإمام عند النهوض بلغة الصحافة بل كان له دور كبير في ازدهارها وانتشارها فبالإضافة إلى إشرافه على تحرير جريدة “الوقائع المصرية” شجّع تلاميذه على إصدار الجرائد، والكتابة في الصحف، يشاركهم في ذلك، ويحثّ غيرهم من تلامذته على المشاركة في الكتابة، فأصدر تلميذه “أديب اسحق” جريدة “مصر”، كتب فيها الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وإبراهيم اللقاني، وشجع بدوره تلميذه “رشيد رضا” على إصدار “المنار” وشجع أحد مريديه “إبراهيم سراج” على إصدار صحيفتي “الحجاز والفسطاط “، كما سبق للشيخ أن أصدر صحيفة “الاتحاد العربي” في لندن بمعاونة “بلنت” صديق العرابيين، واشترك مع السيد جمال الدين في إصدار “العروة الوثقى” في باريس.
– وضع تقرير حول كيفية إصلاح المحاكم الشرعية، وهو التّقرير الذي كان أساسا لكلّ إصلاح حدث في هذه المحاكم فيما بعد، وقدّم مشروعا، لإصلاح الأزهر إصلاحا شاملا يقضي على كل أثر للجمود فيه، وهذا ما لم يقبلْه الخديوي، واقترح أن يتدرّج الشيخ في الإصلاح، فرضي على كُرهٍ منه بهذا الرأي، فما لا يُدرك كلّه لا يُترك كله، وبهذا تناول الإصلاح الناحية الإدارية والصحية والخلقية، واقتصر على إدخال العلوم الحديثة في الدراسة، ولم يتناول طريقة الدراسة إلا بإصلاحٍ لا يذكر، إذ منع قراءة الحواشي في الأقسام الأولية، وترك طريقة التدريس على حالها، لا يُعنَى فيها إلا بفهم عبارات المتون والشروح، ولا مجال فيها لفتح الاجتهاد والتجديد، مع أن هذا هو الغرض الأكبر من الإصلاح، وما سواه يُتَّخذ على أنه وسيلة له، فلما رأى الشيخ محمد عبده هذا النقص في إصلاح الأزهر، تداركه في الدروس التي كان يلقيها في التفسير وعلوم البلاغة ونحوها من العلوم بالجامع الأزهر على مدار سبع سنوات.
ويتحدّث الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي أحد علماء ومعمّري الأزهر عن مشروع الإمام الإصلاحي وموقف المتزمتين من مشروعه بقوله: “كان الشيخ يرى أن إصلاح المجتمع الاسلامي يجب أن ينبع من الأزهر، وأن يكون علماء الدين هم رسل النهضة وقادة الإصلاح، ولكي يقوم الأزهر برسالته لا بد له من الخروج عن عزلته وجموده، وأن يوثّق صلته بالشعب، ويجدد في نظمه وطرق التدريس فيه، ويطهر الدين من الشوائب والخرافات، وأن يعيد النظر في الآراء الاجتهادية التي أثبت العلم بطلانها، ويعالج المشاكل التي نبتت في العصور الحديثة ويبين حكم الدين فيها، وأن يعني بالتقويم الخلقي ومحاربة البدع والضلالات، والرد على ما أثاره خصوم الإسلام من شبه تتناول أصوله وفروعه، وأن يعد أبناءه للاضطلاع بوظائف الدولة، وتولى شئون القضاء والتدريس على النظم الحديثة.
وقد وضع رحمه الله نظاما لإصلاح المحاكم الشرعية، ومشروعا لإصلاح الأزهر في النواحي الإدارية والعلمية، وأراد أن يُجدد في منهج التدريس بطريقة عملية بارعة حببت إلى الناس طلب العلم، وغشى حلقته كثير من الأزهريين وغيرهم، كما درس التفسير والمنطق والحكمة والفلسفة وعلم الكلام بأسلوب بليغ وعبارات جزلة فياضة، وقوّة في الدليل والترجيح بين الآراء، ونفْي ما يثبت بطلانه وعدم جدواه.
وقد ثار بعض المتزمتين من الأزهريين والمتصوفة على الشيخ، ورموه بالإلحاد والزندقة، والخروج عما تواضع عليه العلماء والمؤلفون. وأقاموا من حوله سياجا من الشك والشبهات، ولجّوا في معارضته والطعن عليه، وهو صابر محتسب، يُقابل أذاهم بالتسامح، ومعارضتهم بالحجج الدامغة والبراهين الواضحة.
وإلى هذا يُشير حافظ إبراهيم في رثائه للإمام إذ يقول:
| وآذوك في دين الإله وأنكروا | مكانك حتى سوّدوا الصفحات | |
| رأيت الأذى في جانب الله لذةً | ورُحت ولم تهمم لهم بشُكاة | |
| لقد كنت فيهم كوكبا في غياهب | ومعرفة في أنفس نكرات | |
| أبنْتَ لنا التنزيل حُكما وحكمة | وفرّقت بين النور والظلمات | |
| ووفقت بين الدين والعلم والحجا | فأطلعت نورا في ثلاث جهات |
وإنّما كان غضب بعض الأزهريين عليه؛ لأنّه كشف عن جهلهم وعجزهم عن أداء رسالة الدين والعلم، كما كان غضب الصوفية عليه؛ لأنّه سفّه طرقهم، وأوضح دجلهم وتضليلهم لعقول الناس، حتى أحالوا الدين إلى خرافات وأوهام لا تتصل به من قريب أو بعيد”.([9])
– فهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف، و تحرير الفكر من قيد التقليد وسلفية الجمود على ظواهر النصوص كما يقول الإمام محمد عبده: “أضيق عطنا وأحرج صدرا من المقلدين، وهي وإن أنكرتْ كثيرا من البدع، ونحَّت عن الدين كثيرا مما أضيف إليه وليس منه، فإنها ترى وجوب الأخذ بما يفهم من لفظ “الوارد” والتقيد به دون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين وإليها كانت الدعوة، ولأجلها منحت النبوة، فلم يكونوا للعلم أولياء، ولا للمدنيّة أحباء”([10])
– إعلاء مقام العقل، واعتبار الدين من ضمن موازين العقل البشري، فعلى نقيض موقف دعاة الجمود والتقليد الذي يكتفي بالوقوف عند ظواهر النصوص، متنكرا لتعقل مرامي ومقاصد هذه النصوص أكد الشيخ محمد عبده على أن “المرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه، وعرفه بنفسه حتى اقتنع به، فمن تربّى على التسليم بغير عقل، والعمل -ولو صالحا- بغير فقه، فهو غير مؤمن؛ لأنه ليس المقصود من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان، بل القصد منه أن يرتقى عقله وتتزكى نفسه بالعلم بالله والعرفان في دينه، فيعمل الخير لأنه يفقه أنه الخير النابع المرضي لله، ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته درجة مضرته في دينه ودنياه، ويكون فوق هذا على بصيرة وعقل في اعتقاده، فالعاقل لا يقلد عاقلا مثله، فأجدر به أن لا يقلد جاهلا دونه وإذا ما حدث وحسب الإنسان وجود تعارض بين العقل والنقل فإن ذلك لا يعدو أن يكون تعارضا بين حقيقة النقل وبين توهم العقل. وليس صريح العقل. أو تعارضا بين العقل وظاهر النقل – وليس حقيقة النقل – فلقد اتفق أهل الملة الإسلامية – إلا قليلا ممن لا ينظر إليه – على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول، مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى اللّه في علمه، والطريق الثانية: تأويل النقل، مع المحافظة على قوانين اللغة، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل”.([11]) فـ”العقل هو جوهر إنسانية الإنسان، وهو أفضل القوى الإنسانية على الحقيقة… وهو ينبوع اليقين في الإيمان بالله، وعلمه، وقدرته، والتصديق بالرسالة… أما النقل فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب، كأحوال الآخرة”.([12])
– رفض كل أشكال السلطة الدينية، فـ “”ليس في الإسلام سلطة دينية، سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وهي سلطة خوّلها اللّه لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خولها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم… أصل من أصول الإسلام – وما أجله من أصل – قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها، هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها، حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم. ولم يدع الإسلام لأحد – بعد اللّه ورسوله – سلطانا على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه، فليس في الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه… والإسلام يحدد أن الأمة، أو نائب الأمة هو الذي ينصب الخليفة والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه، تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها، فهو حاكم مدني من جميع الوجوه. ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج “ثيوكراتيك” أي: سلطان إلهي… وكذلك القاضي، والمفتي، وشيخ الإسلام… لم يجعل الإسلام لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتحرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قدرها الشرع الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعى حق السيطرة على إيمان أحد، أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريقة نظره.
إن الإيمان بالله يرفع الخضوع والاستعباد للرؤساء الذين استذلوا البشر بالسلطة الدينية، وهي دعوى القداسة والوساطة عند اللّه، ودعوى التشريع والقول على اللّه دون إذن اللّه، أو السلطة الدنيوية وهي سلطة الملك والاستبداد، فالمؤمن لا يرضى لنفسه أن يكون عبدا لبشر مثله للقب ديني أو دنيوي، وقد أعزه اللّه بالإيمان، وإنما أئمة الدين مبلغون لما شرعه اللّه، وأئمة الدنيا منفذون لأحكام اللّه، وإنما الخضوع الديني للّه ولشرعه لا لشخوصهم وألقابهم”.([13])
– المضي عدة خطوات في مشروع إصلاح الأزهر الذي كان يهدف إلى “أن يكون مدرسة جامعة بالمعنى الصحيح يتلقى فيها الطلاب العلم الصحيح الذي يعدّهم أساتذة باحثون، وعلماء متخصصون، ومرشدون مخلصون يعملون على بث الآراء الدينية الصحيحة، والمعاني الأخلاقية السليمة، ومكافحة الخرافات، والقضاء على البدع والأباطيل”، كما جاء في كلام الشيخ محمد عبده إلى الخديوي عباس حلمي الثاني.
فقد نجح الشيخ محمد عبده في إقناع الخديوي عباس حلمي الثاني بتشكيل مجلس إدارة للإشراف على إصلاح التعليم في الأزهر ضمّ عددا من علماء المذاهب في الأزهر والشيخ محمد عبده وصديقه الشيخ عبد الكريم سلمان، وسار الشيخ في إصلاحاته أول الأمر بسرعة اغتناما للفرصة، قبل أن يُغلق الخديوي والأزهريون في وجهه كلّ الأبواب، فلم يبق له أمل في آخر حياته إلا مشروع الجامعة الأهلية الذي مضى فيه بعض تلامذته من خارج الأزهر.
ويُمكننا أن نُجمل أهم ما إنجازات الإمام في إصلاح الأزهر في النقاط التالية:
(أ) تحديد مدة الدراسة بالأزهر: فقد جرى العرف منذ زمان طويل أن ينفق المجاورون من أعمارهم الأعوام الطوال في الأزهر، دون أن يجدوا من أولى الأمر أية رقابة على أعمالهم. وحدد القانون بدء السنة الدراسية ونهايتها، كما حددت أيام العطلة والمسامحات. وقد كانت الحال قبل ذلك بلا ضابط: فكان المشايخ والطلاب يمكنهم التغيب متى شاءوا فضلا عن تغيبهم أيام المسامحات الرسمية.
(ب) وضْع نظام للتدريس والامتحان: فاقترح أن تعقد للطلبة امتحانات سنوية، ولم يكن ذلك النظام معروفا قبل ذلك في الأزهر، بل لم يكن عددُ من يمتحنون كل عام يزيد على ستة، وهؤلاء كانوا يتقدمون إلى الامتحان لا بحسب دورهم أو ذكائهم أو علمهم، بل بشفاعة الشفعاء وإلحاح الملحين، والغرض من ذلك طبعا هو بثّ روح التسابق فيهم وترغيبهم في التحصيل.
(ج) إلغاء دراسة بعض الكتب العقيمة – كالشروح والحواشي والتقارير التي اعتاد المشايخ تلقينها الطلبة من غير فهم، وكان من شأنها أن تشوش عليهم موضوعات العلوم التي يدرسونها؛ واستعيض عن ذلك كله بكتب أنفع وأقرب إلى مدارك الطلاب.
(د) تقسيم العلوم التي تدرس بالأزهر إلى مقاصد ووسائل؛ فأطيلت مدة الدراسة في (علوم المقاصد): كالتوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والأخلاق. أما (علوم الوسائل): كالمنطق والنحو والبلاغة ومصطلح الحديث والحساب والجبر، فهي التي يُلزم طلاب شهادة العالمية بأداء امتحان فيها.
وحاول إدخال دروس ومحاضرات جديدة في علوم: التاريخ والتاريخ الطبيعي والرياضيات والجغرافيا والفلسفة والاجتماع وما إلى ذلك من العلوم التي كان قد أُهمل تدريسها بالأزهر إلى ذلك الحين، إلا أنّ الشيوخ الجامدين لم يمكنوه من ذلك، ورغم ما عاناه الشيخ من عنت، إلا أنّ البذر الصالح الذي ألقاه الأستاذ الإمام ذلك ألقاه فيه دروسه من حر الآراء وسليم الأفكار بقي في نفوس تلامذته.
وقد عقّب الشيخ عبد المتعال الصعيدي على تلك المحاولة بقوله: “أخذت الحكومة في إصلاح الأزهر، وقد بدأت أولا بتأليف مجلس إدارة للأزهر مؤلف من أكابر علماء المذاهب الأربعة، وأضيف إليهم الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الكريم سلمان على أنهما عضوان من قبل الحكومة، فسار هذا المجلس بهمة صادقة في إصلاح الأزهر، وسلك في ذلك سنة التدرج ليأمن الاصطدام بأعداء الإصلاح، ويأخذ الأزهريين به شيئا فشيئا، وكانت الحكومة من ورائه ترعاه بالمساعدة، وتصد عنه كيد هؤلاء الأعداء، وتأخذهم بالشدة إذا جنحوا إلى الثورة، حتى لانوا واستكانوا. ونجح هذا المجلس في إقامة الدعائم الأولى للإصلاح، فألف أهل الأزهر النظام في أعمالهم ودروسهم، وأقبلوا على دراسة العلوم الحديثة التي كانوا ينفرون من دراستها، وكان الشيخ محمد عبده يرى أن ما نجحوا فيه من ذلك، يجب أن يكون وسيلة لا غاية، لأن الإصلاح الحقيقي لا يصح أن يقف عند هذه الحدود، بل يجب أن يتعداها إلى فتح الأذهان المقفلة في الأزهر، وكسر قيود التقليد في العلوم القديمة، حتى تدخلها آثار التجديد، وتخلع تلك الأثواب البالية، وتعود إلى ما كانت عليه علوما تفتح العقول، وتربي العلماء المجددين، والأئمة المبرزين. وقد سأله السيد محمد رشيد رضا عن رأيه فيما قاموا به من إصلاح الأزهر، فذكر أنه لم يحصل شيء من الإصلاح يذكر إلى ذلك الوقت، وأنه أراد أن يبدأ بأعمال عظيمة في الإصلاح اغتناما للفرصة، فأشير عليه بوجوب التدرج في الإصلاح، وأنه لابد له من المسايرة، وإن كان يخشى أن تضيع الفرصة بما يسمونه التدرج.
وقد أتى القوم بعد الأستاذ الإمام فساروا في ذلك على أنه غاية لا وسيلة، ووقفوا عند هذه الحدود التي لا يصحّ أن يقف عندها الإصلاح، فلم ينهضوا بالأزهر إلى ما يرجى له في هذا العصر، وبقيت علومه القديمة في أثوابها البالية التي تزهد الناس فيها، وتجعلها مماحكات لفظية لا فائدة في دراستها. وقد نبهتهم إلى ذلك بكتابي “نقد نظام التعليم الحديث للأزهر الشريف” فقامت عليّ قيامتهم، ولم تهدأ ثائرتهم إلا بعد أن أنزلوا بي من العقاب ما أنزلوا، وكانوا يريدون عزلي من المعاهد الدينية، فتداركني لطف الله تعالى، وبقيت إلى وقتنا هذا مخلصا لعقيدتي لا يثنيني عنها ما يفوتني بسبب إخلاصي لها”. ([14])
([1]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج ٣، ص ١٠٩، ٢٣١.
([3]) محمد عبده ، في التأمين والأرباح ، الأعمال الكاملة ، ج ٢ ، ص٥٠٤،٥٠٣.
([4]) محمد عبده ، فتوى تعدد الزوجات ، الأعمال الكاملة، ج٢، ص ٦٢.
([5]) محمد عبده ، الطلاق ، الأعمال الكاملة ج٢ ، ص ١٢٣.
([6]) محمد عبده ، الإنفاق على الزوجة والتطليق ، الأعمال الكاملة ج ٢ ، ص ١٢٩.
([7]) يُنظر: موسوعة هذا الرجل من مصر، ص ٤٧٠،٤٦٩.
([8]) د. محمد عبدالمنعم خفاجي، الأزهر في ألف عام، ص٣٠٩.
([9]) د. محمد عبدالمنعم خفاجي، الأزهر في ألف عام، ص٣٠٩.
([10]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج ٣، ص ٣١٤.
([14]) عبد المتعال الصعيدي، كيف بدأ الإصلاح في الأزهر، مجلة الرسالة، العدد٥٢٥، القاهرة، ٢٦ يوليو ١٩٤٣م.








