رياضة

“الدَّهّابَة” على الحدود المصرية السودانية.. تداخلات الحرب والأمن والاقتصاد

في العام 2011، انفصل جنوب السودان عن شماله، ما أفقد الخرطوم معظم موارها النفطية، فاتجهت الأنظار نحو الذهب، الموجود بكثرة في مناطق عديدة؛ خاصة المناطق الحدودية مع مصر؛ وذلك لتعويض هذا النقص الكبير في الموارد، خاصة وأن الذهب أحد أكثر مصادر الدخل قابلية للتحويل إلى نقد.. انتعش كذلك في تلك الآونة ما يعرف بالتنقيب الأهلي الذي مثّل مصدر رزق لمئات الآلاف من السودانيين. وتشير تقارير إلى أن عدد المشتغلين بالتنقيب عن الذهب من السودانيين، ربما تجاوز المليونين.

بعد سقوط نظام الرئيس عمر البشير، وفشل خطط التحول الديمقراطي وتفاقم الصراع على السلطة بين العسكريين والمدنيين.. دخلت البلاد في نفق الحرب الأهلية المظلم وخصوصا بعد انقلاب الجيش في أكتوبر 2021، الأمر الذي عمّق الأزمة السياسية وأضعف فرص الانتقال المدني. ثم اندلاع الحرب الأهلية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع (الجنجويد) في أبريل 2023- كانت تلك القوات قد سيطرت عام 2017، على منجم جبل عامر الشهير في ولاية شمال دارفور، وهو من أغنى مناجم الذهب في السودان، إضافة إلى سيطرتها أو نفوذها على مواقع تعدينية أخرى في مناطق مثل جنوب كردفان وغيرها. وأظهرت تحقيقات دولية وصحفية عديدة، أن النسبة الأكبر من صادرات الذهب السوداني -سواء المنتج عبر الشركات الكبرى أو عبر التعدين الأهلي الذي تسيطر عليه أطراف نافذة- كانت تتوجه نحو أسواق دولة الإمارات العربية المتحدة؛ باعتبارها الممر التجاري والمالي الأبرز عالميا لتجارة الذهب القادم من شرق إفريقيا، وهو ما استُخدم لاحقا لتمويل الأنشطة السياسية والعسكرية لقوات الدعم السريع، وحتى استمرار مجهودها الحربي بعد اندلاع الصراع في أبريل 2023. وهو ما أدّى إلى اتساع أعمال التنقيب عن الذهب، بعد أن أصبح الذهب جزءا مهما من اقتصاد الحرب السودانية.

في مطلع أكتوبر الجاري، تناقلت وكالات الأنباء تقارير عن مقتل وإصابة معدّنين سودانيين في غارات جوية استهدفت مواقع للتنقيب عن الذهب على الحدود المصرية السودانية. وبحسب رويترز، وقعت الضربة يوم السبت 10 أكتوبر، وأعلنت مجموعة “محامو الطوارئ” الحقوقية أن الضربة أودت بحياة 72 شخصا على الأقل، في ثاني واقعة من نوعها خلال أشهر قليلة. ونقلت بي بي سي، عن شهود ومصادر محلية أن أكثر من 60 معدّنا قتلوا وأصيب نحوا من 150 آخرين، جرّاء قصف جوي لمواقع تعدين في المناطق الحدودية.

وقال شهود إن إحدى الضربات أصابت مجموعة تضم نحو 35 معدّنا، وإن آخرين توفوا أثناء محاولات إجلائهم بسيارات الدفع الرباعي، في ظل غياب أي مرافق طبية قريبة، بينما فرّ مئات الناجين إلى الصحراء والجبال المحيطة. أرقام الوفيات والمصابين ما زالت محل خلاف. لم يؤكد أحد هوية الطائرات من مصدر مستقل حتى الآن، ويزيد الأمر تعقيدا أن موقع الحادث تتنازع الروايات على وصفه؛ إذ قال مسئولون عسكريون مصريون عن ضربات سابقة إنها وقعت داخل الأراضي المصرية.

يُذكر أنه في مارس الماضي قُتل تسعة أشخاص وأصيب 13 آخرون في واقعة مشابهة بمنطقة وادي الأنصاري، بحسب صحيفة الشرق الأوسط. وفي يونيو أعلنت مصر حملة واسعة في جنوب البلاد لمكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية والتنقيب غير القانوني عن الذهب، وقال الجيش إنه أوقف 87 مصريا و136 أجنبيا وضبط معدات تُستخدم في التنقيب.

في 12 من أكتوبر الجاري أعلنت القاهرة، استمرار “المرحلة الثالثة من الحملة المكبرة” لمواجهة التنقيب غير المشروع في الصحراء الشرقية، وقال المتحدث العسكري إن القوات المسلحة والشرطة تواصلان تنفيذها بعد إلقاء منشورات تحذيرية، بهدف “فرض كامل السيادة داخل حدود الدولة المصرية”. وأضاف البيان -بحسب قناة الحُرَّة- أن الدولة تحتفظ بكل الخيارات المتاحة للتعامل مع التهديدات.

البيان العسكري المصري لم يشر صراحة إلى الغارات، ولا إلى سقوط قتلى، ولم يتضمن نفيا أو تأكيدا مباشرا للاتهامات الموجهة إلى القاهرة. بدلا من ذلك شدد البيان على “عمق الروابط” بين الشعبين، وعلى أن وجود ملايين السودانيين في مصر شاهد على ذلك، مُحذِّرا من “الشائعات” و”الأجندات الخارجية”. وفي المقابل، قال مسئولان أمنيان مصريان لرويترز، دون الكشف عن هويتهما، إن الضربة استهدفت إنهاء حالة “الفوضى” على الحدود ومساعي جماعات مصرية وسودانية للسيطرة على مناطق التعدين.

الإجراءات المصرية المشددة تحصر وتضيق الخناق على شبكات التهريب العابرة للحدود التي تستخدم المسارات الصحراوية لإخراج الذهب أو إدخال السلع والمؤن لدعم العمليات الحربية. بالتالي، فإن تشديد الرقابة ومنع التنقيب العشوائي يقطع شرايين مالية ولوجستية مهمة. ولا تعتبر هذه الإجراءات المصرية مهددة لمصالح القوات الحكومية السودانية الرسمية، بل تتطابق مع رغبة الخرطوم في ضبط الحدود، ووقف استنزاف ثروات البلاد عبر شبكات التهريب غير القانونية، وتجفيف منابع تمويل المليشيات المسلحة. وإن كان التضييق يطال أحيانا “الدهابة” المحليين أو العشوائيين الساعين للرزق، إلا أنه استراتيجيا يصب في مصلحة فرض سيادة الدولة على الموارد. وتؤكد السلطات والجيش المصري أن العمليات تجري بالكامل داخل الأراضي المصرية وضمن حدودها الدولية المعترف بها، وتحديدا في العمق الصحراوي والجبلي المتاخم للحدود. تستهدف هذه الإجراءات منع شبكات التسلل، والهجرة غير الشرعية، وتهريب المخدرات، والتنقيب العشوائي غير القانوني عن الذهب الذي يهدد الأمن القومي الاقتصادي والبيئي لمصر.

كما أشارت تقارير وتحقيقات محايدة نشرتها عدة صحف ومواقع عالمية منها نيويورك تايمز إلى أن الضربات أو العمليات الأمنية وقعت بالفعل داخل الأراضي المصرية (على بُعد أميال قليلة من الحدود) ضد مجموعات من المهربين والمنقبين المخالفين.

وتسعى قوات الدعم السريع، من خلال ادعاء أن العمليات جرت داخل الأراضي السودانية، إلى إظهار مصر بمظهر “المعتدي على السيادة السودانية”، وذلك لخدمة أجندتها السياسية والإعلامية.. نظرا لأن الموقف الرسمي المصري يميل إلى دعم مؤسسات الدولة السودانية والقوات المسلحة الرسمية ويحافظ على وحدة السودان، لذلك تحاول قوات الدعم السريع استغلال أي حوادث حدودية أو إجراءات أمنية مصرية صارمة ضد مهربي الذهب؛ لتحويلها إلى ورقة ضغط سياسية واتهام القاهرة بانتهاك الأراضي السودانية.

وعلى المسار الدبلوماسي، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالا بنظيره السوداني محيي الدين سالم، ركَّز فيه البيان المصري على “عمق العلاقات” واحترام سيادة كل دولة ووحدة أراضيها وحدودها، دون التطرق إلى الغارة، واتفق الوزيران على استمرار التنسيق. ويمكن قراءة هذا الخطاب بوصفه رسالة مزدوجة: القاهرة لن تتراجع عن فرض السيطرة على مناطق تعتبرها داخل حدودها، لكنها لا تريد في الوقت نفسه أن يتحول الحادث إلى أزمة سياسية مفتوحة مع الخرطوم.

في المقابل، أصدر رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان قرارا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والقضاء والأجهزة الأمنية. وقالت الحكومة إن الحادث وقع في منطقة حدودية بين البلدين، وإن قادة من الجانبين تواصلوا فور وقوعه، لكنها لم تصل إلى حد اتهام مصر مباشرة. وكان البرهان قد أعلن في 22 يونيو اعتزامه التحقيق في وقائع مماثلة قرب الحدود، ولم تُعلن نتائج ذلك التحقيق، بحسب سودان تريبيون.

وطالبت مجموعة محامو الطوارئ وشبكة أطباء السودان بتحقيق مستقل، بينما اتهمت جهات سياسية، بينها تحالف “تأسيس” المرتبط بقوات الدعم السريع، مصر بالمسئولية، وهي اتهامات تبقى في حيِّز المواقف السياسية التي لم تثبتها الأدلة المتاحة.

وفي خطاب أمام حشد عشائري في منطقة “الرتج” القريبة من الحدود الشمالية، دعا البرهان، إلى عدم تعدي الحدود تجنبا للمشكلات، في إشارة تعكس حرص الخرطوم على احتواء الأزمة، وعلى ألا تُحمَّل وحدها كلفة الانفلات الحدودي أمام مواطنيها الغاضبين.

القاهرة تسعى -منذ فترة- إلى جذب شركات التعدين وإخراج القطاع من دائرة التعدين العشوائي، وقد أشارت رويترز إلى هدف رفع الإنتاج إلى نحو 800 ألف أوقية سنويا بحلول 2030، وإلى أن التعدين غير القانوني يعرقل بعض الشركات العاملة في مناطق الامتياز. ومن هذه الزاوية، يمثل الدَّهّابة، اقتصادًا موازيًا يعمل خارج الترخيص والسيطرة الرسمية.

وعلى الجانب الآخر، تشير تقديرات إلى أن إنتاج السودان من الذهب بلغ نحو 70 طُنا في 2025، لم يُصدّر رسميا منها سوى نحو 20 طنا. لكن من المهم عدم القفز إلى استنتاج أن كل منقب سوداني يعمل لحساب أحد طرفي الحرب؛ فلا توجد أدلة متاحة تربط مُعدّني منطقة الحادث بأي منهما، وإن كان الذهب مصدر تمويل مُهما للطرفين.

تكشف الأزمة أن الذهب بات نقطة التقاء ثلاثة صراعات: سعي الدولة المصرية إلى فرض سيطرتها على مواردها ومواجهة التعدين غير القانوني، وأزمة حدودية قديمة بين القاهرة والخرطوم، واقتصاد حرب سوداني جعل الذهب مصدر رزق وتمويل في آن واحد.

وتُظهر التقارير الاقتصادية الميدانية مفارقة مثيرة؛ فبالرغم من اتهام الحكومة والقوات المسلحة السودانية للإمارات بتمويل الدعم السريع، إلا أن جانبا كبيرا من الذهب الذي ينتجه التعدين الأهلي والمؤسسي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني كان يستمر أيضا في التدفق ونيل التسييل النقدي عبر المنافذ والمصارف ذاتها في دبي والإمارات لعدم توفر بديل إقليمي مالي بنفس الكفاءة والسيولة.

 

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى