رؤى

خالد عزب يبحر في تراث المدينة الإسلامية.. بحثا عن البهجة والعمران

ليست المدينة مجرد أبنية تتجاور، أو مرافق تؤدي وظائف محددة؛ إنها صورة مادية لحياة المجتمع، ومرآة لقيمه وتصوراته عن الإنسان والعالم، وسجل مفتوح للتحولات التي مرت بها حضارته. ومن هذا المدخل يمكن قراءة كتاب «المدينة الإسلامية: تراث البهجة والعمران» للدكتور خالد عزب، الذي يتجاوز التأريخ للعمارة الإسلامية إلى استكشاف الرؤية الحضارية التي تشكل العمران الإسلامي، والعلاقات التي ربطت بين المكان وحياة المجتمع.

الكتاب، وقد فاز به د. خالد عزب بجائزة الملك عبد الله الثاني بن الحسين للإبداع في دورتها الـ12 (2025- 2026)، يطلّ على حضارتنا الإسلامية من زاوية «المكان»، لا بوصفه مجرد مساحة للعيش والكسب، وإنما باعتباره شاهدا على قيمها وأفكارها ونُظمها، وعلى ما شهدته من إبداع وتفاعل وتحولات، انعكست في العمران خلال فترات السلم والحرب.

ويأتي الكتاب امتدادا لمشروع بحثي انشغل فيه الدكتور خالد عزب بدراسة فلسفة العمران في الحضارة الإسلامية، من خلال عدة مؤلفات، منها «العمران: فلسفة الحياة في الحضارة الإسلامية»، «فقه العمران»، «المجتمع والعمران: نفوذ الناس في المجتمع الإسلامي»، و«هندسة التراث العمراني». وفي هذا السياق، لا يقتصر اهتمام المؤلف على استعادة ملامح المدينة الإسلامية وتاريخها، بل يتصل أيضا باستكشاف ما يمكن أن تقدمه خبرتها العمرانية في التفكير في مستقبل المدن، بعيدا عن اختزال التراث في بقايا أثرية تستحق الحفظ فحسب.

من المدينة النبوية إلى تشكل العمران الإسلامي

يبدأ د. خالد عزب من المدينة المنورة، بوصفها نقطة تأسيسية في تشكل المدينة الإسلامية، متتبعا ملامح العمران في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما ارتبط به من وظائف ومؤسسات. ويحتل المسجد موقعا مركزيًّا في هذه البداية، لا باعتباره مكانا للعبادة وحدها، بل بوصفه فضاءً جامعا تتداخل فيه الوظائف الدينية والاجتماعية والسياسية والتعليمية.

ويكشف تناول بناء المسجد النبوي عن جملة من الدلالات التي تتجاوز تفاصيل الإنشاء؛ فاختيار الأرض، ومراعاة حقوق أصحابها، والاستعانة بمواد البناء المتاحة في البيئة المحلية، ومشاركة الرسول والصحابة في العمل، كلها شواهد على أن التأسيس العمراني ارتبط بمنظومة من القيم والممارسات، لا بمجرد إقامة مبنى يؤدي وظيفة محددة.

ويمتد هذا التصور إلى المسكن والسوق ومصلى العيد ودور الضيافة ووسائل تحصين المدينة؛ فالمسكن يرتبط بالحاجة إلى الراحة والستر والخصوصية، والسوق بتوفير فرص التكسب والتبادل، فيما تؤدي الفضاءات العامة وظائف تتصل باجتماع الناس وتواصلهم. وبهذا لا تبدو المدينة مجموعة من المنشآت المتفرقة، بل تكون نظاما تتكامل فيه الوظائف وتتحدد فيه قيمة كل عنصر بقدر إسهامه في حياة السكان.

ومن المدينة المنورة انتقلت خبرات التأسيس الأولى إلى مدن إسلامية أخرى، مثل البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان، ثم تطورت التجربة العمرانية واتسعت مع اتساع المجتمعات الإسلامية وتنوع بيئاتها. ولا يعني ذلك أن المدن اتخذت صورة واحدة، بل إن المشترَك الحضاري تفاعل مع اختلاف الظروف المحلية، فأنتج أنماطا متعددة من العمران تجمع بين وحدة المرجعية وتنوع التجربة.

وفي تتبعه لمكونات المدينة الإسلامية، يرصد المؤلف خمسة عناصر رئيسة أسهمت في تشكيل بنيتها العمرانية، هي: المسجد الجامع، ومقر ولي الأمر والقاضي، والسوق، والأحياء السكنية، والقلاع والبوابات، فضلا عن المرافق التابعة لها، كالبساتين والساحات والميادين والمقابر. ولا يكتفي برصد هذه العناصر، بل يتتبع تطورها ودلالاتها، وما تكشف عنه من علاقة بين تخطيط المدينة واحتياجات المجتمع وتحولاته.

ويكشف تطور مقر الحكم عن تحولات الاستقرار العمراني وانتقال المدن من تجمعات ارتبطت بحركة الفتوح إلى مراكز حضرية مستقرة، فيما أسهمت الأسواق والأحياء السكنية في تنظيم النشاط الاقتصادي والحياة اليومية. كما يولي المؤلف عناية بالبعد الجمالي للمدينة؛ فالشوارع والواجهات والمباني لم تكن مجرد عناصر وظيفية، بل أسهم تنوعها المعماري والزخرفي في تكوين هوية بصرية مميزة لكل مدينة، تجمع بين وحدة الروح وتنوع التعبير. وهكذا تشكلت المدينة الإسلامية من تفاعل الوظائف العمرانية مع القيم الدينية والاجتماعية والجمالية، بما يجعل فهم تراثها متصلا بالرؤية التي نظمت الحياة داخلها، لا بدراسة مبانيها منفردة فحسب.

العمران بوصفه تعبيرا عن الاجتماع الإنساني

وينتقل الكتاب من وصف ملامح المدينة إلى استكشاف الأسس الفكرية التي تفسر نشأتها ووظائفها، مستعينا بما تركه العلماء المسلمون من تصورات عن الاجتماع الإنساني وأسباب اتخاذ المدن؛ ويستحضر في هذا السياق الماوردي وابن أبي الربيع والقزويني وابن خلدون وغيرهم، ليبين أن التفكير في المدينة لم يكن منفصلا عن التفكير في الإنسان واحتياجاته وشروط استقراره.

وتتأسس إحدى الأفكار المهمة في هذا الصدد على أن الإنسان لا يستغني عن غيره؛ فحاجاته إلى الغذاء واللباس والمسكن والعلاج، وتنوع قدرات البشر وأعمالهم، تجعل التعاون ضرورة لاستمرار الحياة، وبالتالي يصبح الاجتماع أساسا للعمران، وتغدو المدينة صورة من صور تنظيم هذا الاجتماع في مكان تتقارب فيه المنافع وتتعدد فيه الأنشطة.

وتكتسب إحالة المؤلف إلى ابن خلدون دلالتها من هذا المنظور؛ فالمدينة لا تُفهم بوصفها كتلة مبنية فحسب، وإنما باعتبارها مظهرا من مظاهر العمران الإنساني، الذي يتصل بشروط المعاش والتعاون وتوزيع الأعمال. وهذه النظرة توسع مجال دراسة العمارة، فلا تعود المسألة محصورة في أشكال المباني وطرائق تشييدها، بل تمتد إلى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي أنتجت هذه المباني وحددت مواقعها ووظائفها.

ويبرز الكتاب كذلك أثر البيئة الطبيعية في نشأة المدن وتطورها، من حيث الموقع والمناخ والموارد وطرق الاتصال؛ فالعمران ليس فعلا معزولا عن المكان، وإنما هو استثمار لإمكاناته، ومحاولة للتكيف مع تحدياته. ومن هنا يمكن فهم اختلاف المدن الإسلامية في تخطيطها ومواد بنائها وتوزيع منشآتها، دون أن ينفي ذلك وجود سمات مشتركة بينها.

وتقود هذه الرؤية إلى نتيجة مهمة: أن المدينة سجل للحياة الاجتماعية بقدر ما هي نتاج للمهارة المعمارية؛ فالمسجد والسوق والمسكن والحمام والحديقة ليست وحدات مادية مستقلة، بل عناصر تتحدد دلالتها من خلال العلاقات التي تنشأ بينها، ومن خلال ما تتيحه للإنسان من عبادة وعمل وراحة وتواصل.

بين جمال المكان واحتياجات الإنسان

من الجوانب اللافتة في الكتاب اهتمامه بالتفاصيل التي قد تبدو ثانوية في الدراسات العمرانية، لكنها تكشف عن جانب أساسي من فلسفة المدينة الإسلامية؛ ومن ذلك الخط العربي، والحدائق، والنافورات، وعناصر توفير المياه، وما تحمله هذه المكونات من وظائف عملية وجمالية ورمزية. فالخط العربي، الذي يزين واجهات المباني وجدرانها الداخلية، لا يؤدي وظيفة زخرفية فقط، بل يسهم في تشكيل الهوية البصرية للمكان، ويمنحه لغة تعبر عن مرجعيته الثقافية. وكذلك الحدائق والنوافير، التي لا تختزل قيمتها في تحسين المشهد العام، وإنما تتصل بالراحة النفسية، وتلطيف المناخ، وإدخال عناصر الطبيعة في الحياة اليومية.

ويكشف الاهتمام بالماء، على وجه الخصوص، عن علاقة وثيقة بين البيئة والخيال الحضاري؛ ففي البيئات الجافة، لم يكن الماء مجرد مورد ضروري للشرب والنظافة، بل اكتسب حضورا جماليا وروحيا انعكس على تصميم الأفنية والنافورات والحدائق. وهكذا تتجاوز بعض العناصر العمرانية وظيفتها المباشرة، لتجمع بين المنفعة الحسية والدلالة الثقافية.

ومن هنا تكتسب عبارة «تراث البهجة والعمران» دلالتها؛ فالبهجة ليست زينة تضاف إلى المدينة بعد استكمال احتياجاتها الأساسية، وإنما هي جزء من جودة الحياة التي ينبغي أن يوفرها المكان. والمدينة الناجحة ليست تلك التي تؤوي السكان وتيسر حركتهم فحسب، بل التي تمنحهم أيضا شعورا بالانتماء والراحة، وتتيح لهم اكتشاف الجمال في تفاصيل حياتهم اليومية.

وتتصل هذه الفكرة بما يطرحه المؤلف عن النسيج الحضري، أي العلاقات بين الكتل المبنية والفراغات، وبين المسكن والسوق والمسجد والطرق؛ فتماسك المدينة لا ينتج من تشابه مبانيها، وإنما من حسن تنظيم العلاقة بينها، بما يحقق التوازن بين الخصوصية والحركة، وبين المجال الشخصي والفضاء المشترك، وبين الضرورات العملية والقيم الجمالية.

مأزق المدينة المعاصرة واستعادة التراث

تتجلى القيمة الراهنة للكتاب حين ينتقل من استعراض التجربة التاريخية إلى مساءلة واقع المدن الإسلامية المعاصرة؛ فالمشكلة، وفق المنظور الذي يقدمه، لا تقتصر على تراجع بعض المباني التاريخية أو تعرضها للتدهور، وإنما تشمل اختلال العلاقة بين البيئة العمرانية والبيئة الطبيعية، وضعف حضور الحدائق والمساحات الخضراء، وتراجع بعض الاعتبارات الإنسانية التي أسهمت في تشكيل المدينة الإسلامية.

ويشير المؤلف إلى ما يمكن تسميته بالفقر الحدائقي في المدن المعاصرة، محذرا من النظر إلى الحدائق باعتبارها ترفا يمكن الاستغناء عنه؛ فالفضاءات الخضراء عنصر من عناصر التوازن البيئي والنفسي، وينبغي أن تحظى بمكانها في تخطيط الأحياء والمجاورات السكنية والمدن بأكملها.

وتكشف هذه الملاحظة عن اتساع مفهوم التراث في الكتاب؛ فالتراث العمراني ليس مبنى قديما أو طرازا زخرفيا، وإنما خبرة متراكمة في تنظيم الحياة داخل المكان. ومن ثم، فالحفاظ عليه لا يتحقق بمجرد ترميم الأبنية التاريخية، بل يتطلب فهم المبادئ التي حكمت تكوينها، واستلهام ما يمكن الإفادة منه في التخطيط المعاصر.

وهنا يطرح الكتاب -ضمنيا- سؤالا يتجاوز الحنين إلى الماضي: كيف نستعيد القيم العمرانية التي جعلت المدينة الإسلامية فضاءً متماسكا ومريحا للعيش، من دون الوقوع في أسر الأشكال التاريخية أو تجاهل التحولات التي عرفها المجتمع الحديث؟

والإجابة التي يفتح الكتاب المجال أمامها تقوم على التمييز بين استلهام المبادئ واستنساخ النماذج. فليس المطلوب أن تعود المدن الجديدة إلى صورة المدينة القديمة بحذافيرها، وإنما أن تستفيد من خبرتها في مراعاة الخصوصية، وتكامل الوظائف، والتوافق مع البيئة، وإتاحة المجال العام، والجمع بين المنفعة والجمال. وهذه مهمة تتطلب تعاون المؤرخين والباحثين والمهندسين والمخططين، كما تتطلب إدراكا بأن العمران قضية ثقافية واجتماعية، لا مسألة فنية محضة.

التراث بوصفه موردا للمستقبل

تنبع أهمية كتاب خالد عزب من محاولته استعادة المدينة الإسلامية بوصفها تجربة حضارية مركبة، لا مجرد مجموعة من الشواهد المعمارية التي تنتمي إلى الماضي؛ فهو يربط بين نشأة المدينة ووظائفها، وبين الفكر الذي أضاء شروط الاجتماع الإنساني، وبين التفاصيل العمرانية التي منحت المكان هويته وبهجته.

ومع ذلك، فإن القيمة الأبرز لهذا المسعى لا تكمن في افتراض إمكان نقل التجربة التاريخية إلى الحاضر كما هي، بل في فتح باب التفكير في المبادئ التي جعلت العمران استجابة لحاجات الإنسان المادية والاجتماعية والروحية والجمالية. كما أن استحضار هذا التراث يظل مدخلا إلى النقاش، لا بديلا من الدراسات التطبيقية التي تختبر إمكانات توظيفه في ضوء مشكلات المدن الراهنة.

ولقد استطاع الدكتور خالد عزب بكتابه «المدينة الإسلامية: تراث البهجة والعمران» أن يطوّف بنا في دروب التاريخ وأنحاء مدننا وحواضرنا الكبرى، بمساجدها ومستشفياتها وأسبلتها وأزقتها ومساكنها وأسواقها؛ فرأينا القيمَ متجسّدة في مبانٍ وشواهد، والعمرانَ ينطق حاله بالتراحم والتواصل والبهجة.. وهو ما يجعل سؤال المدينة والعمران أحد الأسئلة التي تستحق إعادة النظر، في ضوء هذه التجارب التاريخية التي ما زالت آثارها ممتدة في واقعنا وشاهدة عليه.

د.السنوسي محمد السنوسي

باحث في الفكر الإسلامي
زر الذهاب إلى الأعلى