في شهر فبراير 2026، نشرت صحيفة معاريف العبرية مقالا للكاتب والمحلل السياسي ران أدلست تحت عنوان لافت هو “هجرة أدمغة، أم إخفاق استراتيجي؟”.
حذر أدلست في مقاله مما أسماه “شكل من أشكال هجرة الأدمغة” تشهده دولة الاحتلال الصهيوني منذ اندلاع معركة “طوفان الأقصى” في أكتوبر من عام 2023.
حيث غادر دولة الاحتلال 400 ألف مستوطن صهيوني ووفقا لتقرير صادر عن دائرة الإحصاء المركزية، يعيش في الخارج نحو 55 ألف صهيوني من حمَلة البكالوريوس والماجستير، و16% من حمَلة الدكتوراه يقيمون خارج الكيان الصهيوني.

وأرجع أدلست سبب مغادرة هذه الفئات لدولة الاحتلال إلى ما أسماه “هجوم الحكومة على الأوساط الأكاديمية والبحث العلمي”.
وأوضح أدلست سبب خطورة هذه الظاهرة بقوله “كانت الهجرة إلى إسرائيل وما زالت مصدر دعم لليهود، وخصوصا في مثل هذه الأيام، ومن المفترض أيضا أن تشكّل إضافة مهمة إلى حاجات دولة نامية، ولا سيما دولة توقّف تطوّرها”.
بعد عدة أشهر من التحذير الذي أطلقه أدلست في مقاله، نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية في أغسطس 2026، تقريرا حول ما أسمته “الخروج الجماعي” من دولة الاحتلال.
حيث كشف التقرير عن أن نحو 150 ألف مستوطن غادروا الكيان الصهيوني خلال 3 سنوات، وسط الحرب والاضطرابات، ما يثير مخاوف من نزيف مستمر للعقول ورأس المال البشري.
وأضافت أن أغلب من “يخرجون” من دولة الاحتلال هم من الشباب ما بين العشرين والخمسين وينتمي أغلبهم إلى قطاعات مثل الأكاديميين والمهندسين والأطباء والعاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات.
وأوضحت الصحيفة أن “هجرة العقول” هذه تهدد اقتصاد الكيان الصهيوني المعتمد على رأس المال البشري، خصوصا أن التكنولوجيا تمثل خُمس الناتج ونصف الصادرات.
معطيات الصحيفة البريطانية تطابقت مع ما نشرته صحيفة معاريف العبرية في شهر سبتمبر 2026، حول نفس الظاهرة، حيث أوضحت أن دولة الاحتلال شهدت في السنوات الأخيرة موجة هجرة واسعة النطاق، بلغت قرابة 300 ألف شخص وفقا للأرقام الرسمية، وشملت عشرات الآلاف من الأكاديميين، والأطباء، والعاملين في مجال التكنولوجيا، ورجال الأعمال، والمهنيين، والعائلات الشابة المتعلمة.
كما أكدت على نمو هذه الظاهرة أرقام وإحصائيات مصلحة الضرائب في دولة الاحتلال التي نقلتها صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” الناطقة بالإنجليزية التي أشارت إلى تصاعد معدلات الهجرة العكسية في أوساط المهنيين الصهاينة خاصة في عامي 2024،2023.

أما صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية فرسمت صورة في أكتوبر 2026 لوضع الأطباء الصهاينة بعد 3 سنوات من المعركة، حيث كشف استطلاع لنقابة الأطباء، استنادا إلى بيانات دائرة الإحصاء المركزية، عن مغادرة 1,369 طبيبا “إسرائيل” بين عامي 2023 و2025، فيما رصد تضرر عدد من المستشفيات من هذه الهجرة، ولا سيما إيخيلوف وبيلينسون.
ويبرز الطب النفسي ضمن التخصصات المتضررة، مع انتقال أطباء شباب إلى نيوزيلندا والولايات المتحدة، ووصف رئيس نقابة الأطباء، البروفيسور تسيون حاغاي، الظاهرة بأنها خطر استراتيجي على الدولة العبرية.
هذه الظاهرة المتنامية في كيان الاحتلال دعت الخبير الاقتصادي الصهيوني والمدير العام السابق في وزارة المالية ياروم عرياف إلى التحذير في مقال له نشرته مجلة “سابير” الامريكية من خطر يتهدد ما أسماه برأس المال البشري الكفء المحدود في دولة الاحتلال.
حيث وصف عرياف الاقتصاد الصهيوني بأنه يقوم على قاطرة تجر عربات قطار، وفي حين تمثل القطاعات الاقتصادية المختلفة عربات القطار، فإن القاطرة في كيان الاحتلال هي قطاعات التكنولوجيا والصناعات المتقدمة والبحث العلمي.
فإذا ما فقدت دولة الاحتلال هذه “القاطرة” نتيجة لهجرة الكفاءات إلى الخارج، فإن بقية “عربات القطار” ستقف ساكنة ولن تتحرك إلى الأمام ويعجّل من فقدان تلك الدولة لقدرتها التنافسية.
وفي اعتراف لافت.. عدّد عرياف الأسباب التي دفعت “عقول” دولة الاحتلال إلى مغادرتها، وأقر بأن من بينها معركة “طوفان الاقصى” معتبرا أن هذه المعركة أدت إلى تفاقم وضع سيِّئ بالفعل وخلقت جوا من عدم الثقة لدى المهنيين بشأن المستقبل وخاصة لدى أسر المستوطنين الذين يخشون تربية صغارهم في ظل انعدام الأمن ودوي صافرات الإنذار.
كما أن خدمة عدد كبير من المهنيين في جيش الاحتلال في صفوف قوات الاحتياط لفترة طويلة أثرت عليهم بشكل كبير وكانت -وفقا للكاتب- “القشة التي قصمت ظهر البعير” و جعلتهم يتخذون قرارا بالمغادرة.
وان كان لكاتب هذه السطور أن يضيف إلى كل ما سبق ذكره، فأقول إنه في حين يهجر “العقل” الصهيوني أرض فلسطين؛ فإن “عقول” أصحاب البلاد وخاصة العقل المقاوم لازال متجذرا في الأرض ومتمسكا بها رابضا في أنفاق القطاع متحفزا لجولة قادمة ضد المحتل.








