مختارات

استدعاء النموذج الياباني بعد هيروشيما خارج سياقه هو ما يفشل مفاوضات منع الحرب

بقلم: حسين عبد الغني، إعلامي وصحفي مصري
نقلًا عن موقع عمان   

حسين عبد الغني

يحاول هذا المقال تفكيك اللحظة الراهنة في حياة الخليج والشرق الأوسط، وبالتحديد ما يبدو منطقا جنونيا أو لا معقولا فيها. وهو كيف أنه مع رؤية الجميع لخطر الحرب الشاملة في الشرق الأوسط التي لن تترك مكان دون أن تحرقه بناره “حرب بدون قيود جغرافية كما قالت طهران” فإن فرص نجاح المفاوضات الإيرانية الأمريكية تقل عن فرص فشلها.

لا ينظر هذا المقال للأسباب المعلنة عن مصادر الخلاف “ترتيب الخطوات فتح المضيق أولا  أم النووي أولا… إلخ”  بجدية كبيرة. فقبل ساعات فقط من الحرب علي إيران أكدت سلطنة عمان الوسيط آنذاك بين واشنطن وطهران أن الإيرانيين تعهدوا بشكل قاطع بعدم امتلاك سلاح نووي نهائيا، وأكدت رئيسة المخابرات الأمريكية السابقة أمام الكونجرس بعدها، أن الإيرانيين ليس لديهم سلاح نووي أصلا.

ينظر المقال  إلي سبب آخر كامن وغير معلن وهو نهج راكمته كل الإمبراطوريات التي أخضعت لنفوذها شعوبا أخرى، وبالتحديد لنهج السيطرة الغربية على العالم؛ خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.

هذا النهج هو ميل الدول العظمي دوليا وإقليميا إلى تكرار تجارب، تمكنت فيها من تحقيق أهدافها كلما نشأت صراعات جديدة مع القوى الأصغر، رغم تغير البيئة السياسية وموازين القوى ورغم الأثر المخيف الذي أحدثه التطور التكنولوجي.

خذ مثلا تكرار الرئيس ترامب عشرات المرات -منذ فبراير الماضي- أن الهدف المطلوب من الحرب أو التفاوض، هو استسلام كامل من إيران. يعبر هذا الهدف الحقيقي في تغيير النظام الإيراني, واستعادة إيران الحليفة كما كانت في عهد الشاه، يعبر عن سيطرة نماذج ثلاثة -منذ الحرب العالمية الثانية- على ذاكرة الرؤساء الأمريكيين ومؤسسات القوة في النظام السياسي الأمريكي يتم استدعاؤها في الصراعات مع الدول الصغيرة مثل فنزويلا والمتوسطة مثل إيران.

النموذجان الأقدم هما: الاستسلام التام الذي وقعت عليه ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحتا بعده جزءا لا يتجزأ من الإمبراطورية الأمريكية. النموذج الأحدث هو العراق بعد غزو 2003، وهو تمكن واشنطن قبل مغادرة قواتها من  إعادة صياغة الدستور والنظام السياسي العراقي، بحيث لا يشكل تهديدا لمصالحها في المستقبل وإعادة صياغة النظام الاقتصادي العراقي بربطه بأمريكا، بحيث تحول موارد نفطه إلى البنك الفيدرالي الأمريكي، وتطلب منه الحكومة في بغداد احتياجاتها للإنفاق العام. حتى في إدارة الحروب نفسها لا ينفك الجنرال  الأمريكي  الشهير بترايوس عن تذكير الإسرائيليين أنهم لو كانوا استمعوا لنصيحته بشأن غزة منذ الأسبوع الأول للحرب، بعد ٧ أكتوبر في إدارتها بنفس الطريقة التي أدارها بها هو لكبح جماح المقاومة العراقية للغزو، وهي محاربة المقاتلين ولكن كسب المجتمع المدني المحلي لما تشوهت صورتها دوليا بهذه البشاعة المستحقة، ولما وقعت في مأزقها الحالي في العجز عن تحويل الإبادة والتفوق العسكري لنصر سياسي له قيمة استراتيجية.

حتي علي المستوي الإقليمي يتم اللجوء لنفس الاستدعاء المؤسسي للتجارب السابقة في الإخضاع. فتنتهج إسرائيل التي تسعي لتكون القوة الإقليمية العظمي في الشرق الأوسط، وتريد تغييره علي مقاس هيمنتها وكيلا عن القوة الإمبراطورية العودة إلى تجاربها منذ 1948، خاصة مع الجيران المباشرين. علي الساحة الفلسطينية سعي نتنياهو في العقدين الأخيرين إلي تكرار نموذج أوسلو في الضفة الغربية في قطاع غزة.

وكما حول النموذج السلطة الفلسطينية إلي حاجز أمني وقائي لإسرائيل، حاول نتنياهو عن طريق السماح بتدفق أموال عربية  والسماح باشتغال عمال من غزة في إسرائيل؛ إلي  تحويل حماس إلي حاجز أمني في غزة ومنع قيام الدولة الفلسطينية، ولكن حماس فاجأته وفاجأت العالم بـ 7 أكتوبر في تحد واضح لنهج تكرار التجارب دون إدراك متغيرات الواقع الجديد، وأنه بدلا من أن يقود لنفوذ جديد، قد يقود لكوارث استراتيجية تدعم التوتر والحروب وعدم الاستقرار. تميل إسرائيل لاستعادة فكرة المناطق المنزوعة السلاح، للجيوش العربية في الدول المجاورة إما باتفاقيات تسوية مثل كامب ديفيد مع مصر أو بالاحتلال والتوسع الغاشم كما هو الحال في جنوب لبنان وجنوب سوريا. يطلق علماء السياسة علي ميل الكيانات ذات النهج التوسعي في أسر نماذج فرض السيطرة  السابقة path depenancy  على صراعاتها الجديدة رغم اختلاف السياقات. وهو نهج لا يقبل بأقل من التبعية الكاملة وإعادة صياغة البلد المستهدف وضبط ساعته الاستراتيجية ودستوره وبنيته الاقتصادية من جديد بحيث لا يخرج عن نطاق المصالح الامريكية في العالم وبالنسبة لدول المنطقة هنا لا يتحدى المصالح الإسرائيلية التي هي مصلحة أمريكية مطلقة للهيمنة علي الشرق الأوسط بثرواته النفطية وممراته الحيوية للتجارة الدولية وموقعه  الجيوسياسي الحاكم في العالم الذي تمكن الهيمنة عليه واشنطن من كبح تدهور قبضتها على عنق العالم وكبح تطلع الصين لمشاركتها مقعد القيادة الدولية أو إزاحتها عنه.

أي حديث عن مفاوضات لوقف إطلاق حرب شعواء، تلتهم إنجاز التنمية والأمن في الخليج والعالم العربي، لابد أن يناقش مع الغرب، أن السياق التاريخي الذي سمحت به التكنولوجيا للدول الأضعف، بمنع القوى الكبرى من فرض إرادتها و فرض استسلام غير مشروط عليها، وأن إيران ليست فنزويلا، حتي علي المستوي الدولي ليس من المرجح أن بكين وموسكو سيقبلان بسقوط النظام الإيراني، الذي يعني ولعقود قادمة أن هذه المنطقة الحيوية أصبحت مغلقة تماما أمامهما، وأنها ستكون حكرا على الأمريكيين والإسرائيليين، وما تسمح به واشنطن من هامش نفوذ لدول مثل تركيا وباكستان.

للتذكير بالتاريخ  فإن الثورة الإسلامية الإيرانية المعادية لأمريكا وإسرائيل، وقعت ويالـمكر التاريخ  في اللحظة التي اعتقدت فيها واشنطن أن الشرق الأوسط قد وقع ثمرة ناضجة في حجرها. بعد خروج مصر من معسكر التحرر الوطني المناوئ للغرب، وانضمامها للحلف الأمريكي.. بدأت أمريكا تتحدث عن تحالف استراتيجي واسع يضم مصر السادات وشاه إيران والمغرب… إلخ مع إسرائيل تحت قيادتها بعد طرد روسيا السوفيتية آنذاك من البحر المتوسط والمشرق العربي.

تريد ذاكرة المؤسسة الغربية إعادة هذه اللحظة كاملة إما باستسلام إيراني في المفاوضات أو بهزيمة عسكرية تعقبها تبعية تامة على غرار عهد الشاه، ولكن يبدو كلا الاحتمالين ضعيف للغاية، لكن من سيدفع الثمن هي دول الخليج التي ستعود مسرحا مفضلا للحرب بين الطرفين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى