رؤى

ملامح المنهج التربوي عند حسن البنا

تبدو بعض محاولات الأكاديميين للخوض فى مناهج التربية لدى الإخوان، لونا من ألوان المخاطرة غير مضمونة النتائج، أو التي لا يصح أخذ نتائجها بقدر كاف من الاطمئنان، فالحركات السرية بشكل عام دائما لديها فقهان، أحدهما شفهي، تتناقله الحركة عبر لقاءات القيادة بالصف فيما يعرف فى أدبيات الإخوان مثلا بلقاءات التوريث، وأحدهما يختلط فيهما الشفهي بالنظري أو عبر لقاءات التربية فيما يسمى بمحاضن التربية لدى الجماعة، التي تبدأ بلقاء الأسرة الأسبوعي ولقاء الكتيبة الشهري، فضلا عن الندوات والمحاضرات وغيرها من الأنشطة المصاحبة، التي لا يجب الانخداع في وزنها النسبي فى عملية تقييم الأفراد.

حسن البنا

بداية، شخص حسن البنا الخلل الذي أصاب الأمة من وجهة نظره بأنه تراجع سلطان الدين على النفوس حكاما ومحكومين، بما فتح الطريق أمام أهواء النفوس والشياطين لتمرح وتحدث هذا الأثر المدمر فى الواقع الاجتماعي والاقتصادي للشعوب، فى ظل غياب الخليفة أو الإطار السياسي الناظم للأمة “الخلافة”، الذي كان يراه محققا للحد الأدنى من مصالح الأمة، لذا جعله هدفا مركزيا يحتاج إلى وسيلة لتحقيقة، تحدث عنها فى مقدمة رسائله “أما الوسيلة التي وعدتك الكلام عليها فهى أركان ثلاثة تدور عليها فكرة الإخوان:

أولها: المنهج الصحيح، وقد وجده الإخوان فى كتاب الله وسنة رسوله، وأحكام الإسلام حين يفهمها المسلمون على وجهها غضة نقية، بعيدة عن الدخائل والمفتريات، فعكفوا على دراسة الإسلام على هذا الأساس دراسة سهلة واسعة مستوعبة.

وثانيها: العاملون المؤمنون، ولهذا أخذ الإخوان أنفسهم بتطبيق ما فهموه من دين الله تطبيقا لاهوادة فيه ولا لين، وهم بحمد الله مؤمنون بفكرتهم، مطمئنون إلى غايتهم، واثقون بتأييد الله إياهم ما داموا له يعملون، وعلى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيرون.

وثالثها: القيادة الحازمة الموثوق بها، وقد وجدها الإخوان المسلمون كذلك، فهم لها مطيعون وتحت لوائها يعملون. ذلك يا أخى مجمل ما أردت أن أتحدث إليك به عن دعوتنا، وهو تعبير له تعبير وأنت يوسف هذه الأحلام”.

بهذه المقدمة البليغة يحاول البنا أن يوهم أعضاء الجماعة أن لديه خطة محكمة لاستعادة مجد المسلمين، تستعيد الخلافة عبر استعادة جيش المؤمنين، الذين سيتم إعدادهم عبر تبني الخلاصات الصحيحة عن هذا الدين، وهو الأمر الذي يجعله حقا حصريا للجماعة، وكثيرا ما تحدث عن نفسه وجماعته باعتبارها هي من تجسد صحيح الدين، وتأتي امتدادا طبيعيا لمسيرة الجماعة المسلمة التي اختار لها سياقا خاصا، أو سلما زمنيا يدخل فيه من يشاء ممن وافق الأفكار التي يؤمن بها ويخرج من يشاء، لذا هو يدعو الإخوان إلى دراسة الإسلام وفق مفهومه عنه والذي يعتبر الإمامة والحكم ركنا من أركانه، على عكس السائد لدى الفقه السني بأكمله، وهو ما يلتقي هنا مع المذهب الشيعي الذي خلقته بالأساس دوافع سياسية متعلقة بالحكم وإمامة أهل البيت، وهو ما يشير أيضا إلى نقاط التقاء كثيرة مع الشيعة لا السنة.

التصور المعرفي عن الدين وعلومه وآدابه وأهدفه لدى الإخوان تصور خاص، صنعته كتابات مختارة فى السيرة والتاريخ والتفسير والفقه والحديث. والأرضية التى ينطلق منها الإخوان فى تحصيل تلك الثقافة سلفية بحتة، كما وصفها راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية، ضمن روافد حركته عندما عد من مكونات التصور لدى النهضة “السلفية الإخوانية الوافدة من المشرق” وهو وصف دقيق، حيث تغذت ثقافة الإخوان كغيرهم على تلك الثقافة السلفية التىي تعد الوهابية مدرسة إصلاحية مع السنوسية وغيرها، وإن ادعى الإخوان التمايز والتفرد كالعادة فى شوفينية لازمتهم.

أما العنصر الثاني ضمن وسائل الإخوان فقد سماه “العاملون المؤمنون”، الذين يخضعون لهذا التصور المعرفي الخاص عن الدين وأدواره وأهدافه، وهو يؤكد فيه على الحرفية والتطبيق الحازم الذي يعكس حدة التصور والتطبيق حين يقول، تطبيقا لا هوادة فيه، وهو هنا يتناقض تناقضا واضحا مع تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم التي يلخصها مضمون الحديث الشريف الذي يقول “إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع”، وبالفعل، كانت نتائج هذا السلوك الإخوانى بعد تسعة عقود من الصخب، أنها لا ظهرا أبقت، وقد كسر ظهرها بالفعل، ولا أرضا قطعت، بمعنى أنها لم تحقق شيئا فى الواقع مما طمحت إليه من أهداف، لكن السياق الذي يتحدث فيه البنا عن هذا العنصر، عنصر العاملين المؤمنين، يشير إلى صيغة عسكرية، تقفز على رابطة المؤمنين الذين يسعى بذمتهم أدناهم، التي يتحدث عنها النبا طويلا دون أن يكون لها مصاديق فى واقع التنظيم، الذي ينقسم إلى جنود يسمعون ويطيعون بعد تلقينهم أيدلوجية التنظيم، وقائد جعله العنصر الثالث وأسماه القيادة الحازمة الموثوق بها، وقد زكى هذه القيادة دون أن يذكر مواصفاتها أو واجباتها، لكنه لم ينسى أن يؤكد أنهم أىي الجنود أو العاملون المؤمنون كما سماهم لها مطيعون وتحت لوائها يعملون.

القيادة لها سلطان عظيم فى نفوس الإخوان، تكمن جذوره فى هذا الخلط الذي أصاب الإسلاميين جميعا بين حقوق النبي على أمته كنبي وحاكم استثنائي ومصلح وداعية الى الله بإذنه، وبين من جاءوا من بعده سواء خلفاء أو دعاة أو حكام لارصيد لهم من نبوة أو خلق فى الغالب فلكل أدواره وحقوقه، لكن اختطاف سلطة النبي على المؤمنين راكم تصورا بعيدا عن مقاصد الدين تكثف تاريخيا للعديد من الأسباب، حتى أضحى حقا مكتسبا للقائد وإن كان سفاحا ضعيف الرأى والتدبير، وهو ما تصدقه محطات التاريخ الإسلامىي الحافلة بالنكبات لو أنصفنا.

تطور منهج التربية الإخواني

 مضت مسيرة المناهج التربوية عند الإخوان بين عدد من المراحل، كان أولها مرحلة المؤسس حسن البنا إذ كان المنظر الوحيد والقائد والمربي الوحيد أيضا، الذي امتلك رؤية متكاملة فى عقله لعملية التربية والتكوين صاغها فى القليل من الكتب والكثير من الرجال، فقد كان دائما ما يكرر فى تأكيد هذا المعنى أنه معني بتأليف الرجال وليس تأليف الكتب، حيث الكتاب قد يبقى على الرف يعلوه التراب دون أن تمتد له يد، بينما الرجل كتاب مفتوح يقرأه الجميع وهى رسالة بالغة الدلالة على غلبة الحركة لدى الإخوان عن التنظير، ولطالما سبقت الحركة التنظير الذى ظل يلهث للتبرير والتسويغ طوال الوقت وراء الإخوان وغيرهم من التنظيمات الحركية الأخرى.

فى حياة البنا كانت لقاءاته مع الصف الإخواني ورسائله والرحلات والكتائب التي يشرف عليها هو أو من يوكله بالإدارة هي أهم ملامح وخطوات التربية، حيث كانت اللقاءات تدور فى الغالب بين شخصية البنا المؤثرة التي تلجأ إلى البيان واستثارة القلوب والمشاعر فى لغة خطابية كان المنولوج فيها هو سيد الموقف، وجموع بشرية تقف فى صمت وخشوع لتسمع للإمام فى خطبة جمعة أو حديث الثلاثاء أو مؤتمر حاشد أو غير ذلك من لقاءات، فكانت الوسيلة المركزية هي الخطابة والتأثير بهذه الطريقة، ومن قصرت به الوسيلة دون الاستماع الدائم له كانت رسائله تطبع وترسل إلى شُعب الإخوان فى كل المحافظات، ليتلقفها الأعضاء فى شغف كما لو كانت وحيا جديدا، خصوصا أنه سلك فى كتابتها سبيلا يتجاوز الكتابة الدينية التقليدية، حيث كان يعمد إلى موضوعه مباشرة وفى لغة أقرب إلى لغة الصحافة، وليس اللغة الفقهية الخشبية التي كانت تنفر الكثيرين فى عرض الموضوعات الدينية، كما أنه حاول أن ينسف تلك السلطة الأدبية التي كانت محفوظة لدعاة الأزهر والأوقاف حين زاحمهم دعاة الجماعة من الأفندية والحرفيين، الذين لقنهم طريقته فى الدعاية والتأثير وهو ابن زمان كانت الدعاية فيه من أهم أدوات نشر الأفكار والتأثير فى القناعات، وقد كان مؤمنا بذلك إلى حد كبير.

حين مات حسن البنا لم يترك تراثا فكريا كثيفا، بل كان كل ما تركه مكتوبا هو رسائله العشرين التى جمعت فى كتاب يسمى “مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا “،  إضافة إلى كتاب مذكرات لم تكتمل هذبها بعض قيادات الإخوان من التنظيم الخاص ليحذفوا منها ما كان يخدش الصورة التي أرادوا بناءها للرجل، وكانت تحت عنوان مذكرات الدعوة والداعية، وهى أيضا تبدو مختزلة ومختصرة بشكل واضح، لا تشفى الغلة عن شخصية الرجل وجذوره وعوالمه النفسية وحقيقة تشكل أفكاره وقناعاته، وقد أضاف البعض لذلك أحاديث الثلاثاء مكتوبة وقد كان تأثيرها على أتباعه كبيرا حين كان شاخصا أمامهم يتحدث بلسانه وجسده بحيوية وتأثير لا يتوفر للكلام المكتوب بالطبع.

لكن أخطر ما تركه حسن البنا لم يكن ما تضمنته تلك الأسفار القليلة، لكن التنظيم الذى أودعه خلاصة خبراته فى العمل السرى وطرق التكوين، التى كان التطور الذي لحق بها مع أجواء الحرية النسبية التي نعم بها مع ولاية حسني مبارك الأولى،  الفضل فى أن تتطور إلى صيغة أقرب إلى صيغة التعليم الحكومي، عندما برز فى القسم التربوي عناصر تنتمى إلى سلك التدريس فى كليات التربية بالجامعات المصرية، حيث شهدنا مع بداية الألفية تبلور تلك المناهج التي تصدرت عبارة هامة فيها أحد الكتب التي كانت مخصصة لتوجيه المربي تقول “لم يعد مصطلح المنهج هو مجموعة الموضوعات أو الكتب أو المعارف التى تختار ليدرسها الدراسون، ولم يعد المطلوب هو استظهار ذلك كله أو اكتساب بعض المهارات بأقل قدر من الفهم، بل أصبحت الحاجة ملحة لتغيير هذه الطرق التقليدية للتدريس والتقديم.

فالمنهج التربوي له عناصره الخمسة المعروفة، وهى الأهداف، والمحتوى، والأنشطة التعليمية التربوية، والمربي وما يستخدمه من استراتييجات تدريسية ووسائل وتقنيات تربوية، وأخيرا التقويم أساليبه ووسائله”.

وهكذا عرف الإخوان طفرة نوعية انتقلت معها الجماعة إلى طور من أطوار المؤسسية، بعد أن اعتمدت طويلا على ما يسمى بمنهج التربية الإبهارية، التي كانت تعطي الوزن الأكبر للمربي، وكان هذا نتاجا طبيعيا لاختفاء الجيل الذي رباه حسن البنا على عينه وزوده بخبراته فى التكوين والتأثير، وظل التقييم التربوي السري لعناصر الجماعة يشير إلى فقر واضح فى طرق التربية والتكوين، وعندما خضعت هذه المسألة للبحث ضمن أروقة خاصة فى التنظيم وتحت تأثير قيادة من القطبيين، كانت تريد بناء أكاديمية تعليمية خاصة بالجماعة اختارت تنميط مناهج التربية، عبر تصميم كتب مناسبة لكل مرحلة من مراحل عضوية التنظيم لا ينتقل معها العضو من مرحلة إلى أخرى إلا إذا استكمل شرائط عضوية مرحلة جديدة، وفق طرق تقويم تربوية يتقلص فيها العنصر الشخصي لحساب المعايير الكمية على حساب الوصفية، وهو ما لم يتحقق أبدا فى تاريخ الجماعة، فقد بقي التقدير الشخصي للمربي ومن يعود إليه من القيادات هو العامل الحاسم فى التقييم، ومن ثم التصعيد داخل التنظيم، وتولي المناصب القيادية.

الوسوم

أحمد بان

كاتب و باحث مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق