فن

«أغنية المقاومة»: من سيد درويش إلى محمد حمام.. أيقونة النضال التي انطفأت

هل انتهت أغنية المقاومة ؟.. هل رحل زمانها وأيامها؟ هل أصبحت مجرد ذكرى وماض جميل يلهب مشاعر الحب والفداء للوطن  والحرية؟.. أسئلة لابد من طرحها ونحن نستعيد ذكرى المطرب الراحل محمد حمام الذى رحل فى السابع والعشرين من فبراير عام 2007 والذى يمثل مع المطرب الملحن عدلى فخرى الحلقة الأخيرة الفريدة في سلسة أصحاب اغاني المقاومة التي بدأها فنان الشعب الشيخ سيد درويش.

أغنية المقاومة كانت دائما بمثابة رصاصة في صدر كل ظالم أو غاشم أو معتدى، تلك الأغنية التي صنعها الوجع والقمع والرغبة في التحرر، وامتزجت بصرخات المطالبة بالحرية والعدل. فعلى مدى صفحات تاريخ مصر والعرب الحديث، صنعت أغنيات المقاومة لها مسارا واضحا في الحياة الفنية، رغم كل أشكال المصادرة والحجب في معظم الأحيان.

محمد حمام.. صوت البندقية

وطوال تاريخها الحديث مثّلت أغنية المقاومة في مصر أحد الأسلحة المؤثرة في كافة معارك الشعب المصري، سواء من أجل الاستقلال خلال فترات الاحتلال، أو مواجهة كل حاكم ظالم، أو التصدى للسياسات التى يرفضها الشعب. وعبّرت الأغنية “المقاومة” دوما عن معاناة الشعب وطموحاته وأحلامه، فخرجت عن إطار ما هو نمطي أو رسمي أو متعارف عليه سواء في الموسيقى أو نوعية الكلمات،  والأهم التحرر من مضامين الغناء ذاته التي تركز دائما على معانى الحب العاطفي بكل تنويعاته، ليستوعب الغناء “المحرّض” أو غناء المقاومة تفاصيل أكثر ثورية وأبعد كثيرا عن مضامين معلبة وتقليدية. ليمتد الحب من الحبيبة إلى الوطن كله، ويمتزج كل منهما بالآخر ولا يمكن للمتلقي في أحيان كثيرة أن يفصل بينهما.

  سيد درويش وبديع خيرى

يعود التاريخ الحديث لأغنية المقاومة في مصر إلى الشيخ سيد درويش “1892-1923″ والذى إليه يعود الفضل الأول في نقل الموسيقى والغناء المصري من مرحلة الأسر العثماني حيث التطريب و”يا ليل يا عين” إلى مرحلة الغناء المرتبط بحياة البشر البسطاء والمقهورين ومن بينهم الفلاحون والحرفيون والصنايعية، إضافة الى دوره العظيم في أحداث ثورة 1919 والتى مهد لها وتفاعل معها بقوة من خلال كلمات الشاعر “يونس القاضي” صاحب نشيد بلادى بلادى الذى أصبح فيما بعد النشيد الوطني لمصر، والذى ألف  العديد  من الأغانى الوطنية . كما تعاون الشيخ سيد درويش مع الشاعر بيرم التونسي، غير أنه شكّل ثنائيا مهما ورائعا مع بديع خيرى الذى كتب لسيد درويش أغانى وطنية خالدة مثل:”قوم يا مصرى” و”أحسن جيوش فى الأمم جيوشنا”  و”أهو ده اللى صار” وغيرها من أغاني المقاومة والوطنية.

أحسن جيوش في الأمم جيوشنا.. كلمات: بيرم التونسي  وألحان: سيد درويش

وقد كان درويش محرّضا مبدعا خلّاقا يعرف كيف يتحايل على القمع والتضييق وهذا ما حدث جليا من خلال أغنية “يا بلح زغلول”  والتي غنتها أيضا نعيمة المصرية للتضامن مع سعد زغلول ورفاقه بعد نفيهم، وبعد أن شددت سلطات الاحتلال الخناق على كل صوت يهتف باسم سعد زغلول ورفاقه. وقد وصلت رسالة سيد درويش الى الشعب المصرى بسرعة وتحولت الأغنية إلى منشور سياسي يتداوله المصريون دونما خوف من عقاب المحتل.

يا بلح زغلول بصوت نعيمة المصرية.. كلمات: بديع خيري، ألحان: سيد درويش

ولم يتوقف دور سيد درويش عند أحداث ثورة 1919 التى يعتبر هو صوتها المخلص ولسان حالها، بل أمتد إلى ما بعد الثورة ليغنى للعمال والفلاحين ويحرض على الحياة الكريمة.

“تلوم علىّ إزاى يا سيدنا وخير بلادنا ماهوش فى إيدنا” هكذا غنى درويش من كلمات بديع خيرى

أهو دا اللي صار .. بصوت علي الحجار

إمام ونجم

ولأن حلقات الغناء”المحرّض” وأصوات المقاومة تتواصل فقد كنا على موعد مع هذا الشيخ الضرير الذى يحفظ القرآن الكريم ويردد التواشيح الدينية، ينتظره شاعر فاجومى يمتلك موهبة استثنائية على التحريض والغناء تحت وابل المطاردات الأمنية والملاحقات ليتكون ثنائي شديد الأهمية والتأثير “الشيخ إمام عيسى وأحمد فؤاد نجم”. هذا الثنائي الذي كان في رأي الكثيرين امتدادا طبيعيا لثنائية “درويش – بديع خيرى”التى ملأت النصف الاول من القرن العشرين، لتظهر ثنائية” إمام –  نجم ” في النصف الثاني من هذا القرن.

Related image

أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام

 وقد تميز الثنائي ” إمام – نجم ” بقدر كبير من الجرأة والمواجهة والحدة في تناول القضايا، ربما لارتباطهما بتيار سياسى كان يمثل داعما فكريا وإعلاميا لهما وهو اليسار المصرى الذى تبنى الثنائى وتعامل معه باعتباره صوت المقاومة ونبض الشعب المصري الذى يحمل خطابا يساريا. ويتجلى ذلك في كلمات أحمد فؤاد نجم التي يطغى عليها حس الطبقات الفقيرة المكدودة بشكل واضح، وأيضا تتسم بوطنية وبشعور قومي واضح. فنجده يغنى لفلسطين ولبنان والجزائر، وينعى موت جيفارا، ويصرخ من وجع نكسة يونيو، ويتباكى بسخرية موجعة على جنودنا بالجبهة، ويصرخ في وجه الانفتاح وأمريكا وزيارة نيكسون وتجار البوتيكات، ويسخر من السادات وبوجه له نقدا لاذعا، ليتحول صوت إمام عيسى وكلمات أحمد فؤاد نجم إلى سوط على ظهر كل نظام وطلقات دائمة وموجعة لا تتوقف أمام الاعتقال والسجن والمطاردة.

شيد قصورك.. كلمات: أحمد فؤاد نجم، ألحان وغناء: الشيخ إمام

ويتلقفه طلاب الجامعات والنقابات العمالية والمهنية وتجمعات المثقفين الوطنيين ويسرى صوت الشيخ إمام، وهو يشدو بأشعار أحمد فؤاد نجم إلى عواصم عربية عديدة ليتحول من مجرد مطرب وملحن إلى أيقونة للنضال والمقاومة في كل مكان.

ورغم رحيل كليهما إلا أنهما يزدادان حضورا يوما بعد يوم، ربما لأن تجربتهما هي الأكثر تميزا في مسار أغنية المقاومة، ولأنها امتلكت مشروعا متكاملا تجاوز مجرد مقاومة نظام حكم بعينه الى مقاومة سلبيات واخفاقات فى عصور وأنظمة حكم مختلفة ومتباينة. لتبقى تجربة “إمام – نجم” التجربة الأبرز حتى الأن رغم وجود تجارب اخرى عديدة في تاريخ الأغنية الوطنية المقاومة، من بينها تجربتا عدلي فخرى ومحمد حمام

الحمد لله خبطنا.. كلمات: أحمد فؤاد نجم، ألحان وغناء: الشيخ إمام

عدلي فخرى ..الثائر النبيل

رحل عدلى فخرى المغنى والملحن “المُحرض بامتياز “عام 1999 وتبددت معظم أعماله، ولم يتم توثيقها كاملة. لقد كان فخرى، الذى انطلقت صرخاته بكلمات زين العابدين فؤاد ورفيق مشواره سمير عبد الباقي، نموذجا للثائر الحالم النبيل شديد الرومانسية. وفى عام 1973 كتب عنه لويس عوض مقالا بالأهرام وصف فيه عدلي فخري بأنه “سيد درويش العصر”.

التحق عدلي فخري بالمعهد العالي للموسيقى العربية حيث درس الموسيقى واعتمد في الاذاعة كملحن ومغني عام 1968، وبدأ العمل في التلحين والغناء بشكل محدود حيث انشغل بعمله كمهندس منذ عام 1964 حتى عام 1977.

وفى  عام 1972 وقبيل اندلاع الغضب الطلابى ومظاهرات “الكعكة الحجرية” للمطالبة بحسم المعركة ضد اسرائيل واستعادة الأرض والكرامة، كان صوت عدلي فخرى يهز أرجاء الجامعة بكلمات الشاعر سمير عبد الباقي.

 بحب صوت الكنايس

 واعشق هديل الآذان

ياقلبي كون الف فارس

 تحرس عشوش اليمام

واصحي يا مصر اصحي

واتذكري واوعي تنسي

 جرحك يا مصر وجرحي

سينا سينا شراع السفينة.”

وقدم عدلي للاذاعة العديد من الاعمال المتميزة، من بينها أوبريت “صندوق الدنيا” من الحانه وأشعار سمير عبد الباقي، وإخراج الراحل سمير حسني ، ليغني:

” يا ملك الزمان جينا لك نشكيلك

رجالك يا ملك الزمان أدي حالنا يا ملك وحالك

يرضيك يا ملك الزمان يا ملك الزمان يرضيك

الخياط يسرق هدومنا مع انها هلاهيل هلاهيل

 والطباخ يسرق طعامنا مع إنه ميه وفريك

والصراف يسرق فلوسنا الملاليم

ولا يعرف الكثيرون عدلي فخرى كما يليق بدوره وعطائه الوطنى رغم شهرة اوبريت ” في حب مصر” الذى قدمه فى أكتوبرعام 1973  من الحانه وغنائه و تأليف سميرعبدالباقي وإخراج سامي صلاح، حيث قدم هذا العرض في قرى ونجوع محافظات مصر المختلفة، وفي معسكرات الجنود وقت الحرب:

” مصر غيطان الرياح

 مصر اصوات التلامذة في الصباح

مصرعابدين والمظاهرات القديمة”

جزء من أوبريت “في حب مصر”

 ونعى عدلي فخرى “الشاعر التشيلي ” بابلو نيرودا” الذي لقى مصرعه بعد الانقلاب على سلفادور الليندي واغتياله  فى أغنية بنفس  الإسم “بابلو نيرودا” تقول كلماتها ” الدم في طبق الرئيس الأمريكاني/ الدم فوق صدر الوزير المعجباني/ الدم في المزيكا وف نوت الأغاني، تكتب شعاراتنا على حطان المدينة/ بابلو نيرودا”.

جزء من أغنية بابلو نيرودا

كما أهتم عدلي فخري بقضايا التحرر الوطني في مصر والعالم العربي والعالم الثالث، ورغم كل هذا الابداع المتميز والمختلف عن السائد إلا أنه ظل مهمشا ربما لأنه اختار طريقا صعبا.

 وفي عام 1975 قدم مسرحية “باحلم يا مصر” تأليف نعمان عاشور، أشعار حمدي عيد، واخراج عبد الغفارعودة عن قصة حياة رفاعة الطهطاوي “بشير التقدم”. لكن يوسف السباعي وزير الثقافة آنذاك بعد ان شاهدها أمر بوقفها بعد 45 يوما فقط من العرض لاعتقاده أن بها اسقاطات سياسية على حكم انور السادات.

وفى عام 1977 سافر إلى اليمن، ومنه إلى لبنان حيث انضم للمقاومة الفلسطينية وعاش سنوات الحرب الأهلية هناك في بيروت الغربية حتى الاجتياح الاسرائيلي للبنان وحصار بيروت عام 1982. وكان صوتا مهما من أصوات المقاومة إلى جانب مارسيل خليفة وأخرين. وغنى للشعراء الفلسطينيين محمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد. كما تغنى بمصر لشعراء مصريين منهم محسن الخياط وزين العابدين فؤاد. وقدم لإذاعة “المرابطون” ملحمة “حكايات بهية” من ألحانه وغنائه ومن تأليف الشاعر محسن الخياط  والتي تروى صفحات من تاريخ مصر.

الجزء الأول من ملحمة حكايات بهية

وفي أثناء حصار بيروت كان عدلي فخري يُنشد يوميا لبث الحماس في قلوب المقاومة الفلسطينية ويمرعلى المتاريس والخنادق الفلسطينية واللبنانية الوطنية حيث يقوم بإحياء حفلاته مع زين العابدين فؤاد للمقاتلين الذين يواجهون الجيش الإسرائيلي والميليشيات اللبنانية. وتعرض عدلي فخري في هذه الفترة لكثير من المخاطر بسبب الانفجارات والقذائف وغير ذلك من مخاطر الحرب والحصار الاسرائيلي لبيروت.

عاد عدلي إلى مصر عام 1982 بعد ترحيل المقاومة الفلسطينية من بيروت، واستأنف نشاطه الفني بعد عودته بمسرحية “منين أجيب ناس” لنجيب سرور، ثم مسرحيات “فلوس فلوس” و”جارنيكا” و”ولاد الإيه”، وأخيرا “مجلس العنطزة” للمخرج عبد الغفار عودة عام 1992. لكن احساسه بالتهميش والظلم أصابه بالمرض والعزلة إلى أن رحل.

محمد حمام.. فنان أرهقته السياسة

 محمد حمام.. هذا الصوت الجنوبي المغرد الذى عانى من حبس صوته فى السجون، وحمل عبئا ثقيلا، ما بين نضاله وانخراطه في صفوف العمل السياسي السرى من جهة، ورغبة عارمة في الغناء والانطلاق من جهة أخرى. ظل محمد حمام يقسم نفسه بين عمل سياسي – تنظيمي – وبين دوره كمغنى وأحد اصوات المقاومة والتحدي. قال له المفكر الراحل الكبير محمود أمين العالم “إن صوتك يمنحني حزنا ينتهي بالتفاؤل”

ولد محمد حمام عام 1935 بالنوبة، ثم سافر مع أسرته طفلا إلى  القاهرة ودرس بها إلى أن دخل كلية الفنون الجميلة، لكنه بعد دخوله الكلية أعتقل في عام 1959 مع العديد من المثقفين المصريين ،والذين كان من بينهم الفنان التشكيلي والصحفي حسن فؤاد ،الذي كان  قد سمعه قبلها يغني الأغاني النوبية بالكلية. وقد قدمه  حسن فؤاد للحياة الفنية بعد خروجهما من المعتقل ،بينما قدمه للجمهور الناقد الراحل رجاء النقاش .

كان لدخوله المعتقل على فترات متباعدة دور فى معاناته الفنية وحين تخرج من الجامعة عام 1968 بدأ مشواره الغنائي في حفل بسينما قصر النيل وغنى وقتها أول أغانيه من كلمات صديقه الشاعر مجدي نجيب وألحان الموسيقار محمد الموجي.

كان صوت محمد حمام أحد أسلحة الشعب المصري في مقاومة الاحباط والهزيمة بعد نكسة يونيو، وبث طاقة تفاؤل بالنصر والتضحية وكانت اغنية “بيوت السويس” التى كتبها عبد الرحمن الأبنودى ولحنها إبراهيم رجب من أقوى وأهم أغاني المقاومة، وكانت دافعا ومحفزا لأهالى مدينة السويس العظيمة لاستلهام كل معاني البطولة على خط النار مع العدو الإسرائيلى وتقول كلماتها:

“يا بيوت السويس… يا بيوت مدينتى

استشهد تحتك…… وتعيشى أنت

هيلا… هيلا… يالاه يا بلديا

شمر دراعتك… الدنيا اهيه

يا بيوت السويس “

يا بيوت السويس بصوت “محمد حمام”

تلك الأغنية التي كانت أيقونة للمقاومة عقب نكسة يونيو، والتى حملها حمام وجاب بها معكسرات الجنود على الجبهة لتتغنى بها مصر من أقصاها الى أقصاها، وهى تقاوم الاحساس بالهزيمة .ورغم أهمية ودور هذه الأغنية الا أن نظام السادات قرر منع أغاني محمد حمام من الإذاعة عقب انتفاضة يناير 1977، والتي كان حمام أحد الداعمين لها.

كان حمام الذى رحل فى فبراير 2007 بعد رحلة قاسية مع المرض يدرك أن التغيير لن يأتي سوى بالنضال عبر كل السبل ومنها الاغنية، لكن منها أيضا العمل السياسي، فخاض معارك سياسية.

هذا الدور المركب الذى كان يشغل حمام طيلة حياته هو ما ساهم ربما في عدم إخلاصه للأغنية بشكل كامل، رغم أنه موهبة نادرة يحمل فى صوته اّهات المقهورين وهموم الفقراء وحنين الشعوب للحرية.

جميلة جميلة “محمد حمام”

ربما يكون حمام اّخر حلقات الفن المقاوم وفقا للنمط المتعارف عليه، حيث توقفت مصر الى حد كبير عن تقديم هذا النموذج الغنائى صاحب المشروع المتمايز والمتكامل. لكن ذلك لم يمنع من ظهور محاولات وأصوات جديدة مثل وجيه عزيز وكرم مراد وأحمد اسماعيل، تنطلق من ذات الانحيازات، لكنها لم تبلور مشروعا ولم تتميز بنفس الملامح، ربما لاختلاف الظروف التاريخية والسياسية التي نشأت بها، وهو ما تعيد انتاج ذات الاعمال التى قدمتها الاجيال السابقة فى معظم الأحيان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: