ثقافة

يحيي حقي.. الفلاح الذي قام بـ«تقليب» تربة الأدب العربي

تتسع ساحات الكتابة للجميع، لكن دائرة الإبداع الحقيقى تضيق كثيرا، فلا تحتضن فى مساحتها الأثيرة إلا من رزقهم الله الموهبة الفطرية التى لا يتسلل إليها زيف ولا تصنع ولا بهتان، فيؤثرون فى الناس تأثيرا لا تحده سنون ولا يقف عند عصور أو آماد.

هنا يأتي الكاتب الكبير “يحيي حقي” الذى أثّر وتوغل بكتابته وأفكاره في نفوسنا، فقد كان سايقا فى حرث أرض الأدب العربي، وتنظيفها من الحشائش الأجنبية والمقتبسات الغربية.. يحيي حقي، وعن حق، هو أول فلاح يقوم بتقليب تربة الأدب  العربية، بعد سنوات من الثبات أو التحجر، كي تري اّشعة الشمس، بعدما قام بتنظيفها من الحشائش الضارة.

ولم يقم بفتح الهويس عليها كي يغرقها بالماء، بل أمدها بالمياه المناسبة لها، فهو يعلم أن اللغة هنا هي الماء الذي تريده، ناقلا عليها أفكاره وما راّه، وهو يحب أن يتكلم في كل شيء، وبين حين وآخر ينبهنا إلى ما نريده وما ينقصنا.

واضع أساس القصة المصرية

يقف يحيى حقى على رأس أضلاع مثلث القصة المصرية، ومن بعده يوسف إدريس ومحمود البدوي، قبل أن ينفتح هذا المثلث بجيل الستينات العظيم: بهاء طاهر وإبراهيم اصلان وابو المعاطي ابو النجا ويحيي الطاهر عبدالله وصبري موسي ومحمد مستجاب واّخرون. فقد وضع يحيي حقي الأساس الحى للقصة المصرية، ومهد وحرث أرضها، وساعد في تنظيفها من الحشرات والأدران واللمحة الغربية، فخرجت الزرعة عربية مصرية مائة في المائة. كتاباته لا تهادن ولا تخفت ولا تتغير بل تظل تسمو وترتفع بك كي تحيلك إلى شخص آخر غير الذي كنته منذ لحظات، وهذه ميزة الفن أو الأدب الحار المتدفق الصريح والواضح.

محمود البدوي                                         يوسف إدريس

هو لا يعلمنا على كلمات جوفاء تمسح القلب ثم ننساها وسط زحام ومتاعب الحياة، ولا هي كتابات مستعربة أو مستوردة أو مستنسخة، بل هي كتابات معبرة عن رجل عاش وقابل واحتك وفهم واستوعب ما يحدث في أرضه المصرية، وبالتالي – وهذا ما أرهقه – كان يحيى حقي يريد التغيير ويريد أن نفهم كما لم نفهم من قبل وأن يكون الأدب كما خلق، هو تغيير تلك العقول التي حوله.

نظرته للغة

كان حقى يعني باللغة ويهتم بها، ويقول: انه لغوي قبل أن يكون قصصيا بارعا، ثم محلل نفسي للشخصيات التى يتناولها، بعدها يصبح مؤرخا اجتماعيا لعادات وحرف، كما أن اللغة عنده ليست “مُعبّرا” فقط بل هي “دين”، فعقيدته اللغوية ساعدت على تطوير فن القصة القصيرة رغم قلة انتاجه فيها، بالإضافة إلى مقالاته المتنوعة في الموسيقي والفنون التشكيلية والعمارة. لذا لم يقتصر مجهوده على تشكيل اللغة العربية، وما يجب أن نضعه على أكتافها من أفكار وطرق تعبير كي تصل أفكارنا للقاريء وللإنسان العربي، بل نجده، يقول: في كتابه عن الفنون التشكيلية، “أننا يجب أن نتعلمها – الفنون التشكيلية – من ألوانها ودرجاتها وخطوطها وقدراتها – وأنه يجب أن توضع لوحات في البيت المصري والعربي، كي يصبح هذا البيت، سواء كان غنيا أو فقيرا، بيتا مكتمل الأركان، به لوحة تستقبل وتبتسم في وجه الضيف، وتدل على حضارة أهل هذا الوطن”.

صورة فنية

كان يحيي حقي، عن حق “مَعْبرا” بين الشرق والغرب، لم ينتقد الشرق من أجل الانتقاد، ولم ينقل عن الغرب من باب الانبهار، بل هو يرى ما ينقصنا، لذا لو نظرنا إلى وجهه سنجد أن عيونه دائما مغلقة، وكأنه لا يري، وهذا ما كان يريده يحيي يحقي… أن نري بقلوبنا أي بداخلنا، أي أن نري ما لا يراه أحد بعيونه المفتوحة، فهذا هو الفن كما كان ينشده، الفن في الأساس فنان وليس فنا من أجل الفن.

ويظل يحيي حقي صاحب الأعمال المأثورة،هو المتصالح مع واقعه بعد معركة نفسية رهيبة، جعلته في لحظة من اللحظات  ينفر من هذا الواقع بل ويكرهه، لكنه فى النهاية تشربه وامتصه وهضمه، وبالتالي أخرجه في صورة فنية جديدة، حقيقية، تكاد تحس معها أنك تلمس بكلماته هذا الواقع وتراه .

عطر الأحباب

يحيى حقى في “عطر الأحباب” يبحث عن الإنسان في أي مكان داخل العمل الأدبي، لا يبحث عن المذهب أو الأسلوب، بل ما يفيد هذا العمل الإنسان، وكيف وصفه، لأن الأساس في النفس البشرية واحد. وخلال أعماله نكتشف عشقه للثقافة الشعبية بكل ما تعنيه وبكل مفرداتها وأشخاصها وأسلوبها، سواء كانت تلك الثقافة في صعيد مصر حيث البشر يعيشون في أكواخ أو عشش أو نجوع  وقري بدائية، أو حارة مزنوقة خلف مقام السيدة زينب وسط القاهرة، أوكانت تحت كوخ تنهمر عليه الثلوج في المانيا.

وإذا كنت باحثا عن التاريخ الاجتماعي لمصر في النصف الأول للقرن العشرين، فيجب أن تتلمس ذلك في كتابات يحيى حقى ومقالاته، فقد كان قادرا على تحليل الشخصيات وظروفها وسلوكها، وبالتالي ما يحدث على أرض مصر من مواقف ساهمت في تشكيل الوعي الاجتماعي لجميع طبقات الشعب،فقد كان يكتب من خلال المعايشة والاحتكاك – ولا يكتب من خلف المكتب أو من خلال الكتب، أو هو مجرد سائح ينبهر ببعض الشخصيات الشعبية أو المهن والحرف، بل هو مثل زهر الطاولة، في كل رمية يأتي لك بهدف، فيصبح محللا أو باحثا مؤرخا أوأديبا أومحاميا أوفيلسوفا أو ناقدا.

في أرض النقد، نتذكر لأديبنا الكبير يحيى حقي كتابه “خطوات في النقد”، حيث لم يمارسه من خلال النظرات النقدية، بل من خلال النقد الاجتماعي، أي الهدف من وراء الكتابة ذاتها، وهذا يتضح بقوة في كتابه “عطر الأحباب” فبعد أن نضع أي نص تحت منظار النقد في جمالياته ولغته وفنياته، يجىء النقد الاجتماعي، أي عن مدي تأثير هذا العمل في الناس.

هموم ثقافية

وتظل تجربته في مجلة “المجلة”، تجربة رائدة فيما يجب تقديمه من قصص وموضوعات، وما قدمه من وجوه إلى الساحة الأدبية في ذلك الوقت، وكيف كان يلتقي بتلك المواهب وينميها ويقلب في أفكارها البكر، وكيف كان يقوم بتوجيهها، من خلال ما يرشدها إليه من أعمال يجب أن تقرأها وفنون يجب أن تتعلمها وتصقلها. فقد عمد يحيي حقي في مقالاته، لنصح وارشاد الكتّاب الجدد، أو من يتلمس بدايته في عالم الأدب، وكان ينبههم إلى أهمية الإلمام بحصيلة لغوية طازجة وثرية، وهنا يقول منبها: “المثلُ الأعلى في ذهنى للكاتب هو الذي يشعرُ أن جميعَ ألفاظ اللغة تُناديه لتظهرَ للوجود على يديه.. لا من قَبيل التَرَف.. بل لأن اتساعَ رُقعته الذهنية والرُوحيّة هى التي تتطلبها جميعَها”.

وقد ظل يحيي حقي مهموما بالواقع الثقافى، ويعد كتابه “هموم ثقافية” مصدرا مهما لمعرفة الجانب الثقافى والتكوين الفكرى لحقى، وهو كتاب يضم مجموعة من المقالات المنشورة في منتصف الستينيات وأوائل السبعينات، وهي مقالات أثار فيها عددا كبيرا من القضايا المهمة المثارة في ذلك الوقت كقضية تعريف الثقافة والمثقف ودور المثقف في المجتمع و دور اللغة كوعاء للفكر، وحلمه بأن يكون الكاتب أو المثقف كـ “كتاب متحرك” يقدم الأفكار ويتحاور مع البشر في كل مشكلاتهم، ولا تصبح كلماته  كـ “حشو للدماغ”، كما كان يحلم بمحو الأمية في مصر، محذرا من خطرها على كل شيء في الحياة المصرية، بادئا بمحو أمية المثقفين. كان يرى أن محو التبعية للغرب في كل طرق حياتنا، يتطلب الاهتمام بتراثنا والبحث عن جذورنا الحقيقية وتقديمها للعالم.

وعندما نطالع كتب ومؤلفات يحيى حقي سنجد أنَّه كتب في كثير من مجالات الأدب والفنون، فقد كتب في الترجمة والقصة والمسرح والموسيقى والسينما وغيرها، وهذا التنوع يعكس ثراءً في الشخصية والأفكار، كما يدل على مخزون ثقافي وإنساني كبير جدًا.

ففي أرض الترجمة، كان ليحيي حقي الكثير من الجولات الهامة، مثل “دكتور كنوك” لجول رومان، و”العصفور الأزرق” لمكوريس ميترلنك و”الأب الضليل” لدايث سوندرز، وهو كتاب عبارة عن سيرة ذاتية للكاتب الفرنسي الشهير ألكسندر دوماس.

ولا ننسي هنا مقدمته لرباعيات “صلاح جاهين” تلك المقدمة التى شرح فيها هذا الفن، وكيف أنه من أهم وأقوي الفنون التي يجب الاهتمام بها، ففيها تصبح الكلمة مثل الطلقة النافذة، تخترق العقل وتستقر في وجدان الشعب، لذا فإن قلائل من كتبوها ومن استقرت كلماتهم في وجدان الشعب العربي.

لقاء بين يحى حقي وصلاح جاهين

ملامح

ما بين عام 1905 وهو عام ميلاده إلى عام 1992 وهو عام رحيله، وما بين “درب الميضة” بالسيدة زينب والتى ولد بجوار مقامها، ومن خلال جذوره التركية، ومن خلال سفره إلى الاسكندرية والصعيد أو سفره خارج مصر، ومن خلال عمله في النيابة، والمحاماه، والسلك الدبلوماسي، كانت الرحلة وتكوين وتشكيل الشخصية وقد كان هذا المشوار بما فيه من اخفاقات وانكسارات معينا وزادا له في كتابته وابداعه.

كان معروفا عنه أنه مؤدب أكثر مما يجب، بل كان شديد الخجل، وأنه يستخدم كلمة (أفندم) التركية، في كل كبيرة وصغيرة، وكثيرون كانوا يتحدثون عن اصوله التركية لكنه يرد على هذا ويقول: “لو عصرتموني في معصرة قصب فلن تجدوا بداخلي نقطة تركية واحدة “وكان يقول أيضا :”لو قسمتم أي زلطة في مصر ستجدون فيها يحيى حقي”

لقد ذاب يحيى حقي في المجتمع المصري الذي وُجد فيه، وصار فكره وانتماؤه وعقله موجها إليه، فهو عندما ينقد فهو ينقد للأصلح، أما صراعه الأزلي  فكان ذلك الصراع الذي أصاب كل من خرج من مصر ليصطدم بالحضارة الغربية وكان هناك صراع آخر خفي هو صراع الإنسان بين مثله وغرائزه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق