منوعات

بعض روادها غيّروا تاريخ مصر.. متاتيا «قهوة» صنعت ثورة

خلف المحكمة المختلطة وأمام بنك الكريدى وفى كتف دكان مدكور وقفت قهوة متاتيا وقفة الرجل الديمقراطى، متهللة الوجه باسمة الفم، تجمع من الناس الغنى والفقير والرفيع والوضيع والمتكبر والوديع، هكذا وصف الأديب المصري الراحل محمد تيمور مقهى متاتيا، ملتقى الثورة والسياسة والتحرر والفكر.

يقول تيمور«1892-1921»، وهو من مؤسسي الأدب القصصي والمسرحي في مصر، وابن أحمد باشا تيمور الأديب المعروف، في رائعته «رمضان في قهوة متاتيا» التي كتبها عام 1918 ووصف فيها أحوال مصر قبيل ثورة 1919 بشهور: «ما أجمل قهوة متاتيا وهى تنظر إلى حديقة الأزبكية نظرة الهازئ تقول لها وهى تبتسم: أنت شاسعة الأرجاء كثيرة الأشجار طويلة الطرق والدروب، وأنا صغيرة وحقيرة، وإن شئت فأنا أيضا غير نظيفة، ولكنى أضم تحت لوائى عددا من الناس لم يطأ أرضك بعد ربعه ولا خمسه، فأنا أكبر منك مكانة وأرفع مقاما».

متاتيا

«رمضان في قهوة متاتيا»

ويستطرد تيمور فى وصف المقهى وأهميته وضيوفه ورواده، أحد الأبواب يقف عليها «إسرائيلى» أمام «خوانه الصغير» – ما يوضع عليه الطعام وأدواته- بعد أن وضع عليه قدرة الفول المدمس يحف بها البصل والخيار والقوطة الحمراء والفجل والكرات».

ويستعرض الكاتب صنوف رواد المقهى من كتّاب وفنانين وموظفين وساسة ومثقفين مطربشين ومعممين، الذين جذبهم هذا المقهى الحرّ، والذى تتبارى فيه الأفكار والاتجاهات.ويرصد تيمور بعض المشاهد من شهر رمضان على المقهى، فيصف أحدهم، وهو «رجل من لابسي الجبّة والقفطان ناعس الجفون جهم المحيا ممسكا بمسبحة طويلة عريضة يقتل بها الوقت، هذا هو منظر الشيخ الصائم الذى ضاق في عينيه منزله، فأتى ليقضى وقته في القهوة بلا أجر ولا ثمن»، بينما يصف رجلا آخر أقل من الصائم عبوسا، يجلس إلى جواره، يظهر أمام الناس بمظهر الصائم حتى إذا جاع دخل إلى القهوة سراً وانزوى فى ركن من أركانها يشرب البيرة ويأكل الفول، ويضيف تيمور: «هذا هو منظر الرجل الصائم جهارا والفاطر سراً.. وهناك الرجل الفقير الضعيف المريض الذى أتى القهوة ليستنشق هواء حديقة الأزبكية ويشرب فنجان قهوة وكوب ماء وكل هذا بقرش تعريفة فقط».

وينقل تيمور مبررات الفقير الفاطر الذي لم يخش الناس وشرب القهوة والماء أمامهم وهو يقول لنفسه: «الله يعلم أنى مفطر فلتعلم أيضا الناس لأنى لم أفعل ما يغضب الله»، مضيفا «إذا كان الله يعرف علّتى فهل أخشى الناس».

ويسترسل تيمور في وصف المقهى، وتتبع حكايات رواده، ونقل صور ومناظر لمشايخ وأفندية جلسوا على المقهى فى نهار رمضان، ليعطي عالما حيّا وحقيقيا عن هذا المقهى التاريخى الذى أزيل من ميدان العتبة ليحل محله جراج متعدد الطوابق، لكن أثره ظل خالدا، راصدا التفاعلات التي كانت تمر بالمجتمع ومكوناته قبل شهور من ثورة 1919.

ملتقى الثورة

في كتابه «ملامح القاهرة في 1000 سنة» يحكي الكاتب والروائي الراحل جمال الغيطاني عن تاريخ المقهى المهم الذي ضم مجلسه روادا، غيّروا تاريخ مصر، فمنهم من قاد الثورة العرابية، ومنهم من تزعم ثورة 1919، وآخرون تمردوا بثورات أخرى على التخلف والتعصب والموروث الاجتماعي والديني وحملوا مشاعل التنوير لإلحاق مصر بعصر الحداثة والتطور.

ويقول الغيطاني: «أما مقهى «متاتيا» فمكانه في ميدان العتبة الخضراء، ويعد أحد أشهر المقاهي في القاهرة مع مقهي الشيشة في شارع الجمهورية، ومقهي التجارة ومقهى الكتبخانة، وفي ركن المقهى مطعم صغير للفول والطعمية كان رواد المقهى يجدون فيه حاجتهم من الطعام».

أما الكاتب والباحث كامل رحومة، فأفرد في كتابه «المقاهي الثقافية في العالم» جزءاً للمقهى الذي تحول إلى ملتقى لرجال الرأي والفكر والسياسة والثورة. يصف رحومة هذا المقهى بأنه مثّل لافتة عريضة عبرت عن الحالة التي زخرت بها القاهرة في نهاية القرن التاسع عشر، «كان أحد المقاهي الشهيرة وقتها يقع في قلبها، صانعا مكانا أليفا يلتقى فيه قادة الرأي والفكر والسياسة». ومن بين هؤلاء القادة كان الشيخ الجليل المفكر الثائر جمال الدين الأفغاني «الذي كان يجلس على المقهى متاتيا، يوزع السعوط بيمناه، والثورة بيسراه»، بحسب وصف الأستاذ أحمد بهاء الدين في كتابه «أيام لها تاريخ».

الأفغاني مُعلّم الثورة

كان الأفغاني قد اتخذ من «متاتيا» مقرا لإلقاء الخطب والدروس العلمية والدينية، إذ كان يجلس في صدر المقهى وتتألف حوله نصف دائرة من مريديه الذين يتسابقون إلى إلقاء أدق المسائل عليه، فيرد عليهم بلسان عربي مبين.

اعتاد الأفغاني أن يقضي الليل في المقهى حتى يبزغ النهار، فيعود إلى داره بعد أن يدفع لصاحب المقهى كل حساب جلساته. وحدث ذات مساء أن وجد الأفغاني نفسه وحيداً في مقهاه فأخذ عصاه في يده وذهب إلى حديقة الأزبكية المجاورة للمقهى، وقد كان من عشاق الحدائق والأشجار فأحب أن يتنزه في هذه الحديقة، وهناك وجد مقهى قد صف كراسيه ومناضده في الحديقة فجلس وجاءت إليه صاحبة المشرب، التي سرها أن يكون من زبائنها هذا الشيخ الوقور، فجلست معه وطلبت له كوباً من البيرة فسكبها على الأرض، وأمسك بيدها وقال: حرام أن تحترق هذه اليد الجميلة في نار جهنم. فما لبثت أن أجهشت الحسناء بالبكاء.

جمال الدين الأفغاني في قهوة متاتيا

شاهد بعض الناس الأفغاني جالساً في هذا المقهى فأبلغوا الشيخ محمد عليش العالم الأزهري المناوئ للأفغاني وجماعته، فهاجم الشيخ عليش الأفغاني واتهمه بالفسق والفجور، حيث كانت الأزبكية يوماً ما من الأماكن التي لا يجلس فيها المشايخ المعممون، فكيف بالشيخ الأكبر جمال الدين الأفغاني؟.

ويلقي رحومة الضوء على إحدى خطب الأفغاني التي كان يلقيها فتلهب حماس الناس فى كل بلد يزوره، كى يثوروا على الاستبداد والفساد والاحتلال، في تلك الخطبة التي القاها في مقهى متاتيا، قال الأفغاني بصوت يهز جدران المقهى: «إنكم معاشر المصريين قد نشأتم فى الاستعباد وربيتم بحجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك الرعاة (الهكسوس)، حتى اليوم وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين وتعنون لوطأة الغزاة الظالمين تسومكم حكوماتكم الحيف والجور، وتنـزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون بل راضون، وتستنزف قوام حياتكم ومواد غذائكم المجموعة بما يتحلب من عروق جباهكم بالمقرعة والسوط، وأنتم ضاحكون».

وأضاف الأفغاني محدثا المصريين في الخطبة «تناوبتكم أيدى الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ثم العرب والأكراد، والمماليك، ثم الفرنسيون والعلويون ،كلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ويهيض عظامكم بأداة عسفه ،وأنتم كالصخرة الملقاة فى الفلاة لا حس لكم ولا صوت، انظروا أهرام مصر وهياكل ممفيس وآثار طيبة ومشاهد سيون وحصون دمياط شاهدة بمنعة أجدادكم، وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرشيد فلاح. عيشوا كباقى الأمم أحرارا.. أو موتوا شهداء مأجورين».

النديم أدباتي القهوة

عندما نزل الشيخ عبد الله النديم مؤذن الثورة العرابية فيما بعد إلى القاهرة، قادما من الأسكندرية، سأل عن قهوة متاتيا ملتقى الأدباء والساسة، ليتعرف فيها على الشيخ الأفغاني الذي سمع عنه وعن أفكاره الثورية، أعجب النديم بالشيخ الذي جلس أمامه في نصف دائرة عشرة أو عشرون من التلاميذ، «هذان المتجاوران، سوريان قد حملا إلى مصر بذور الثقافة الحديثة، وهما أديب إسحق وسليم النقاش، وهذا الرجل المفتول الشوارب هو محمود سامي البارودي الشاعر ورب السيف والقلم الذي لعب لاحقا دورا رئيسيا في الثورة العرابية ثم صار رئيسا للنظار، وهذا الشيخ الشاب القصير هو الشيخ محمد عبده مفتي الديار لاحقا وأحد المجددين، أما الطالب الأزهري طويل القامة، فهو سعد زغلول الذي سيدفع به القدر إلى قيادة ثورة أخرى بعد عشرات السنين غيرت من شكل الحياة السياسية في مصر، وسيصبح أول رئيس ورزاء منتخب ومفوض من الشعب».

أديب إسحق                   سعد زغلول                      محمد عبده          محمود سامي البارودي

توطدت علاقة النديم بمجموعة قهوة متاتيا، وصار من أشهر الأدباتية الذين يجلسون فيها، وتلبسته أفكار الأفغاني الثورية وغيرت من حاله فتحول من أدباتي يناظر شعراء العامية والهجائين إلى لسان حال ثورة عرابي ومؤذنها.

في عام 1879، أشار الأفغاني على النديم بالعودة إلى الإسكندرية ليشارك في تحرير جريدة «مصر» بتوصية منه، وكتب فيها النديم سلسلة من المقالات الحماسية الرافضة للتدخل الأجنبي وسياسات الخديوي إسماعيل، متأثرا بما حمله في صدره من حوارات ونقاشات دارت في مجلس متاتيا.

كانت أحاديث الأفغاني في المقاهي تمس شغاف قلب مريديه الذين كانوا يناقشون أحوال مصر من السياسية إلى الاقتصاد، ففي السياسية كان يروج لـ«الحزب الوطني الحر» وهو أول حزب سري رفع شعار مصر للمصريين وطالب بالديمقراطية السياسية والتحرر من ديكتاتورية الحكم الفردي كما دعا للثورة ضد النفوذ الأجنبي.

وفي الاقتصاد حذر من القروض الأجنبية وما جلبته على العباد والبلاد من خراب ودمار، وما عسى أن تسببه بتوسيع التدخل الأجنبي، فشرع يقرب العوام إليه ويفسح صدره لهم فاتسعت قاعدة مريديه لتشمل مشايخ وأفندية وباشوات بل وأمراء، وهو ما أوغر صدور الكثيرين ضده خاصة سكان السرايا، وبعد أن ضاقت به الصدور اجتمع مجلس النظار برئاسة الخديوي توفيق وصدر قرار بنفيه.

ليلة القبض على زعيم متاتيا

وفي مساء إحدى ليالي رمضان من عام 1296هـ، الموافق أغسطس 1879م، وبعد خروج الأفغاني من قهوة متاتيا في جنح الليل قُبض عليه هو وخادمه، وحجز في «الضبطية» مهاناً معذباً وبعد ذلك اقتادتهما الشرطة تحت الحراسة إلى السويس حيث ركب سفينة خرجت به من مصر إلى الهند حيث منفاه القديم الجديد، فسبق أن نفاه أهل بلده أفغانسان إليها بعد إنقلاب الأمير شير علي خان على شقيقه محمد أعظم خان ملك أفغاستان.

رغم تغييب الأفغاني عن مصر وعن القهوة التي جمعته بتلاميذه ورفاقه، إلا أن شرارة الثورة التي تركها خلفه لم تخمد، وظلت المناقشات والحوارات متوهجة حتى اندلعت ثورة عرابي وتصدرها عدد من رواد «متاتيا»، وبعد تلك الثورة – التي أجهضت بدخول الإنجليز مصر- بما يقرب من 4 عقود خرج المصريون في الشوراع ليهتفوا باسم سعد زغلول زعيم ثورة 1919، خريج مدرسة الأفغاني ومقرها قهوة «متاتيا».

«متاتيا» يخطط ميدان «أوزبك»

أقيمت قهوة متاتيا، أسفل عمارة حملت نفس الاسم، ويعود تاريخها إلى قرار اتخذه الخديوي إسماعيل بإعادة تخطيط منطقة القاهرة الخديوية، وأسند تخطيط المشروع إلى المهندس الفرنسي هوسمان، الذى لم يكمل  المشروع، فخلفه مهندس إيطالي يدعى متاتيا ليستكمل تخطيط ميادين وسط القاهرة فأسس ميدان «أوزبك» الذي كان يضم ميداني الأوبرا والعتبة حاليا.

وضع متاتيا أسس عمارة بميدان «أوزبك»، وكانت تُعد من أشهر عمائر القاهرة القليلة، وأقيم أسفلها فيما بعد المقهى الشهير، ليطل رواده على «حديقة الازبكية» و«ترام العتبة» ومقر «دار الأوبرا» التى أنشأها الخديوي.

ميدان العتبة

ظل المقهى مكانا يلتقي فيه الأدباء والمفكرون والساسة، حتى ستينيات القرن الماضي، حيث تحول إلى محلات تجارية صغيرة، فيما ظلت العمارة التي تطل على الميدان باقية لتذكر الناس بالمقهى الأشهر في تاريخ مصر.

صمدت عمارة متاتيا لسنوات طويلة حتى جاء زلزال 12 أكتوبر 1992 الذي ضرب القاهرة وعددا من المحافظات، فتصدع المبنى، حتى أصدر محافظ القاهرة قرارا عام 1999، بهدم أدوار من العمارة الأثرية، ثم صدر قرار لاحق بهدم ما تبقى منها لصالح مشروع نفق الأزهر.

رواد متاتيا

تناوب على قهوة متاتيا منذ تأسيسها حتى قبل إغلاقها عشرات الساسة والأدباء والمفكرين، فبالإضافة إلى الأفغاني، جلس عليها عبد الله النديم ومحمود سامي البارودي والشيخ محمد عبده وأديب أسحق وسليم نقاش وإبراهيم اللقاني وعبد الرحمن الكواكبي والشيخ عبد العزيز البشري وقاسم أمين وسعد زغلول والشيخ فهيم قنديل صاحب جريدة عكاظ وعبد السلام المويلحي وإبراهيم الهلباوي أول نقيب للمحامين وإبراهيم المازني وعباس العقاد وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وطه حسين والحبيب بورقيبة الرئيس التونسي السابق.

رواد قهوة متاتيا

موقع «أصوات أونلاين» وعبر سلسلة مقالات جديدة قادمة، سيسلط الضوء على سيرة كبار رواد هذا المقهى التاريخي، الذين أسهموا في صناعة الثورة والتغيير السياسي والثقافي والديني والفكري في مصر، من خلال استعراض ونقل حواراتهم ومناقشاتهم، وخططهم ومؤامراتهم، خلافاتهم واختلافاتهم في الفكر والأدب والسياسة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق