منوعات

معضلة المنفعة والأخلاق.. هل الغاية تبرر الوسيلة؟

خلال مسيرة الحياة غالبًا ما يتعرض الإنسان لمواقف صعبة، يتحتم عليه فيها اتخاذ قرارات قد تكون عواقبها وخيمة، ليس فقط بالنسبة له وإنما أيضًا للآخرين. في هذه الموقف يبدو المرء وكأنه اختبار حاسم لأخلاقه ومبادئه، خاصة إذا كانت الخيارات المتاحة أحلاها مر، لتبدأ رحلة من الحيرة يختلط فيها الصواب والخطأ، فيحاول الخروج من الموقف بأقل الخسائر لجميع الأطراف. والسؤال المطروح هنا هل من الأخلاقي استخدام أي وسيلة مهما كانت لتحقيق تلك الغاية حتى لو كانت نبيلة؟ أي هل نرفع الشعار الميكيافللي بأن «الغاية تبرر الوسيلة»  مهما تكن هذه الوسيلة؟، أم أن الوسيلة لها الأهمية الأخلاقية ذاتها التي تكون للغاية؟

معضلة القطار


 في عام 1967 طرحت الفيلسوفة البريطانية «فيليبا فوت» مشكلة فلسفية شهيرة عرفت باسم «معضلة القطار» لاختبار الحس الأخلاقي لدى البشر بشكل أكثر عمقًا. افترضت هذه الفيلسوفة في معضلتها أن هناك قطارا بدون فرامل يسير باتجاه خمسة عمال، وبينما أنت تقف أمام هذا المشهد المرعب تجد أمامك مقبضا يمكنه أن يحوّل اتجاه القطار نحو مسار مختلف يقف عليه عامل واحد فقط، فهل يجب أن تستخدم المقبض لتنقذ الخمسة أرواح مع التضحية بروح واحدة؟!

اختار حوالي 90 في المائة ممن أجابوا على هذا السؤال إنقاذ الخمسة عمال، حيث بدا من البديهي بالنسبة لهم أن إنقاذ خمسة أفضل من واحد، لكن عندما عدّلت الفيلسوفة الأمريكية «جوديث جارفيس توماسون» السيناريو قليلًا لتجعل الشخص المطروح عليه المعضلة هذه المرة يتخيل أنه يشاهد القطار من فوق جسر وبجانبه شخص سمين بما يكفي لإيقاف القطار إن تم دفعه لأسفل، تغيرت ردود الأفعال تمامًا، حيث رفض أغلبهم هذا الخيار حتى وإن كان ذلك سينقذ الأشخاص الخمسة  الآخرين.

الفيلسوفة الأمريكية «جوديث جارفيس توماسون»

الوسيلة ما بين النفعية والأخلاق

هناك مدرستان يمكن من خلالهما تحليل الاستجابات السابقة: الأولى هي النفعية أو المصلحة، وبالنسبة لتلك المدرسة فإن الأمر أشبه بعملية حسابية حيث يجب على الشخص أن يتخذ القرار الذي يحمل نفعًا أكبر وخسائر أقل سواء كان ذلك بتحويل مسار القطار، أو بدفع الرجل السمين من فوق الجسر، فالوسيلة لا تهم طالما ستتحقق الغاية المرجوة في النهاية، فقتل شخص واحد حتى وإن كان لا ذنب له، أفضل من أن يموت خمسة أبرياء.
على الجانب الآخر كان للفيلسوف «كانت» وجهة نظر مختلفة، حيث يرى أنه من غير الأخلاقي التعامل مع البشر تحت أي ظرف من الظروف على أنهم مجرد أدوات يمكن استخدامها، وبالنسبة له يجب على الوسيلة المستخدمة لتحقيق هدف نبيل أن تكون أخلاقية أيضًا. لذا ففي السيناريو الأول تعديل مسار القطار يعد أخلاقيًا لأن نية الفاعل هي إنقاذ العمال الخمسة، دون استخدام العامل على الخط الثاني كوسيلة لتحقيق ذلك بشكل مباشر، أما في المثال الثاني فإن تعمد قتل الرجل السمين مرفوض أخلاقيًا لأنه بشر وليس أداة يمكن رميها لإنقاذ الآخرين.
هذا يعني أن من يتبنون منهج «كانت» يرون أن قتل شخص عن عمد، يختلف عن تركه لمصيره، حتى وإن كان في الحالتين سيموت، لكن الوسيلة تشكل فارقًا جوهريًا، لفهم ذلك بشكل أكثر وضوحًا، فلنفترض بأن هناك طبيبا يقوم بجراحات زرع أعضاء، ولديه خمسة مرضى يحتاج كل منهم عضوا معينا كي يعيش، وبالصدفة يمر شاب لإجراء طبي روتيني، يكتشف من خلاله الطبيب أن أعضاءه ستكون صالحة لحل مشكلة مرضاه، فهل يقتل الشاب الذي لا ذنب له، مقابل إنقاذ الخمسة الآخرين؟

الفيلسوف «كانت»

من ناحية أخرى إذا افترضنا أن هناك طبيبا لديه ستة مرضى وخمس جرعات فقط من دواء نادر ومكلف، أحدهم يحتاج خمس جرعات كي يشفى، في حين يحتاج كل شخص من الباقين جرعة واحدة للشفاء، فهل سيكون من الأخلاقي أن يعطي الطبيب الدواء للخمسة مرضى مضحيًا بالمريض الأخير؟ معظم الناس – على عكس السؤال الأخير- سيجيبون بنعم، رغم أن النتيجة النهائية مطابقة للمثال السابق.
الهدف من تلك المعضلة لا يمكن في حلها، لأنها بلا حلول أكيدة، وإنما في تحويل ما هو عادي إلى غير عادي، فقد بدا الموقف في البداية بسيطا وإن كان مؤلمًا، فأي إنسان سيضطر إلى إنقاذ الخمسة حتى وإن كان هناك من سيتم التضحية به، ثم تعقد الأمر مع الوقت، وفي كل مرة أضيفت فيها تفصيلة صغيرة تغيرت اختياراتنا، فمثلًا إذا أخبرتك الآن أن هذا الإنسان الذي ستضحي به هو ابنك أو شريك حياتك سيتغير موقفك، ولو كان الخمسة أشخاص عجائز في حين كان الشخص الموجود على المسار الآخر شابا في مقتبل العمر ستعيد التفكير مرة أخرى وهكذا، وبالتالي فإن العوامل المحيطة بالموقف ومدى اقترابنا من تفاصيله ونوعية الوسيلة المستخدمة للخروج منه تشكل معًا ما يصل إليه الفرد في كل مرة من قرارات بما يتناسب مع قناعاتنا.
 هذه المعضلة تفسر لنا كيف يمكن لقادة الدول والسياسيين حول العالم التبرير لجرائم تنتهك حقوق أبرياء فقط لأنهم وقعوا في طريق تحقيقهم لمصالح معينة ليس إلا، حيث يتبنى العديد منهم مبدأ الغاية تبرر الوسيلة طالما ستتحقق أهدافهم فليمت من يموت وإن اضطروا لدفع أحدهم من أي مكان فسيدفعوه دون تفكير ولو لثانية واحدة فيه، كما تفتح الباب أمام التساؤل عما إذا كانت هناك روح أعلى قيمة من أخرى، وإذا كان يمكن لعوامل مثل سن أو جنس أو حتى المستوى المادي للشخص الذي ستتم التضحية به، أن تشكل فارقًا وتؤثر على قراراتنا.

لسنا هنا بصدد تقديم إجابات عن تلك الأسئلة، فكل شخص يمكنه أن يصل إلى إجاباته الخاصة، لكن ما يمكن الجزم به هو أن قراراتنا المصيرية ليست بالأمر الهين أبدًا، حيث تدخل فيها عوامل كثيرة تدفعنا إلى التضحية بشىء وإن كنا لا نرغب في التضحية به، مقابل الحفاظ على شىء آخر له الأولوية بالنسبة لنا. وفي معظم الأحوال لا يوجد إجابات صحيحة أو خاطئة بشكل مطلق، لأن الخيارات غالبًا ما تكون متنوعة ولكل منها منطقها، ولكل منا الحرية في اتباع المنطق الذي يراه صائبًا، فإما أن تنجو مبادئنا وأخلاقنا أو يدهسها القطار فوق قضبان المصلحة فنفقد إنسانيتنا.

الرجوع للمصدر

الوسوم
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: