فن

فيلم يتحدى العولمة والاستبداد والفقر في أدغال أفريقيا

إلى أي مدى يمكن أن تثق في ذاتك، وما هو المستحيل بالنسبة لك ،خاصة لو كنت صغير السن وتعيش في بلد على هامش العالم؟، وعندما يكون القرار أو الاختيار لمرة واحدة فقط غير قابلة للتجربة والخطأ؟
عن فتى صغير السن يعيش في قرية في بلد أفريقي على هامش العالم، يقدم لنا
Chiwetel Ejiofor،  في تجربته الأولى كمخرج لفيلم روائي طويل بعد فيلمين قصيرين، فيلما من أعذب أفلام هذا العام، والذي قد يجد طريقه  للترشح للجوائز السينمائية الكبرى  خلال الفترة المقبلة.

قصة حياة المؤلف

الفيلم الذي شارك المخرج  في بطولته في دور «Trywell Kamkwamb»، بالإضافة إلى كتابة السيناريو، مقتبس من قصة حقيقية، كتبها William Kamkwamba، حول طفولته في مالاوي، وهو إنتاج بريطاني بالمشاركة مع شبكة نيتفليكس، بعيدا عن أفلام المغامرات  والأكشن، أو حتى الأفلام الوثائقية، وعرض لأول مرة في مارس الماضي، وقد تعلم Ejiofor من أجله لغة Chichewa، أحدى اللغات الرسمية في مالاوي ليخرج الفيلم ومدته ساعتين تقريبا، بأكبر مصداقية ممكنة.

الفيلم يبدأ بداية هادئة استخدم فيها عدسة واسعة لأراض زراعية لنعرف المهنة الأساسية في تلك القرية وهي الزراعة، مع استخدام مؤثرات صوتية ستستمر معنا طوال الفيلم من الفلكلور الأفريقي، وفي الخلفية عدد من الأفراد يمارسون رقصة  خاصة بطقس «الغولي وامكولو» المنتشر في مالاوي ولنا عودة لذلك الطقس بعد قليل.


ثم يظهر بطل القصة الحقيقي والفيلم بطبيعة الحال.. الطفل ذو ال13 عام William Kamkwamba، وقام بدوره، Maxwell Simba، الذي يساعد عائلته في حصاد الذرة، في بدايات الألفية، ويموت عمه أثناء الحصاد دون تركيز على سبب الوفاة، لكننا نعرف من طقوس الجنازة  أن تلك العائلة تعتنق الديانة المسيحية، وأثناء عملية الدفن تظهر مرة أخرى الجماعة أو الافراد الذين يؤدون طقوس «الغولي وامكولو» وهي طقوس شعبية استطاعت الصمود أمام الأديان القادمة للبلاد، وتهدف إلي طرد الأرواح الشريرة.

ونجد إشارة سريعة لولع الطفل: «ويليام» بإصلاح أجهزة الراديو لأفراد القرية وزيارته الدائمة لمكب النفايات، واستخراج كل ما يتعلق بالكهرباء، إلى هنا يبدو الفيلم مملا وتقليديا، لكن من ضمن ما يلتقطه الفتى مضخة مياه قديمة وغير صالحة للاستخدام.

إشارات سياسية

أسرة ويليام رغم فقرها الشديد تهتم بتعليم أفرادها وهناك رغبة دائمة في الوصول حتى المرحلة الجامعية خارج القرية الصغيرة «ومبي»، لكن تلك الآمال تصطدم بالفقر، فـ «ويليام» الذكي يجد نفسه مضطرا لعدم الذهاب للمدرسة بسبب عدم استطاعة والده المثابر دفع المصروفات المقررة، هنا الإشارة السياسية الأولى إلى عدم وجود دعم من الحكومة المركزية للتعليم في القرى.

 تواجه البلاد حالة من الجفاف والشمس الحارقة ستمتد لسنوات، وتجد القرية نفسها أمام حالة من الجوع، فيقرر الأب ترايويل إقناع زعيم القرية «العمدة» بمطالبة رئيس الدولة خلال زيارته في الانتخابات، بضرورة التحضير لموجة الجوع القادمة وإرسال الحبوب اللازمة للطعام، فيكون الرد هو الضرب المبرح للزعيم من قبل أفراد أمن الرئيس لنجد الإشارة السياسية الثانية.

تمر الشهور ويصل الجفاف إلى القرية بالفعل، وتصبح السرقة هي الوسيلة الوحيدة للحصول على الطعام الذي ربما يكون متوفرا في بعض منازل القرية، مع عدم استطاعة الأب زراعة الأرض مجددا بسبب الجفاف الشديد.
هنا نجد أبرز مشاهد الفيلم، والتي تتطابق مع الحقيقة التي كتبها ويليام في كتابه، وهي إنبهار الطفل بفكرة «الدينامو» الذي يولد الإضاءة، الموجود على دراجة أحد مدرسيه في ذلك الوقت.

المخرج استخدم «Close shot»، في ذلك المشهد واستطاع بالإضافة إلى موهبة الممثل إيصال الشعور بالانبهار من ذلك اللقاء الأول مع فكرة الدينامو، وما أثاره ذلك اللقاء في عقل بطل قصتنا العبقري.
يبدأ وليام رحلة بحثه لمعرفة ماهية الدينامو وكيف يعمل، ورغم أنه ممنوع من دخول المدرسة، يبدأ في التسلل داخل المكتبة وقراءة الكتب الخاصة بالطاقة واستخدامتها لتقع عيناه «كما الواقع» على كتاب خاص باستخدام طاقة الرياح.

تحدى اليأس

في الوقت الذي كانت القرية تعاني من الجفاف الشديد، يستطيع  الطفل بناء نموذج أولى لاستخدام طاقة الرياح وتوليد طاقة تكفي لتشغيل الراديو ترانزستور، لكن الأب يائسا يفرض على ويليام ضرورة نسيان أوهامه حول الرياح ومساعدته في زراعة الأرض على أمل أن يأتي المطر، ويعتبر مشهد الصراع اليائس بين الأب والإبن من أبرز المشاهد أيضا.

في هذه الأثناء يموت زعيم القرية متأثرا بإصابته على يد أفراد أمن رئيس الدولة، لنجد أنه وعائلته يعتنقون الديانة الإسلامية، ولكن مهلا، يظهر مرة أخرى أصحاب طقس «الغولي وامكولو».
في النهاية يستطيع ويليام صناعة نموذج أكبر من طاحونة الهواء واستخدام مضخة المياه التي وجدها في بداية الفيلم، لتطويع الرياح لاستخراج المياه الجوفية وزراعة الأرض مرة أخرى دون الحاجة إلى انتظار المطر.

المخرج والمؤلف لم يغفلا إشارات سياسية أخرى للقصة، فنجد في أحد المشاهد أحد ممثلي الشركة المسئولة مع الحكومة عن إزالة أشجار غابات القرية، وهو هنا يوضح الدور الذي لعبه صندوق النقد الدولى، والبنك الدولي، في إجبار الحكومة على بيع الفائض من الحبوب إلى دول أخرى رغم أن البلاد ستعاني نقصا حادا في تلك الحبوب في الأعوام التالية.

الفيلم تم تصويره في مالاوي، وقد استطاع المخرج باستخدام الكاميرا واللقطات القريبة والكثير من اللقطات العالية والواسعة توضيح الجدب والفقر الذي عانت منه البلاد في تلك الفترة، كما استطاع توضيح مدى الأمل والفرحة التي ولدت في القرية مع اختراع بطلنا الصغير.. ويليام.

التريلر الرسمي للفيلم

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق