ثقافة

الروائية هدى بركات الفائزة بالبوكر العربية: أكتب الآن بحرية أكبر وخوف أقل

انتهيت من إجراء حوار ثقافي مع قناع لصوت «هدى بركات»، الروائية اللبنانية الحائزة على جائزة البوكر العربية فى نسختها الأخيرة، ومن عادتي بعد إنجاز أي حوار أن أعطي لنفسي فرصة ومسافة لكتابة مقدمة. هذه المسافة التي قطعتها لقراءة الحوار كانت كفيلة لاكتشاف أن الصوت الذي تواصلت معه مزيف، فالإجابات كانت مبتورة، ولا تمت لصوت بركات ولا تجربتها بشيء، وأدركت أن في الأمر خدعة. لتتأكد شكوكي من خلال صديقنا الروائي والصحفي ورئيس القسم الثقافي ببوابة الأهرام «أحمد شوقي»، الذي  أرسل لي بيانا تؤكد فيه هدى بركات أنها لا تدلي بحوارات صحفية إلا عبر بريدها  الشخصي، وأن كل الحوارات التي أجريت عبر صفحة الفيس بوك التي تنتحل أسمها، هي حوارات مزيفة، وأنها غير مسئولة عنها.

رجعت إلى البريد الاليكتروني للكاتبة والروائية «هدى بركات» وأرسلت اليها نص الحوار والمحادثة التي أجريتها مع القناع، وطلبت إجراء حوار صحفي ثقافي بنفس الأسئلة، وقد كانت كريمة معنا بقبول  الحوار والرد علينا في وقت قصير، وكان هذا الحوار مع «أصوات أونلاين».

قياس لا يكفى

-المسافة التي قطعتِها من «حجر الضحك» إلى «بريد الليل» كيف ترينها.. أقصد مسافة التغيير والنضج مسافة حرية الاختيار والانفتاح على عوالم وثقافات أخرى؟

– في الحقيقة أنا لا أفكّر كثيرا في المسافة التي قطعتها كتابتي حتى اليوم. ربّما لدوام انشغالي بالرواية، أو النصّ، الذي أكون بصدد كتابته. وربما لإحساسي بأنّي ما زلت بعيدة عن الخلاصات والإنجازات، أي عن تقييم نهايات الرحلة.. لكن للردّ على سؤالك أعتقد بأني أصبحت أكثر جرأة في تقنيات السرد، بغض النظر عن المواضيع المتناولة. بتعبير آخر صرت أكتب بحريّة أكبر وبخوف أقلّ من ردّ فعل القارىء أو الناقد. أحيانا أشعر بأن عليّ أن «أشرح» أكثر، وربّما أن أحمل بعض السهولة إلى تقنيّة ما، لكنّي أقل همّاً الآن.

Image result for ‫هدى بركات‬‎

وبالنسبة لـ «العوالم والثقافات الأخرى» أعتقد أنّه ليس لنا خيار في التعرّف عليها بعمق. أي أن قياس ما نكتب على الثقافة العربيّة فقط ونتاجاتها لا يكفي مطلقا. العالم ليس سوى أوعية متصلة والعرب جزء من هذا العالم… فقد سمعت بعض الآراء تقول إن «بريد الليل» أقرب إلى النوفيلا. أو هي نوفيلا. هناك روائي فرنسي، نال شهرة مؤخرا، نقديا وشعبيا، اسمه إدوار لوي، كتب روايتين قصيرتين، الثانية بعنوان «من قتل أبي؟» ولا تتجاوز 80 صفحة، لم يسمّها أحد نوفيلا.. فالتعبير غير موجود بالنسبةللفرنسيين.. ولكنه بدأ عند الأميركيين حين قامت بعض دور النشر بإصدار أجزاء من روايات طويلة ل سرفانتس وتشيخوف وكونراد، مثلا، لجذب فئة من القرّاء.

  •  هل ترين أن صوت المرأة المختلف تحقق في كتاباتك أم أنك تكتبين بصوت المرأة ولغة الرجل؟

– لا أميّز كثيرا في الحقيقة، الجودة هي المقياس. أعتقد أن جنس الكاتب مسألة مصطنعة، إلا إن كان يريد أن يقدّم نفسه  أوأن  تقدم نفسها في هذه الفئة أو تلك اصطفافا للدفاع عن قضيّة ما، وهذا شرعي طبعا. لكن المسألة أكثر تعقيدا، ولا تتبع ترسيما مسبقا. في روايتي الأولى قدّمت نفسي في آخر صفحة كامرأة تكتب إذ كان لذلك مؤدّى في الرواية- وفي الثانية استعمل الراوي الذكر أدوات تحسّس ورموز مقارنات هي من جسد النساء.

  • كتبت القصة والرواية والمسرحية.. ما الذي يحرض الكاتب على الانتقال من جنس أدبي إلى آخر، وهل ثمة رابط يجعل الكاتب يخلص لجنس واحد في الكتابة؟

– لا أدري. ربما هي الرغبة. أو الاستعداد النفسي أو المزاج، أو تنوّع الغواية.

علاقتي باللغة العربية

  • الاشتغال على استعادة تاريخ لبنان يبدو سمة أساسية في أغلب أعمالك، وأنت المقيمة بباريس وتمتلكين لغتها، ورغم ذلك تكتبين بالعربية، ما الذي يدفعك إلى ذلك، هل هو سؤال الهوية؟

 – ربما يكون ابتعادي عن بلادي أحد أهمّ أسباب تعلّقي باللغة العربيّة. ثمّ دعنا نكون أكثر بساطة لأنّها لغتي، ولغة المكان الذي أكتب عنه، ولغة الشخصيات. لا يكفي أن تتقن لغة أخرى حتى تكتب بها. العلاقة مع اللغة العربية ثمينة جدا. إنها  علاقة جسدية. وهي لغة عظيمة رغم «ضعفها في السوق». ثمّ أنا أكتب بالفرنسيّة، محاضرات أو دراسات أو مقالات، أو مشاركات في بعض المهرجانات لكن لغة الكتابة السرديّة عندي ستبقى العربية، أكيد.

  • ما الرابط بين العزلة القلقة والمربكة التي تشغل أبطال أعمالك ويعيشونها وبين عزلتك الشخصية التي تفضلينها ؟

– طبعا هناك رابط عميق. أنا «أنصت» لشخصيّات أستطيع أن أتحاور معها. أن أعطيها صوتي. العزلة بالنسبة لي هي من طبيعتي، وهي تعني لي الحريّة. وهي ليست دائما كذلك بالنسبة لشخصياتي التي أُرغمت وعُزلت من دون قدرتها على كسر العزلة المفروضة.عزلة شخصياتي هي أقرب إلى التهميش، إلى النفي في مناطق الاضطهاد الاجتماعي، أو بالأحرى اضطهاد الجماعة، وقسوة الأقوياء.

  • ترفضين انتماء «بريد الليل» إلى ما يسمى بأدب الرسائل وأدب الاعتراف، فهل هذا يعني بأنها كتابة خارج التصنيف؟

– أنا لا «أرفض» شيئا. لكن لأدب الرسائل تاريخا، وله أنماط معتمدة ومرجعيات لا يعتمدها كتابي «بريد الليل». والرواية كذلك ليست أدب اعتراف لأن كاتبي الرسائل لا «يعترفون» بحقائق عن حيواتهم، وهم يكذبون، وعلى أنفسهم أيضا، بقصدية واضحة، إذ هم متورّطون في أمراض مجتمعاتهم وليسوا أبرياء أو ملائكة.

 Related image

ترجمة الروايات ليست مقياسا لنجاحها

  • لطالما كان الأدب تعبيرا عن صوت المجتمع، هل يمكن الحديث الآن عن أدب عربي خلال فترة الربيع العربي وهل ثمة أدب نابع من روح تلك المرحلة؟

 – ابتعادي عن المنطقة العربيّة يجعلني غير قادرة على إطلاق الأحكام، فأنا لا أتوفّر على كتب بالقدر الكافي. لكنى أشعر أن هناك كتابات تعبّر عن قلق جديد، وجوديا وأدبيّا. لا بدّ أن هذا الربيع قد أثّر عميقا. لكن الوقت ضروري للتفكّر والتعبير.

  • هل ثمة غياب للإبداع العربي ناتج عن السلطة الثقافية للغرب أم أنه ناتج عن عدم سفر الرواية العربية عبر فقدانها للترجمة إلى لغات أخرى؟

– الرواية العربية أصبحت في الصفوف الأولى، برأيي. وهي تترجم مؤخّرا بشكل معقول، لكن الترجمات ليست هي المقياس، فأنا لم أجد ترجمات إلى الإنجليزية لروايات أحبّها وأقدّرها وأردت تعليمها لطلابي في جامعة دارتموث الأميركية. الكتّاب العرب يعطون حاليا أهميّة هائلة لترجمة كتبهم كمقياس لنجاحهم، هذا زائف ومضرّ. الترجمات هي التي يجب أن تأتي إلينا لا العكس. من يعيش في الغرب يفهم عمّا أتحدّث. أنت ككاتب قد تعطي سلطة للغرب، بعض المترجمين عن العربيّة يتصرّفون كالسلاطين. شيء مخجل ويقلّل من قيمة الجميع.

  • ماهي الهموم الجمالية والفكرية الأبرز. التي تنشغل بها الروائية «هدى بركات» في حضور التحولات الحاصلة في المنطقة؟

– ربما وببساطة ما يشغلنا جميعا. القهر والظلم والتخلف والفقر.. والشرط البشري في هذه الأزمنة المخيفة والضائعة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق