رؤى

قرش «شيدمي».. ومذبحة كفر قاسم: هل باع الفلسطينيون أرضهم للصهاينة؟

حكمت المحكمة على العقيد «يسفار شيدمي»، الضابط بجيش الدفاع الاسرائيلي، بالتوبيخ.. مع دفع غرامة مالية قدرها قرش إسرائيلي واحد.. والقرش الإسرائيلي يساوي مليما مصريا في ذلك الحين.. وذلك الحين كان عام 1959. أما أحداث الجريمة التي تم الحكم فيها، فقد جرت وقائعها في يوم التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1956، نفس اليوم الذي بدأ فيه العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي، على مصر. والتهمة التي استحق عليها العقيد «يسفار شيدمي» ذلك الحكم، لم تكن سوى تلك الجريمة التي أصبحت تعرف فيما بعد «بمذبحة كفر قاسم».

شهداء مذبحة كفر قاسم

سقط في هذه المذبحة ثمانية وأربعون شهيدا من الفلسطينيين العزل.. بينهم سبعة من الأطفال، أصغرهم كان عمره ثماني سنوات.. وتسع من النساء الشابات والمسنات، كانت أكبرهن تبلغ من العمر ستة وستين عاما.

«قرش شيدمي»

أدى الضغط الإعلامي والجماهيري والمطالبات بمعاقبة المسئولين الحقيقيين عن المجزرة إلى تقديم «شيدمي» لمحاكمة عسكرية، وعقدت هذه المحاكمة في 24 ديسمبر 1958، أي بعد مرور سنتين على المجزرة، وأنهت عملها بعد شهرين، وكانت عقوبته، كما ذكرنا آنفا، التوبيخ ودفع غرامة مقدارها قرش إسرائيلي واحد بسبب زيادة عدد ساعات منع التجوال خارج نطاق صلاحيته، عقوبة أصبحت تعرف بـ «قرش شيدمي»، للدلالة على المحاكمة الصورية.

وفيما بعد ترقى «شيدمي» إلى أن أصبح مساعدا لقائد منطقة الشمال العسكرية، وحصل على رتبة جنرال في جيش الاحتياط الإسرائيلي، وبعد أن ترك الجيش أصبح أحد النشطاء السياسيين في «حزب العمل الإسرائيلي»، لكنه ترك الحزب فيما بعد وشارك في تأسيس «حزب داش» عام 1977، وتوفي «شيدمي» عن عمر يناهز 96 عاما، ودفن في كيبوتز «سدوت يام»، حيث كان أحد مؤسسي هذا الكيبوتز.

وبعد وفاته، كشفت صحيفة «هآرتس» عن شهادته التي تركزت على الادعاء بأن المحاكمة التي عقدت بعد انتهاء المجزرة كانت «محاكمة صورية»، وتهدف إلى تبرئة مؤسسة الجيش ورئيس الوزراء آنذاك «ديفيد بن جوريون» من المسئولية، وكذلك رئيس الأركان «موشيه ديان»، ورئيس القيادة المركزية ورئيس هيئة الأركان لاحقا «تسفي تسور».

شيدمي

 وجاء في شهادة «شيدمي»، الذي كان قائد أحد الألوية المسئولة عن الحدود مع الأردن، والتي شملت المنطقة من بير السكة حتى كفر قاسم: «في يوم التاسع والعشرين من اكتوبر 1956، أبلغني قائد المنطقة الوسطى الجنرال «تسفي تسور»، إن سياسة الأركان العامة تجاه السكان العرب في المنطقة تهدف إلى الحفاظ على الهدوء في منطقة الحدود مع الأردن، إذ أن الهجوم سيتركز في الجبهة الجنوبية ضد مصر (العدوان الثلاثي على مصر)».

 جاء في شهادة الرائد «شيمونيل ملينكي»، قائد وحدة حرس الحدود بالمنطقة المذكورة: «في الساعة الواحدة من بعد الظهر استدعاني العقيد «يسفار شيدمي»، وأبلغني بالمهمات الموكلة إلي وحدتي، والتعليمات المتعلقة بطريقة تنفيذها.. أخبرني ان تنفيذ حظر التجوال سيتم، منذ اليوم وحتى إشعار آخر، بداية من الساعة الخامسة بعد الظهر.. ولما أخبرته بان الأوامر اليومية المعتادة تقضي بفرض حظر التجوال من الساعة العاشرة ليلا وحتى السادسة صباحا، أجابني بأن الأوامر تغيرت، وشدد على أن أنفذ هذه الأوامر الجديدة بصورة حازمة لا تهاون فيها، وأضاف بشكل واضح لا لبس فيه قائلا: «لا تنس ما ذكرته لك منذ قليل.. لا نريد معتقلين، فليس لدينا الوقت الكافي لنبدده على حراستهم، ولا الطعام الكافي لسد رمقهم»… وعندما ذكرته بأن العمال الذين يعملون بالحقول خارج نطاق قراهم يعودون بعد الغروب، فماذا نحن فاعلون معهم.. صرخ في وجهي: «ملينكي !! لا أريد عواطف.. الله يرحمهم».

   في حين أكد الرائد «أبراهام تامير»، ضابط العمليات بالقيادة الوسطى في شهادته  أمام المحكمة عن تلك المجزرة ،أن «المخطط وضع بتوجيه من رئيس الاركان «موشيه ديان» وقد اشتركت في وضع المخطط التفصيلي.. وهنا نتوقف لنتساءل: عن أي مخطط يتحدث «تامير»؟؟

مخطط «خلد»

تجلي شهادة «يهودا فرينكينتل»، قائد السرية الثانية في كتيبة «ملينكي»، أمام المحكمة الغموض بصورة كاملة.. يقول «يهودا» في شهادته: كان يوجد مخطط مسبق يحمل اسم «مخطط خلد»، وقد صدرت لنا الأوامر قبل خمسة أيام من بدء عملية كفر قاسم، وطلب منا تنفيذ المخطط بشكل مفصل.. وكانت الأوامر على مستوى الكتيبة والسرية وضباط الوحدات الأساسية»..

فالمذبحة كانت جزءاً من مخطط أعم وأشمل من مجرد أوامر صدرت عن ذلك الضابط أو ذاك القائد.. فمخطط الخلد، والذي عرف أيضا باسم العملية «س59»، وُضع بمعرفة رئاسة الأركان ووزارة الدفاع.. الجنرال «موشى ديان»، رئيس الأركان.. و«ديفيد بن جوريون»، رئيس الحكومة ووزير الدفاع وقتئذ.   

ثم يستكمل «يسفار شيدمي» شهادته: لقد أصدرت أوامري حسب «مخطط خلد»، فالمخطط كان يمثل الإطار العام لتصرف حرس الحدود في المنطقة تحت قيادتي.

وفي محاولة لتبرئة ساحة «شيدمي»، قال «موشى ديان» رئيس الأركان العامة وقتها في شهادته أمام لجنة التحقيق،: أجل كان هناك مخطط بهذا الإسم.. ومن هنا أرى تصرف العقيد «شيدمي» لا غبار عليه بالتأكيد. ثم تأتي شهادة العقيد «حاييم هرتسوج»، الذي أصبح رئيس الدولة لاحقا: إن فرض منع التجوال كان صحيحا على ضوء «مخطط س 59»، وان أوامر «شيدمي» في هذا الصدد كانت معقولة.

 يبدو الآن جليا، أن الهدف الكامن وراء هذه المذبحة، وكل المذابح التي سبقتها بداية من عام 1937، مرورا بعام النكبة (1948)، الذي شهد أكبر عدد من تلك المجازر، وصولا إلى يومنا الحالي، لم يكن سوى تفريغ المدن والقرى الفلسطينية من أهلها لتوطين الصهاينة القادمين من الخارج.

أكاذيب صهيون

تقوم الدعاية الصهيونية على أن الفلسطينيين هم من باعوا أراضيهم، لكن الحقيقة الموثقة تؤكد أن الفلسطينيين هُجّروا بسبب المذابح والمجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية.. ويؤكد العديد من المؤرخين العسكريين أن عمليات التهجير القسري للفلسطينيين تمت بشكل مبرمج ومخطط بهدف «تطهير فلسطين من سكانها العرب» فهل هناك  فجور وظلم وخلط للحقائق أكثر من ذلك؟      

ففي عام 1947، كان يسكن في المناطق التابعة للدولة اليهودية ـ حسب قرار التقسيم ـ ما يزيد عن 243 ألف عربي، يقيمون في 219 قرية، وأربع مدن هي حيفا وطبريا وصفد وبيسان.. وخلال أقل من ثمانية أشهر، تم تهجير ما يزيد عن 239 ألف عربي..

أي أن 98% من السكان الأصليين تم تهجيرهم.. كما أخليت ودمرت 180 قرية عربية تماما، بنسبة تزيد عن 82% من القرى الأصلية.. علاوة على التهجير الكامل لسكان ثلاث من المدن الأربع، هي صفد وطبريا وبيسان، ينما بقي في حيفا 1950 فلسطينيا فقط…

وبالمقابل قامت العصابات العسكرية الصهيونية بتهجير ما يقرب من 122 ألف عربي من المناطق التابعة للدولة الفلسطينية، بعد قرار التقسيم عام 1947، وأخلت ودمرت 70 قرية بالكامل، وتم تهجير سكان يافا وعكا بشكل كلي تقريبا، كما تم تهجير جزء كبير جدا من سكان مدينتي اللد والرملة.    

لقد طرد الصهاينة بقوة السلاح أهالي 530 مدينة وقرية سنة 1948 وحدها.. واستولوا على أراضيهم التي تمثل مساحتها ما يعادل 92% من مساحة إسرائيل.

و كشفت الملفات الإسرائيلية التي فتحت أخيرا أن 89% من القرى هُجّرت بسبب أعمال عسكرية.. و10% بسبب الحرب النفسية، حسب نظرية التخويف وإثارة الرعب.. وأن 1% فقط نزحوا عن أراضيهم بسبب بيعها للصهاينة طوعا.

مذبحة كفر قاسم ليست إلا مجرد نموذج لما قامت به العصابات الصهيونية لتهجير الفلسطينيين عن بلدانهم وقراهم قسرا.. وللحديث بقية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق