فن

ابنة شقيقها باحت لنا ببعض أسرارها.. دموع شادية التى رأيتها مرة واحدة

لا أعرف تحديداً كم عدد الكتب التي قدمت سيرة الفنانة الكبيرة الراحلة شادية، ولكن يمكن لي أن أذكر ثلاثة كتب تحت يدي، منها كتاب إيريس نظمي «مذكرات شادية»، وكتاب ماهر زهدي «شادية.. قمر لا يغيب»، إلى جانب كتاب سامي كمال الدين، والذي جاء تحت عنوان «سيرة شادية.. معبودة  الجماهير»، وقدمت له الكاتبة سناء البيسي. وليس غريبًا أن تصدر كتب في سيرة «أيقونة السينما المصرية»، والتي وصفتها «البيسي»، بصاحبة حنجرة الدلال والنضوج والشجن.

 حاولت  مراراً–كما حاول غيرى-  أن أجرى حواراً صحفياً مع شادية، وفشلت فيه بالطبع، لرفضها تماما كسر عزلتها الاختيارية، لكنى فى  رحلة افتتانى بهذه الفنانة الكبيرة الفريدة استطعت أن أتواصل مع ابنة أخيها الفنانة التشكيلية ناهد شاكر، والتي تشبه شادية كثيرًا في طيبتها  ووداعتها التى تقابلها أحيانا انفعالات وثورات عنيفة، ناهد تعيش بين الفن والسياسة، تعشق الحديث عن عمتها شادية كثيرا

 

الفنانة التشكيلية «ناهد شاكر» ابنة شقيق الفنانة الراحلة شادية

حين غضبت شادية

تقول «ناهد»، إن الحياة في بيت شادية لها لون وطعم ورائحة.. رائحة البامية التي تدهشني.. شادية كانت عبقرية في طبخها، وأعتقد أني أتحدى أي شيف في العالم، أن يقف أمام عبقرية شادية في طبخها للبامية، غير ذلك شادية تجبرك في حب واهتمام علي الإنصات إلى حديثها، فهي سلسة وحديثها لا يخلو من التاريخ والمقارنات الذكية، بين الماضي والحاضر، وهى  معجونة بحب مصر، وفي أحداث ثورة 25 يناير، خرجت عن صمتها الطويل للإعلام، وتحدثت في رسالة موجهة لكل شباب ميادين الحرية بالدعوات والحب، رسالة شادية كانت بمثابة المشاركة، فكل شيء في حياتها هو مصر، فهي أولى أولوياتها وآخرها، كنا ومازلنا نتعلم حب مصر من خلال شادية.

أمومة

لكن كيف كانت تعيش شادية يومها، خلال العزلة الأخيرة التي فرضتها على نفسها قبل الرحيل؟، تجيب ناهد: بأن يوم شادية كان يتوزع  مابين قراءة القرآءن والصلاة، ومن كثرة قراءتها  للقرآن الكريم حفظته، ومن كثرة مداومتها على الصلاة، خصصت مكاناً داخل غرفتها، ممنوع اقتراب الأطفال منه، غير أنها كانت اجتماعية إلى أبعد الحدود، تشاركنا حياتنا اليومية بفيض من الحب، فمثلا: عندما تزوجت جاء زوجي إلى شادية ليطلب يدي، وكان يشاركهما أخي خالد شاكر الجلسة، وأخذت رأيي ووافقت، لم تكن لها أي طلبات، ولم تطلب منه أي شيء، وعندما قررت الانفصال، لم تتدخل، وقالت لي: «اللي انت شايفاه صح اعمليه» هذه حياتك.

وعن لحظات غضب شادية وفرحها، تتذكر «ناهد»: تلك الليلة التي تأخرت فيها عن البيت بسبب المحاضرات أيام الجامعة، وكانت ليلة قاسية جدًا، تقول ناهد: لأول مرة أجد شادية بتلك الحدة والعصبية، حادة وقاطعة وباترة، صحيح أنني بكيت وشرحت لها سبب تأخري عن البيت، وتفهمت وقتها سبب عصبيتها، ووجدتها أنها ناتجة عن خوف ومحبة والتزام.

وعن حلم الأمومة، وكيف كانت ناهد تراه في عينى عمتها تقول: «شادية تشبعت بالأمومة، فكلنا أبناؤها، وكذلك أبناؤنا بالنسبة لها كانوا أبناء وأحفادا فى آن واحد، فكل عواطف ومشاعر الأمومة تخرج لنا وتجدها معنا، فأنا تربيت في بيت شادية، ومن الغريب أنه قبل ولادتي، طلب أبى من أمي أن تقوم بعملية إجهاض، إلا أن شادية رفضت، وأصرت على أن يسير الحمل طبيعيا، وتكفلت هي برعايتي وتربيتي حتي دخولي الجامعة، ولكن خالد شاكر كان هو الأقرب إلى قلب وعقل شادية، فقد كان الإبن الأول لأبي، وأقرب الأبناء إلي شادية، أحاطته بكل الرعاية والحب».

 وعن دموع شادية، تقول «ناهد»: مرة واحدة كنت أجلس إلى جوارها، وكانت هناك أغنية لوديع الصافي «دار يا دار»، وعلى إثرها تذكرَت أبي، فانهمرت دموعها، وكانت هي المرة الأولى والأخيرة التي أرى فيها دموعها رحمها الله.

وتلتقط خيط الحوار مريم إبنة ناهد أو روم، كما كانت تحب أن تناديها شادية تقول مريم: «ماما شادية كانت فيها حنية الدنيا كلها، ودايمًا كانت بتضحك وتلعب معانا وتشاركنا أغانينا وضحكنا».

سيرة حياة

هي «فاطمة كمال شاكر»، ولدت بحي الحلمية في الثامن من فبراير عام 1931، وبسبب ظروف عمل والدها، انتقلت مع أسرتها إلى أنشاص بمحافظة الشرقية.

لم يستقر الأمر كثيرًا للأسرة بأنشاص، وسرعان ما عادوا إلى القاهرة، واستقروا بحي شبرا، ليكون شارع طوسون هو الفضاء الذي  احتضن عيون وطفولة شادية، وفيه كانت أوّل قصَّة حُبّ عاشتها مع ابن الجيران، كما كان شارع طوسون أوّل مكان يشهد على دفء ودلع صوت فاطمة، لها شهد المطرب التركي الشهير منير نور الدين بعذوبة وجمال الصوت، ونصح صديقه المهندس كمال شاكر بتعليمها أصول الموسيقي، وبالفعل أخذ كمال شاكر بنصيحة منير نور الدين وجاء لابنته فاطمة بمدرس الموسيقي الأستاذ محمد ناصر، لتبدأ فاطمة رحلتها وخطواتها الأولى مع الغناء والتمثيل.

المطرب التركي منير نور الدين

اكتشاف

كانت لدى «كمال شاكر» في الوسط الفني، علاقات عميقة وإنسانية إلى أبعد الحدود، وكانت هذه العلاقات والصداقات هي السر في اكتشاف فاطمة، وتقديمها إلى عالم السينما والغناء، وكانت الصدفة هي الأكثر اقترانا باكتشاف شادية، فقد كان المخرج أحمد بدرخان صديقًا لكمال شاكر، وفي إحدى زياراته له فوجئ بصوت فاطمة وهي تغني لـ ليلى مراد «بتبص لي كده ليه» فسارع أحمد بدرخان وطلب من صديقه توقيع عقد عمل فني تتقاضى بموجبه «فاطمة» 200 جنيه، مقسمة علي عشرة أشهر، وكان هذا العقد بمثابة شهادة اعتراف بفاطمة كممثلة ومطربة، ولم تمثل فاطمة بعد ذلك مع أحمد بدرخان، فقد كانت تذهب إلى شركة الإنتاج، ليدربها فريد غصن على دراسة «الصولفيج»، وهناك التقت بـ حسين كامل المهندس الذي اتفق معها على تمثيل فيلمين هما «دموع التماسيح» و«أزهار وأشواك»، الأوّل توقف العمل فيه، بينما ظهرت فاطمة في الثاني بمشهد واحد إلى جانب الممثلتين هند رستم وسناء سميح المهش.

والغريب والمثير في الأمر، أنَّ أوّل كلمة قالتها شادية هي (ايه يا بابا)، وهي ذاتها الكلمة الأولي التي قالتها ليلة افتتاح الفيلم بعد انتهاء العرض، ليخرج كمال شاكر مع ابنته فاطمة مسرعًا من دار العرض قبل ان يتعرف أحد إلى ابنته التي لم تظهر إلا مرّة واحدة، لكن هذا الظهور القصير جدا، كان كافيا ليدرك المخرج الكبير حلمي رفلة، مكتشف وصائد النجوم، أن هناك فنانة كبيرة فى الطريق، فسارع بتوقيع عقد عمل معها، تقوم بموجبه بالاشتراك فى فيلم «العقل في إجازة» ولعبت دور البطولة فيه إلى جانب الفنان الكبير محمد فوزي، وظهرت في هذا الفيلم باسم «شادية» لأوّل مرّة.

صورة ذات صلة

الفنان «محمد فوزي»

خدعة

الغريب أنَّ المخرج محمد عبد الجواد، كان معجبا بصوت ووجه شادية الطفولي، وكان في طريقه إلى توقيع عقد معها لتقديمها كوجه جديد، إلّا أنَّ حلمي رفلة اتّصل بمحمد عبدالجواد هاتفيا، وطلب منه قطع الاتّصال بفاطمة، لأن أهلها لو شاهدوها على الشاشة سيقتلونها، وبالفعل أخذ محمد عبد الجواد بالنصيحة، ولم يحاول الاتصال بشادية مرّة أخرى، ليبدأ حلمي رفلة في تقديم شادية بفيلم «العقل في إجازة»، وكان ذلك في العام 1947، لتغني فيه شادية أمام الكاميرا أوّلى أغانيها «صباح الخير».

ومنذ ذلك الحين، توالت الأعمال الفنية لشادية، التي مثّلت 118 فيلما عبر الشاشة، منها على سبيل المثال لا الحصر، 13 فيلما مع المخرج حلمي رفلة، كان أوّل هذه الأفلام «العقل في إجازة» عام 1947، وآخرها فيلم «لمسة حنان» في العام 1971، بينما قدمت مع المخرج حسن الإمام عدة أفلام، كان أوّلها «ساعة لقلبك» عام 1950، وآخرها فيلم «الحقوني بالمأذون» عام 1954.

حياة عاطفية

أوّل حب في حياة شادية، كان مع ابن الجيران عندما كان عمرها 13 عامًا، وكان الحب وقتها بالعين كان تسكن الدور الخامس وهو يسكن الدور الأوّل كان ثمة تلاقي بالعيون. لكن الحب الحقيقي الممزوج بالعاطفة والتواصل، حدث معها عندما كانت في سن السابعة عشر، كما ذكرت ذلك شادية بنفسها في حديث للزميلة إيريس نظمي، نُشر بمجلة «آخر ساعة»، تلك القصة التي بدأتها بقولها: «وقفت لأغني فى فرح أحد معارف أسرتنا فوقعت عيناي على شاب أسمر وسيم، وأحسست بنظرته، وقد اخترقت قلبي، وبعد انتهاء حفل الزفاف، فوجئت به يتقدم نحوي ويهنئني، ويعبر لي عن إعجابه بصوتي، بكلمات رقيقة وقليلة، لم يتكلم كثيرًا وقتها، ثم افترقنا بسرعة.

لكنَّني لم أنم تلك الليلة، ولم تفارق صورته عقلي أبدًا، ولم أكن أعرف وقتها من هو وأين يعمل أو يقيم؟ وهل يبادلني الاعجاب أم إنَّه معجب بصوتي فقط؟ وهل سأراه مرّة أخرى؟.. وكيف؟

بقيت أيامًا حائرة حتَّي جاءني خطاب منه، عرفت بواسطته أنَّه طالب في السنة الأخيرة بالكلية الحربية، وأنَّ هذا الخطاب قادم من الصعيد حيث يعيش هناك مع أسرته، وكان خطابا رائعا ومليئا بالمشاعر الرقيقة، وشعرت وقتها بالسعادة والراحة، لأنَّه يبادلني المشاعر نفسها، ثم جاء إلى القاهرة مرّة أخرى، والتقيت به وسلمته خطاباته التي كانت تصلني منه عبر صندوق بريد يخص إحدى صديقاتي، ورأيت القلق على وجهه، عندما مددت يدي لأسلمه تلك الخطابات، لكنَّني قلت له إنَّ هذا اجراء وقائي يحميني، فأنا أخشى أن يكتشف أهلي أمر هذه الخطابات العاطفية، وفهم ما أقصده ولم يغضب، وقال لي: إنَّه لا يريد أن يكون سببا في مضايقتي و إن هدفه الوحيد إسعادي، وكانت مشاعره نحوي قوية وعنيفة جدًا، لدرجة إنَّني كنت أخشي أن يعرف أهلي كل شي من عيني الحائرتين، وتصرفاتي المرتبكة، وشرودي الدائم وصمتي الطويل.

ثم سرعان ما فوجئت بخطاب جديد منه، ولم يكن موجها لي، بل لوالدي يكشف فيه قصة حبنا، ولم يكن شابّا طائشا، بل هو رجل عاقل تمامًا، الأمر الذي حيرني ورحت أتساءل عن تسرعه، والسر وراء إرسال هذا الخطاب؟

ثم عرفت لاحقاً إنَّه يطلب يدي.. ويريدني زوجة له.. وكان ذلك أعز خطاب في حياتي لدرجة إنَّني ما زلت محتفظة به. ازداد حبي لهذا الشاب الصعيدي الأسمر يومًا بعد يوم، وعندما تخرج كانت «دبلته» في يدي، وقد طلب مني عدم الظهور على الشاشة، وأن أعتزل الغناء، فوافقت على الرغم من إنَّني رفضت عريسين قبله لهذا السبب، وعندما حدثت حرب 48 وكان على حبيبي التوجه للميدان، جاء ليودعني وكنت أشعر بأنه آخر يوم ألتقيه، وحبست دموعي في عينيّ حتَّى غاب عني، وكانت هذه آخر مرّة أراه فيها، فقد شاءت الأقدار أن يستشهد في الميدان.

كرهت قصر عابدين وكل من أرسلوه ليحارب، وكانت الكوابيس تطاردني في نومي كلما غفوت، وراحت تتراءى ليَّ الكثير من المناظر البشعة، لكن حنيني إليه لم يفارقني، وكلما شعرت بالضيق والوحدة، ذهبت إلى الكاسيت لأشغل شريط التسجيل الذي يحمل صوته».

 حب وزواج

كانت البداية في «قطار الرحمة»، المتجه إلى الصعيد الذي حمل معه، كوكبة من نجوم مصر، من أمثال فاتن حمامة ومحمد فوزي، وعماد حمدي، وهدي سلطان وشكري سرحان، وكانت شادية مصطحبة معها السيدة خديجة والدتها، فهي لا تريد أن يفوتها حدث مثل هذا، وهي المشاركة والمساهمة في جمع التبرعات من أهالي المحافظات بعد ثورة 52، إذ كان لها شرف المشاركة بذلك، وكان الحب ينتظرها هناك، فقد كانت عينا عماد حمدي لا تفارق شادية في تلك الرحلة، لتنشأ بينهما علاقة قوّية، فقد كان عماد حمدي فتى أحلام فتيات مصر كلّها في ذلك الوقت، وعلى الرغم من إنَّه يكبرها ب22 عاما، لم يمنع ذلك شادية من مبادلته الحب، ومن الغريب أن السيدة فتحية شريف، زوجة عماد حمدي، كانت وراء تقريب موعد الزواج، فقد وقع فى يدها خطاب لشادية، ترد فيه على مجموعة خطابات من عماد حمدي لها، وهددت السيدة فتحية عماد حمدي، بأنَّه إذا لم يكف ويبتعد عن شادية، سترسل خطاب الأخيرة إلى الصحف، وتعلن حقيقة العلاقة بينهما، فما كان من عماد حمدي وشادية، سوى عقد قرانهما، أثناء تصوير مشاهد فيلم «أقوى من الحُبّ»، وكان ذلك في العام 1953، واستمر زواجهما حتَّى العام 1956. ثم تعرفت شادية على عزيز فتحى الذى كان يعمل  مهند سا بالإذاعة المصرية، وتزوجته عام 1958، ولكن الزواج لم يستمر طويلا، بعد أن اكتشفت شادية أن عزيز فتحى خدعها وأخفى عنها أن له زوجة قبلها، وكان لشادية قصة حب معروفة مع فريد الأطرش، غير أنها انتهت سريعا.

  وقد قالت هى عنه: «وجدته مثالاً للرجل «الجنتلمان»، الذى يعامل المرأة بإحترام وبدأ حب فريد يملأ قلبى بعد أيام وشهور البؤس التى أعقبت طلاقى من عماد حمدى، وأمضيت معه أياماً حلوة لم يكن يكدرها سوى غيرة المقربين إليه، الذين لاحظوا انشغاله وانصرافه عنهم بسبب إنشغاله الشديد بى».

إن فريد حياته غير مستقرة، لا يتصورها بلا أصدقاء فكل سهرات الأسبوع يقضيها مع أصدقائه، ولم أقدر على الاستمرار فى هذه الحياة، فالإستقرار بالنسبة له شئ صعب، بل مستحيل، ولكن بالنسبة لى فهو شئ ضرورى، وبدأت أشعر بأن حياتنا لا يمكن أن تستمر بهذه الصورة،

ثم تزوجت شادية من صلاح ذو الفقار بعد قصة حب أيضا والذى شاركها بطولة عدد من أفلامها أشهرها «مراتى مدير عام»  ثم طلقت منه عام 1969.

فى حب مصر

المرة الأخيرة والوحيدة التي أطلت فيها شادية بصوتها لجمهورها بعد سنوات الاعتزال كانت أثناء ثورة 25 يناير، مع عمرو الليثي عبر برنامجه «واحد من الناس» قالت دي مصر وياعقل ولاد مصر، مصر اسمها مذكور في القرآن، لازم ولادنا يحافظوا عليها، ودعتهم لعشق مصر. الدعوة لعشق مصر وحبها كانت الكلمات الأخيرة لشادية وكأنها كانت الوصية الأخيرة لجمهورها.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق