فن

تجربة فرنسية مدهشة: موسيقي الراب.. سلاح الأقليات لمواجهة التهميش في أوربا

 

عبر تجربة سمعية وسينمائية فريدة من نوعها، يحث ألبوم Deux Frères «الأَخَوَان»، وهو أحدث أعمال فريق الراب الفرنسي «PNL»، الأوربيين على التفكير بصورة مختلفة  تجاه العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية الأوربية، مثل قضايا الفقر والأقليات والإسلاموفوبيا، وغيرها.

 

نجاح ساحق

قبل يومين فقط من صدور هذا الألبوم، في 5 أبريل الماضي، كانت الصحيفة الإلكترونية الفرنسية Mediapart تتحدث فعليا عن «ظاهرة فريق PNL» وفي عشية صدور الألبوم، شهدت باريس ثنائي الفريق وجماهيره يحتلون شارع الشانزليزيه الشهير وسط العاصمة الفرنسية، ويقيمون حفلا حصريا في الهواء الطلق

 

. وجاء ذلك بعد ساعات قليلة من عدة محاولات بذلتها إدارة برج إيفل لنفي شائعات قوية حول إقامة الحفل داخل مبنى البرج.

أيقونة الراب

يتكون فريق PNL من الأخوين «طارق أندريو» (أديمو)، و«نبيل أندريو» (إن. أو. إس اللذين يعيشان في حي «لي تارتيريه»، الواقع في ضاحية «كوربيل إيسون» الباريسية الجنوبية التي أصبحت رمزا للمشكلات الاجتماعية التي تعاني منها فرنسا، حيث تسكنها نسبة كبيرة من الفرنسيين من أبناء المهاجرين، ممن يطلق عليهم سكان الضواحي، وبفضل ما تحظى به من تغطية إعلامية مستمرة.

ومنذ ظهورهما الأول في يونيو 2015، وعبر عدد من الأعمال المتميزة والمتفردة، على المستويين السينمائي والشعري، لم يعد «الأَخَوَان أندريو» مجرد فنانيْن فرنسييْن بارزيْن، وإنما أيقونة ملهمة لفناني الراب في جميع أنحاء القارة الأوربية، خاصة في الدول التي تتحدث الألمانية. فقد احتفت بهما وبألبومهما الأخير صحيفة «دي فيلت» الألمانية اليومية والتي قالت «إن ألبوم هذا العام  في فن الراب يأتي من قلب فرنسا». وبالفعل،فقد بلغت مبيعات هذا الألبوم أكثر من 200 ألف ضعف مبيعات الألبوم السابق «Double Platinum» في غضون خمسة أسابيع فقط، وقد لفت هذا النجاح الأنظار بقوة في المملكة المتحدة أيضا، حيث تنبأت صحيفة الجارديان بأنه «إذا كان مقدرا للموسيقى الفرنسية أن تكسر القاعدة وتقتحم الأسواق الأنجلوفونية، فإن فريق PNL سيكون بطل هذا الحدث لا محالة».

دور اجتماعى وسياسى

وتتفق كل من المؤرخة فاطمة الطيب، والباحث في العلوم السياسية هشام عيدي،). على أن «الهيب هوب» بوجه عام، و الذى يشمل – إلى جانب الراب أيضا- صناعة الإيقاع (beatmaking) والجرافيتي والرقص الحر (breakdancing ) والراب بوجه خاص هما أحد الوسائل الثقافية القليلة التي تسمح لمجتمعات ’الآخر‘ (المهاجرون والأقليات) في أوربا أن تناقش أوضاعها الحياتية وأن تبث همومها الاجتماعية والسياسية، بعيدا عن وصاية العبارات النمطية الخاصة بخطاب التيار السائد.

هشام عيدي

وبحسب عيدي، فإن الراب يمثل «المجال الوحيد الذي يتم فيه التعبير عن وعي المسلمين في الشتات وطريقة إدراكهم للأمور من حولهم، ومناقشة سياسات الهوية في بلدان المهجر». وفيما يتعلق بفرنسا، يرى عيدي أن مؤسس «حزب الجبهة الوطنية» اليميني المتشدد، جان ماري لوبان، يعتبر الراب «نوعا خطيرا من الموسيقى»، حيث دائما ما يثبت له هذا الفن – على حد زعمه- صحة مؤامرة «الاستبدال العظيم» التي روج لها الكاتب الفرنسي اليميني المتطرف رينو كامو، والتي تؤكد أن الفرنسيين الأصليين (من أصول أوربية) ستتضاءل أعدادهم، وسيتعرضون للمحق في وقت غير بعيد أمام جحافل المسلمين الذين ينتمون إلى أصول غير أوربية ويتمتعون بقدرات إنجابية فائقة.

جان ماري لوبان

وبالتركيز على ثقافة «الهيب هوب» الألمانية التي ولدت عملاقة في تسعينيات القرن الماضي، تلخص  فاطمة الطيب إلى وجهة النظر ذاتها، حيث تقول: «تمثل الهيب هوب الوسيلة المركزية للتعبير عن الغرباء الإثنيين في ألمانيا المعاصرة». وبالإضافة إلى ما أبرزه عيدي عن الراب الفرنسي، تؤكد الطيب أن «الهيب هوب يعزز أيضا الحوار بين الأقليات، وهو ما يمثل ضرورة ملحة لاتخاذ تدابير موحدة ومنظمة لمواجهة التيارات القومية والمعادية للأجانب التي اجتاحت أوربا في العقود الأخيرة».

ملامح فنية

يبرز فريق PNL بـ قوة من ناحية جمال الأداء الصوتي، وذلك من خلال تميز عضويْه في اختيار معزوفات مفعمة بالأحاسيس. كما يقدم الفريق فنا مبتكرا وإبداعيا من ناحية التدفق الذي يتميز به فن الراب في ثقافة الهيب هوب، وهو ما يتجلى في استخدامه للأدوات الخاصة بتقنيات الصوت، خاصة الفوكودر. ومن خلال هذه الأدوات، يعبر الفريق الحدود بين أنواع الموسيقى المختلفة، ويتضح ذلك جليا في الأغنية الأولى من ألبوم Deux Frères «الأَخَوَان»، وهي أغنية «A l’ammonique»، التي صدرت في منتصف العام الماضي، وتمكنت من أن تشق طريقها كنموذج للأغنية الفرنسية التقليدية لأسباب مشابهة.

وإضافة إلى الجمال الصوتي، تمثل الطبيعة السينمائية بعداً آخر مهما وملهما في أعمال فريق PNL، حيث تعتبر الأفلام القصيرة المتضَمَنة في مقاطع الفيديو والتي صدرت في عام 2016 ضمن ألبوم Dans la légende «على الطريق لتصبح أسطورة»، مثالا واضحا في هذا السياق. حيث يقدم الفريق عمله الموسيقي من خلال أربعة أفلام قصيرة، تعرض لدراما مرتبطة بتجارة المخدرات في إحدى الضواحي في العاصمة  الفرنسية.

وبالدرجة ذاتها، تمثل كلمات أغنيات الأخوين أندريو ملمحا إبداعيا وفريدا من نوعه. ففي ألبومهما الأخير  Deux Frères «الأخوان»، تتساوق اللغة المجازية مع أعمال الفريق السابقة، من حيث البساطة والتنوع (مثل استعارة ’بيت الدرج‘ في الإسكان الاجتماعي الفرنسي)، وهو نفس المصطلح  أو الاستعارة التي يستخدمها «هومي بابا»، فيلسوف ما بعد الكولونيالية، لتسليط الضوء على عمليات التهجين الثقافي التي تميز مجتمعات «الآخر» في أوربا، والتي يعرٍفها على أنها ’تلك المساحة البينية الإشكالية التي تخلق فضاء يسمح بالقيام بأعمال تخريبية».

 مواجهة التهميش

ونتيجة لهذا المزج الإبداعي بين الموسيقى ومقاطع الفيديو والدراما، يستطيع جمهور الراب في جميع أنحاء العالم الإحاطة- بعمق- بالمعاني الكامنة، حتى لو كان من غير المتحدثين بالفرنسية. ففي المقال الذي كتب عن فريق PNL مستندا إلى مقابلة أجريت مع «الأخوين أندريو» في عام 2016، سلطت الصحفية أتوسا إبراهيميان من المجلة الثقافية الأمريكية The Fader الضوء على قدرة الفريق الرائعة على التواصل بعمق مع جمهوره. وتشير الكاتبة إلى أنه رغم المبالغة في الاستعارات التي يستخدمها الفريق في أغنياته، لكن  تظل هذه الطريقة في تناول قضايا التهميش السياسي والاجتماعي في فرنسا، من خلال تأثيرها العميق على الحالة النفسية للأخوين أندريو، فعالة في التقريب بين العالم الداخلي للأخوين، وقطاعات واسعة من الجمهور في جميع بلدان الاتحاد الأوربي.

فمن خلال الأغنية الفردية الثانية Da (من ألبوم Dans la légende)، التي صدرت في منتصف أبريل عام 2016، يكرس فريق PNL ’لازمة (أي السطر المتكرر في القصيدة) جذابة للتعبير عن الظروف الحياتية غير المستقرة التي يعانيها ’الآخر‘ في فرنسا. ويقول هذا السطر: «يؤلمني أن أرى رفاقي في قاع المجتمع». أما في أغنية A l’ammonique، فيعبر الأخوان عن هذا الشعور بالعجز وعدم التمكين باقتضاب شديد: «هذا العالم يعاني، وأنأ أشعر بآلامه / لا يزال المهمشون يقبعون في الظلام، لكنني لا أزال أراهم».

وفي ألبوم Deux Frères «الأخوان» يؤجج  هذا الفريق مشاعر جمهوره، ويعمق وعيه بتجربة التهميش السياسي الإجتماعي، التي يتشاركها جميع الفرنسيين من المهاجرين. ويتم تعميم هذا الشعور بعدم التمكين من قبل الأقليات على جميع أنحاء أوربا، وما يؤدي إليه من عواقب وعقبات اجتماعية وسياسية. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى نظام الفصل الحضري في باريس (المحيط الفقير غير الأوربي في مقابل المركز الغني الأوربي) باعتباره أحد مظاهر ما بعد الكولونيالية. كما يتضح ذلك  بقوة في ألمانيا، خاصة فيما يتعلق بالجاليات التركية، وأيضا فيما يخص الجاليات الألبانية في سويسرا وألمانيا والنمسا، أو بالنسبة لما يتعرض له الغجر في المجر وغيرها من دول ما بعد الشيوعية في الاتحاد الأوربي.

وتمثل تجارة المخدرات سمة رئيسية أخرى في الأعمال الفنية لفريق PNL، رغم أنها أقل ظهورا في إصداره الأخير مقارنة بأعماله السابقة. لكن هذا الحضور القوي لتجارة المخدرات عند فريق PNL، يتحول إلى سلاح ذي حدين. فمن ناحية، يعزز هذا الحضور الصورة النمطية لتاجر المخدرات ’الذكر‘ باعتباره رمزا لـ «الآخر الأوربي» من خلال إعادة تدوير هذا الخطاب بدأب، ومن ناحية أخرى يستخدم الفريق الغنائي صورة «الكرسي القابع عند مدخل بيت الدرج  في السكن الاجتماعي الفرنسي» بشكل متكرر، كرمز لتجارة المخدرات في جميع أغنيات ألبوم «الأخوان» للإشارة إلى أن الإنسان قد يجبر على عمل أشياء لا يريدها ليحصل على حريته في عمل ما يريده. بعبارة أخرى، من الشائع لدى «الآخر الأوربي» العمل في وظائف بأجور متدنية وفي صناعات تقوم على الاستغلال إلى درجة تجعله غير قادر على التصالح مع نفسه أو الرضا عن ذاته؛ لكن القيود الاجتماعية والسياسية لا تمنحه خيارات أخرى.

مسلمان

كذلك يمثل الإسلام موضوعا محوريا آخر في أعمال فريق PNL، لكن هذا الجانب يتوارى بدرجة أو بأخرى عندما  تقوم وسائل الإعلام بتغطية أعمال الفريق لقطاع أكبر من الجماهير. فقد ذكر الراديو العام الفرنسي France Culture – الذي يخصص في هذا العام ثلاثة برامج لمتابعة أعمال فريق PNL، أن عضوىْ الفريق  هما مسلمان، وفي أغنية Chang من ألبوم «الأخوان»، تتعدد العبارات التي تشير إلى الإسلام، ما بين «كن شاكرا لله، فأنت مدين له بكل شيء” ومرورا بـ «ملاكي القابع على الجانب الأيمن ليس لديه ما يدونه»، ووصولا إلى «أنا لا أعيش حياتي وفقا لمبادئ الدين، لكنني أحاول دائما أن أكون شخصا أفضل».

عنصر آخر أكثر خفاء في موسيقى PNL هو استخدامها ولو من بعيد، لإشارات تتعلق بالأقلية الغجرية الأكثر صمتا في بلدان الاتحاد الأوربي. ووفقا لمدونة بودكاست NoFun، وهي مدونة صوتية فرنسية خاصة بأغاني الراب، فإن للموسيقى الغجرية  تأثيرا عميقا في أعمال “الأخوين أندريو”. وبحسب صحفي الراب نيكو بليون، الذي استضافته المدونة، فإن موسيقى الجيتار في أغنية Au DD من ألبوم  Deux Frères «الأخوان»، وأغنية Luz de Luna of Dans la legend تنبع تماما من موسيقى «الفلامنكو الغجرية الأندلسية». ويؤكد بليون أن «الأخوين أندريو» قد استعارا بعض المفاهيم الغجرية الأندلسية في أغنية Au DD.  ولا شك أن التعبير عن هذه الأقلية الأكثر عددا في أوربا يمثل إنجازا آخر لقدرة فريق PNL المتفردة التي تجعله الأكثر شعبيا وقبولا حتى لدى التيارات السائدة في أوربا دون المساس بسرديته المناهضة للهيمنة.

ضد الهيمنة

وخلف الحدود الفرنكوفونية في أوربا، يتطلع الناس إلى الفن الذي يقدمه فريق PNL المناهض للهيمنة، حيث يسير هذا الفن حثيثا على طريق إنجاز فرضيات هشام عيدي وفاطمة الطيب بخصوص القوة التي تمنحها ثقافة «الهيب هوب» للآخر الأوربي. وتقدم الأعمال الفنية «للأخوين أندريو» شهادة حية على أن تهميش «الآخر» في مجتمعات الاتحاد الأوربي يمثل حقيقة مشتركة وواقعا معاشا داخل هذه المجتمعات.

*هذه المادة مترجمة.. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا:

 

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق