منوعات

صلاح الدين وابن الأثير.. صراع السيف والقلم

 في صبيحة يوم من عام 595 هـ /1171م، وقف السلطان المجاهد نور الدين محمود يتميز غيظا، من أمر ذلك الوالي صلاح الدين الذي يتلكأ في تنفيذ أوامره. وقد عكر غضبه صفو بلاطه السلطاني فجمع كبار رجاله، ومستشاره السياسي ومؤرخه الخاص عز الدين أبو الحسن الجزري الشهير بابن الأثير.

كان السلطان الزاهد الشغوف بالجهاد يسارع سنوات عمره في تحقيق حلمه بتحرير المسجد الأقصى الأسير في أيدي الصليبيين، وقد أعد لهذا اليوم منبرا خشبيا جمع له أجود الأخشاب وأفضل الصناع المهرة من حلب ودمشق والقاهرة، ليكون بديلا عن ذلك الذي حطمه أمراء الصليبيين وتقاسموا أجزاءه فيما بينهم احتفاء باستلاب بيت المقدس من أيدي العرب المسلمين. وفي سبيل ذلك كان نور الدين محمود يتعجل واليه في مصر بإعلان انتهاء حكم الفاطميين، ووقْف خطبة الجمعة باسم الخليفة الفاطمي على مساجد القاهرة، والدعاء للخليفة العباسي، وذلك بهدف توحيد جبهتي الشام والقاهرة في مواجهة جيوش أوروبا الجرارة من الصليبيين.

السلطان نور الدين محمود

أما صلاح الدين، الذي كان وزيرا للخليفة الفاطمي العاضد في مصر، والذي عمل على توطيد أركان حكمه، ومواجهة انتشار المذهب الشيعي ببناء المدارس العلمية ونشر المذهب الشافعي الذي أثبت قدرته على مواجهة المد الشيعي، فقد كان يرى التمهل في إعلان سقوط الخلافة الفاطمية، خوفا من تأليب عامة المصريين عليه، ولإدراكه في الوقت نفسه أن هذا سيحدث لا محالة، حيث كان  الخليفة الفاطمي المريض يلفظ  أنفاسه الأخيرة. لكن نور الدين كان يخشى استئثار صلاح الدين وأسرته بملك مصر والخروج بها عن مشروعه الجهادي، إلى الحد الذي جعله يفكر جديا في الإطاحة بصلاح الدين، الذي كان يتحاشى لقاءه، حتى أمر نور الدين كاتبه ومستشاره ابن الأثير أن يكتب إلى صلاح الدين (إن لم تعجل في تنفيذ ما أمرناك به.. جئنا إليك بما لا قبل لك به).

 لكن القائد الكردي الشاب المحنك يرسل إليه الفقيه عيسى بالرد (يكفي يا مولاي أن ترسل إلينا من عبيدك من يصحبنا إليك مصفدين في الأغلال). وقد كان القدر يحابي صلاح الدين، حيث مات الخليفة الفاطمي في القاهرة لتصبح مصر ملكا طيعا في أيدي صلاح الدين، ويموت عموري أقوى ملوك القدس الصليبيين، ثم يموت نور الدين محمود. وبينما يخلف عموري على ملكه شاب ضعيف يأكله الجزام، يرث نور الدين محمود طفل دون العاشرة هو الصالح إسماعيل، الذي سيتنازع أمراء الزنكيين على ملكه والحكم بإسمه فيما عرف بالأتابكية.

ابن الأثير

لم يكن الأمر يسيرا على ابن الأثير الذي فقد بوفاة نور الدين محمود، أحب الملوك وأكثرهم ورعا وصلاحا بعد الخلفاء الراشدين –على حد تعبيره- لاسيما بعد أن وجد نفسه في زمرة طفل صغير يتصارع أمراء الزنكيين على وصايته. فقد مضى عهد نور الدين ومستشاره ومؤرخه ابن الأثير، وبدأ عهد صلاح الدين ومستشاره وكاتبه القاضي الفاضل.

كان ذلك كله قبل أن تخرج قوات صلاح الدين من القاهرة إلى دمشق تطارد فلول الزنكيين وفي صحبتهم ابن الأثير من مدينة إلى أخرى حتى استتب له الأمر بوضع يده على ملك سيده نور الدين محمود، وبذلك اتحدت جبهتا الشام والقاهرة في يده ليبطش بها ببقايا الصليبيين.، ثم حاصر صلاح الدين بقواته مدينة (الموصل) المنيعة ثلاث مرات يُعمل في أسوارها وموانعها المنجنيق حتى كاد ابن الأثير أن يلقي حتفه في المرة الأخيرة تحت ضربات منجنيق جيش صلاح الدين. ويحكي ابن الأثير في «كامله» أنه في عام 581 ه كان الحصار الثاني لصلاح الدين لمدينة الموصل، وعن ذلك يقول: «في هذه السنة حاصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الموصل للمرة الثانية، فلما وصلوا إلى المدينة سيّر أتابك عز الدين والدته إلى صلاح الدين، ومعها ابنة عمه نور الدين محمود بن زنكي، وغيرهما من النساء، وجماعة من أعيان الدولة يطلبون منه المصالحة، وبذلوا له الموافقة والإنجاد بالعساكر ليعود عنهم،. وكل من عنده ظنوا أنهن إذا طلبن منه الشام أجابهن، لاسيما وأن معهن ابنة مخدومه وولي نعمته نور الدين، فلما وصلن إليه أنزلهن وأحضر أصحابه، واستشارهم فيما يفعل ويقول، فأشار أكثرهم بإجابتهن إلى ما طلبن منه.. وقال الفقيه عيسى وعلي ابن أحمد المشطوب.. مثل الموصل لا يترك لإمرأة، فوافق ذلك هواه، وأعادهن خائبات واعتذر بأعذار غير مقبولة، فلما عُدن رحل صلاح الدين إلى الموصل، وهو متيقن أنه يملك البلد، وامتد عسكره في الصحراء وجرت المناوشات، وكنت إذاك بالموصل، وبذل العامة نفوسهم غيظا وحنقا على ردة النساء، فرأى صلاح الدين ما لم يكن يحبه، فندم على رده النساء ندامة الكسعي».  

أمام قوة وبطش صلاح الدين لم يملك الكاتب والمؤرخ ابن الأثير سوى أن يصب غضبه وحنقه على صلاح الدين في كتاباته للتاريخ، فكال له من الاتهامات ما يجعل من صلاح الدين شخصية دموية باطشة، تسعى لتحقيق مجدها الشخصي وبطولتها الزائفة، خالية من المروءة والشهامة إلى حد رد نساء سيده وولي نعمته نور الدين خائبات بعدما توسلن إليه أن يرفع حصاره عن الموصل.

كان غضب ابن الأثير وبغضه لصلاح الدين وراء تفسيراته المغرضة للعديد من الأحداث والمواقف التاريخية، فسيطرة صلاح الدين على بلاد النوبة، وحملاته على اليمن لم تكن – في نظر ابن الأثير- سوى محاولة لإيجاد موطىء قدم له، ومركز للدفاع في حال قدم نور الدين بجيشه إلى مصر لاستعادتها من صلاح الدين، على الرغم من أن حقائق التاريخ تؤكد إخماد صلاح الدين للعديد من حركات التمرد، وثورات العربان، ومهاجمة ملك النوبة لأسوان في جنوب مصر، ووجود حركة شيعية مضادة للحلف السني الوليد في مصر والشام  بقيادة عبد النبي بن مهدي الشيعي – على حسب رواية ابن شداد.

كما فسر ابن الأثير عودة صلاح الدين من حصار الكرك والشوبك إلى القاهرة وعدم انتظاره جيش نور الدين القادم من دمشق متعللا بمرض والده، وخوفه من ترك القاهرة بلا حماية وقيادة في حال وفاة والده، بمحاولة للفرار من نور الدين الذي كان يعلم نيته في عزله عن ولاية مصر، على الرغم من وفاة والد صلاح الدين الفعلية التي لم يدركها صلاح الدين العائد إلى القاهرة.

 وأيا ما يكون الأمر فقد كانت كراهية ابن الأثير، والاتهامات التي كالها لصلاح الدين في تاريخه بمثابة الإرث الذي سيتكىء  عليه العديد من الباحثين الذين سيسعون على مدار سنوات لتفنيد بطولة وشجاعة بطل حطين، والرجل الذي استطاع إستعادة القدس من سيطرة الصليبيين بعد نحو قرنين من أسرها واستلابها وتغيير هويتها.

Image result for ‫صلاح الدين الأيوبي‬‎

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق