منوعات

«وسبت بلادي وولادي وطلعت ع الهاشمي القرشي»: أغاني الحج.. ذائقة المصريين الخاصة

أغاني الحج سيمفونية شجن شعبية خالدة، وأوركسترا وجدانية قلبية، آلاتها ما بين دف وربابة ومزمار وكفوف تصفق وألسنه تزغرد. وكلماتها شفرة سرية يفهمها قلب الحاج الملبى للدعوة الإلهية «وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق» صدق الله العظيم.. و كذلك دعوة الحبيب المصطفي  لزيارة روضته الشريفة ومسجده المُكَرّم .. فما أعظم الداعى وما أجمل الدعوة وما أحلى تلبيتها.

تراث وطقوس

لا أحد ينكر ولع المصريين عبر التاريخ القديم والحديث بتحويل كل معتقداتهم الدينية إلى طقوس مميزة لهم، وأول ما يصاحب هذه الطقوس هو الأغاني بكلماتها وألحانها، والتي تختلف تسميتها باختلاف الشعيرة والطقس، فنجد مثلا أن «العديد» في باطنه نوع من أنواع الغناء يصاحب الموتي، كما أن الحس الصوفي في أداء بعض الشعائر سواء صلوات أو صوم أو حج، جعل هذا من مميزاتنا الشعبية، وجعلها بهجة تخص المصريين وحدهم دون شعوب العالم.

ورغم أن طقوس الحج واحدة، كفريضة وعبادة، إلا أن الفن والتراث الشعبي لكل منطقة جعلها تختلف من مكان لمكان، ما بين الوجه القبلي و الوجه البحري، أو في عمق وادي النيل حيث النوبة أو على الأطراف في المناطق الصحراوية سواء في الوادي الجديد ومرسي مطروح، أو شرقًا في حلايب وشلاتين بقبائلها من عبابدة وبشارية.

وهذا ما جعل الأغاني الشعبية التراثية تعبر عن كل منطقة وخصوصيتها وإن كان الإختلاف الجوهري بين هذه الأغنيات يعود-  للهجة واللغة لكل منطقة – لكن ولأن فريضة الحج تجمع الشرق والغرب، والجميع يؤدونها بطقس واحد، فقد ظهرت الأغنية الشعبية التراثية وكأنها تخص الوطن كله وليس منطقة جغرافية منه، وبالتالي جاء مضمون الأغاني وكأنها خرجت من فم وحنجرة واحدة. وسنجدها جميعها محملة بشجن وحب لأداء فريضة الحج.

وقد استطاعت أغاني الحج، أن تجمع الشمل في بوتقة واحدة، لتصبح نسيجا واحدا لعباءة اسمها الوطن، وسنلاحظ أن هذه الأغاني التي اتفق عليها العقل الشعبي الجمعي في تراثنا ذات ثراء ثقافي هائل، حامله في كلماتها وبين دفات ألحانها كل طقوس رحلة الحج، وسنجد أن الكلمات تكاد تتشابه في معظم الأغاني كما أن إيقاعها يكاد يكون واحدا، حيث المناجاة والابتهال، والشجن والحس الشعبي الحزين، والأمل في الوصول للعتبات المقدسة، والأمل في الغفران والميلاد الروحي الجديد، لآن الإنسان يعود وكأنه ولد من جديد، حتي أن جميع الحناجر في كل مكان تكاد لا تختلف في طريقه الغناء أو الإلقاء، يضاف إلى هذا أن كل هذه المدن والقري والأقاليم كانت تتجمع في أماكن واحدة، وقبل ان ينطلقوا في طريق واحد للموانئ التي يستقلون منها البواخر للأراضي الحجازية. 

وهذا ما يجعل للأغاني التي ترافق الحاج، وقعا في النفوس لكل من يسمعها، خاصة وأنها تنطلق في فترة زمنية محددة مثلها مثل شهر رمضان وطقوسه وأغاني استقباله وتوديعه، ومأكولاته أيضًا.

وتنقسم أغاني الحج لثلاثة أنواع وهى: أولا: أغاني توديع الحجاج والتي تغني من داخل بيت الحاج، وقبل سفره حتي مكان توديعه سواء كان يستقل باخرة أو جملا أو طائرة، وثانيها: أغاني استقبال الحجاج وهي التي تغنى لاستقبالهم بعد عودتهم، والنوع الثالث: بعض الأغنيات التي يؤديها الحجاج أنفسهم أثناء رحلة الحج.

المرأة والدف بطلا زفة رحلة الحج

الدف هو البطل في يد النساء بشجنه ودفئه، كما أن المزمار ببهجته هو الفارس في فم الرجال، ويعود ذلك إلى إنها أدوات غاية في البساطة: صوت ودف. حتي أن بعض النساء كن يدندن بالغناء على أطباق المطبخ، حتى يضبطن الإيقاع، إلى أن يتوافر الدف، مثلما يتم النقر على قطعة خشبية أو باب أخشابه مجوفة.

 وفي كل ذلك كانت المرأة المصرية مخزنا شعبيا متحركا عبر العصور، لذا فإن للمرأة في أغاني الحج دورا مميزا أو سلطوي، حيث يقع عليها دور البدء في إنطلاق الحناجر بالغناء، وكأنها تمهد للحاج رحلته، يصاحب صوتها الدافيء الآلة ذات الإيقاع الدافئ أيضًا وهو: الدف، حيث ينطلق صوت النساء من داخل بيت الحاج وقبل بدء الحج بفترة زمنية قد تتجاوز شهرا أو شهرين-  لأن رحلة الحج في الماضي كانت تأخد قرابة الأربعة أشهر-، وهو تمهيد مبكر ورقيق وشجي لرحلته، حتي أن إيقاع الأغاني كان يبدأ بطيئا وما إن يقترب موعد السفر أو الرحلة حتي يأخذ في التسارع والارتفاع.

ومعظم الأغاني التي تغنيها النساء للحج  هي أغاني متوارثة من الأجداد ولا يُعرف لها مؤلف ثابت، بل هو تراث شفاهي تناقلته الأجيال، وهي أغنيات متوارثة محملة بكل الإبداع الفطري لتلك الرحلة المقدسة، مع ملاحظة أن كثيرا من تلك النساء لسن متعلمات، بل إنهن لا يعرفن ” فك الخط” إلا أنها الموهبة الفطرية للمرأة المصرية كوعاء لهذا التراث الثري.

وقد كانت لنساء تلك المجتمعات الريفية، وربما لاتزال حتى اليوم، طريقتهن فى الأداء المتميز بأصوات شجية تطرب الأذن، حيث كن يعتمدن فى الإيقاع على موسيقى الفم والدف، أما أداء الرجال فكان اعتماده على الموال والمزمار البلدى والربابة.

وفي مدن وقري الصعيد خصوصا، كانت النساء تتجمعن في بيت الحاج وقبل السفر بأكثر من شهر، وبمصاحبة الدف وبإيقاع بطيء يغنين:

يا للى على الحج ناوى.. وزيارة طه نبينا

بلغه منى سلامى.. وقول له مشتاق بيحبك

وحبك يانبينا الغالى.. حرم عليا منامى

ويقال أيضًا:

ناويين يا هَنا الموعودين.. اسمع وصلى ع النبى

ناويين يا موعودين.. اسمع وصلى على طه الزين

يوم طلعت من بلدى.. ناوى ودمعى على خدى

سبت الحبايب والخلان.. سبت الوالدة أمى بتبكى

بامنى نفسى ليا زمان.. بالحج وزيارة النبى

والدمع ده فرحة قلبى..

أغاني التحنين

 ولأن للنساء في الريف سواء في صعيد مصر أو الوجه البحري دورا كبيرا في رحلة الحج، فإنهن وبعد إعداد كان يلزم الحاج من طعام وشراب في رحلته، يُقِمْن احتفالية نسائية خاصة بهن للغناء للحجاج يطلق عليها «أغاني التحنين». والمقصود بـ«التحنين» هنا هو تلك الأغاني المنغمة ذات الإيقاع الهادئ والتي تغنيها النساء في وقت توديع الحجاج، أو وقت عودتهم أو أثناء غيابهم في رحلة الحج.

 وهناك سببان لتسمية هذا النوع من الغناء الشعبي بـ «لتحنين»: أولهما: أنه كان يقال للحاج وهو ينطلق في رحلته «حج مبرور وذنب مغفور، والله يحنن عليك»، وذلك لأن الرحلة في الماضي كانت شاقة جداً، ويمر خلالها الحاج بصعوبات كثيرة من تقلبات جوية أو قلة الزاد أو الازدحام الذي يزداد أثناء أداء المناسك، ولأن الجميع منشغلون بنفس الموقف فلا معين فى كل الأحوال إلا الله، أما السبب الثاني فهو يخص «الحنين» لزيارة الأراضي المقدسة، وكذلك حنين للحاج المسافر من أهله انتظاراً لعودته، وحنين منه لأهله أيضاً أثناء الرحلة التي كانت تستغرق شهوراً.

  • و من أغاني التحنين في الصعيد تلك الأغنية التي تتحدث عن نساء وفتيات مقبلات على الزواج أو تزوجن حديثاً ورغم ذلك تركن أزواجهن وذهبن لزيارة قبر الرسول:

صبية بحنة  نزلت عاااا.. ع الباخرة وصبية بحنة

صبية بحنة مشوّقة  عاااا .. ع النبي ورايحة محنة

صبية بعنادي فوق جبل عاااا.. عرفات صبية بعنادي

صبية بعنادي مشوقة عاااا.. ع النبي ورايحة بلادي

(وعنادى هنا يقصد بها الصبية المتزوجة حديثا)

إدونا الوصيفة يا اللي زرتوا.. النبي ادونا الوصيفة (أي صف لنا أرض الحجاز التي بها الكعبة وقبر الرسول)

وهناك  أغنية ترددها النساء أثناء إعداد زاد وطعام الحاج وتقول كلماتها:

وقال غربلولي ما غربلولي البنات

وقال اطحنولي وطحنولي البنات.. وقال اعجنولي وعجنولي البنات

وقال اخبزولي وخبزولي البنات.. وقال ودعوني وودعوه البنات

 وتلك أغنية ترددها النساء أثناء إعداد احتياجات الحاج من ملابس الإحرام وتقول بعض كلماتها:

وخد القروانة (وعاء لتناول الطعام بشكل جماعي) دا ولاد العرب ع العد يامه

وخد أبيض ولفه

ف الحرم يا محلى لبسه

وخد أبيض  ولفه عند حرم

النبي يا محلاه في لبسه

خد أبيض وشيله عند حرم

وسنجد في الوجه البحري، نفس الطقوس، وكلمات الأغاني متشابهة وهي أغاني تعبّر عن فرحة أهالي الحاج وذويه بأداء مناسك هذه الشعيرة:

وركبوا القطار.. خدهم يومها وطار.. على النبي المختار.. لأرض الحبيب

وركبوا البابور لبهي النور.. وقلبهم مسرور.. رايحين للحبيب

 ومن الأغاني الجميلة المرتبطة بالحج تلك الأغنية التي تؤكد أن أداء طقوس الحج وزيارة قبر الرسول دواء لكل العلل والأمراض، حيث تقول كلماتها:

بالليل ما بنامشي.. والنوم جفاني وحتى الأكل ما باكلشي

بقالي مدة نايم على فرشي.. جابوا الطبيب يكشف عليّ

قلت له إيه يا طبيب اللي فيّ؟.. واللي توصفه يمشي

قال لي دواك تزور النبي.. قلت أروح على القدم أمشي

وسبت بلادي وولادي.. وطلعت ع الهاشمي القرشي

لقيت الروضة الشريفة.. جمالها ما يوصفشي

ياللي معاك المال قوم يلا ما تخفشي

كل عام وأنتم بخير

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق