منوعات

90 عاما على اندلاعها: انتفاضة البراق.. ملحمة نضال فلسطينية خالدة

في أغسطس من عام 1929، شهدت مدينة القدس واحدة من أبرز وأعنف الانتفاضات الشعبية في تاريخ القضية الفلسطينية، وهي الانتفاضة التي باتت تعرف باسم «انتفاضة البراق» نسبة إلى الحائط الواقع جنوب غربي المسجد الأقصى والذي يؤمن المسلمون أن النبي الكريم ربط فيه البراق ليلة الإسراء.

صراع عنيف

كانت القدس منذ احتلال القوات الإنجليزية لها عام 1917 بؤرة للصراع بين سكان البلاد الفلسطينيين من المسلمين والمسيحيين على حد سواء وبين المستعمرين الصهاينة الذين أتوا في ركاب المحتل البريطاني خاصة بعد هزيمة القوات العثمانية في الحرب العالمية الأولى (1914-1918).

كان الصراع في ظاهره صراعاً حول المقدسات الدينية،حيث أحيا الصهاينة مزاعم توراتية تقول إن المسجد الأقصى مقام على أنقاض الهيكل المقدس لديهم وأشاروا إلى حائط البراق باعتباره حائط المبكى الذين يبكون لديه هيكلهم الذي هُدم على يد الرومان.

لكن الصراع في جوهره وحقيقته كان حول السيطرة على المدينة وأحيائها، حيث جسدت القدس الوضع في فلسطين برمتها، بين مستعمرين أوروبيين في الأغلب راغبين في تغيير هوية البلاد وبين سكان أصليين متمسكين بها.

ووصل هذا الصراع إلى ذروته في شهر أغسطس عام 1929 حين أصر الصهاينة على الاحتفال بما يعرف بعيد الغفران عند الحائط وسارت مظاهرة نحوه ضمت قطعان المستعمرين وهم يهتفون بشكل استفزازي «الحائط حائطنا والهيكل هيكلنا».

حائط البراق خلال أحداث الثورة

وبطبيعة الحال تصدى أهل البلاد لهذه القطعان الاستعمارية، وكونوا جمعية «حراس المسجد الأقصى»، وهدموا المعدات التي جلبها الصهاينة للاحتفال بعيدهم.

زادت الأمور تعقيداً في الأيام التالية، خاصة مع وصول مسيرة من المستعمرين إلى القدس وتجوالهم في شوارع المدينة وذلك يوم الخامس عشر من أغسطس من عام 1929 حتى وصلوا إلى الحائط وبدأوا بترديد النشيد الصهيوني المعروف بـ «الهاتكفا».

وفي اليوم التالي، 16 أغسطس،الذي وافق يوم جمعة وذكرى المولد النبوي، انطلق الأهالي في تظاهرة غاضبة انتهت عند الحائط وهاجموا الصهاينة وحطموا الطاولات التي وضعوها قبالته.

انتفاضة شعبية عارمة

تحولت القدس في الأيام التالية إلى مسرح للصدام بين الفلسطينيين والصهاينة، وتدفق القرويون من القرى المحيطة بالقدس إلى المدينة مسلحين بالهراوات نصرة للأقصى، وتطور الأمر إلى صدامات دامية مع محاولة الأهالي اقتحام الأحياء الصهيونية في المدينة وتصدي قوات الاحتلال البريطاني لهم وسقوط شهداء في صفوفهم.

وما إن عمت الأخبار الريف الفلسطيني حتى هرع أهل المدن والقرى لنصرة إخوانهم في القدس وتحول البراق إلى عنوان لانتفاضة شعبية عارمة بدا فيها واضحاً رفض الأهالي ليس فقط للاستيطان الصهيوني وإنما للاحتلال البريطاني الذي جلب هولاء المستعمرين الصهاينة ومكّنهم من الاستيلاء على الأراضي واستباحة المقدسات.

سعت سلطات الاحتلال إلى التهدئة بعد نحو أسبوع من الاشتباكات الدامية التى أسفرت عن سقوط 133 قتيلاً صهيونياً وجرح 339 بينهم 198 مصابا بإصابات خطيرة.

فيما بلغ عدد القتلى العرب 116 وعدد الجرحى 232 جريحاً وذلك حسب تقرير رسمي بريطاني اعترف بأن معظم إصابات العرب كانت على أيدي القوات البريطانية.

لجنة شو

أوفدت بريطانيا لجنة رسمية للتحقيق في أسباب الانتفاضة وهي اللجنة التي عرفت باسم لجنة شو نسبة إلى رئيسها، وخلصت في تقريرها إلى أن أحد أبرز أسباب ما أسمته «الاضطرابات» هو خيبة أماني العرب السياسية والوطنية وخوفهم على مستقبلهم الاقتصادي وخشيتهم من سيطرة الصهاينة السياسية بسبب هجرتهم المتزايدة إلى فلسطين.

وأوصت اللجنة بتشكيل لجنة أخرى للوقوف على أحقية كل طرف في الحائط الذي كان مسرحا للصراع، وبالفعل تم تشكيل لجنة دولية لتحديد حقوق المسلمين واليهود في حائط البراق وكانت اللجنة برئاسة وزير خارجية السويد الأسبق «أليل ولفغرن» وعضوية نائب رئيس محكمة العدل الدولية الأسبق السويسري «تشارلز بارد»، وبعد تحقيق قامت به هذه اللجنة، قدم فيها الجانب العربي ممثلاً في مفتي القدس الحاج أمين الحسيني كافة الوثائق التي تدعم الحق العربي، ووضعت تقريراً في عام 1930، قدمته إلى عصبة الأمم خلصت فيه إلى أن الحائط الواقع جنوب غربي المسجد الأقصى هو جزء لا يتجزأ من المسجد ومتضمن ضمن أملاكه الوقفية وهو ملك للمسلمين ولا حق للصهاينة فيه على الإطلاق، ورغم ذلك فإن اللجنة لم تجد تناقضاً بين ما خلصت إليه وبين المطالبة بالسماح للصهاينة بزيارة الحائط لغرض العبادة.

الحاج أمين الحسيني خلال أحداث الثورة سنة 1929

إمتد تأثير إنتفاضة البراق -على قصر مدتها – إلى ما بعدها، فعلى المستوى السياسي، أسفرت الانتفاضة عن حدثين هامين: الأول هو حركة المقاومة المسلحة التي قادها الشيخ السوري المجاهد عز الدين القسام عام 1935 والتي إتخذت من الريف الفلسطيني نقطة انطلاق لها، والتي استمرت حتى استشهاد القسام مع مجموعة من رفاقه في أحراش يعبد في نوفمبر من نفس العام بعد معركة دامية مع قوات الاحتلال البريطاني.

والثاني هو الثورة الشعبية الفلسطينية الكبرى التي انطلقت في إبريل عام 1936 عقب شهور من استشهاد القسام وشملت الريف والحضر على حد سواء واستهدفت الإنجليز والصهاينة معاً واستمرت نحو ثلاث سنوات حتى خبت جذوتها تحت وطأة أجواء الحرب العالمية الثانية التي بدأت عام 1939.

ألقت انتفاضة البراق بظلالها على كلا الحدثين، فرفاق القسام كانوا ممن شاركوا فيها وكانوا في صدراة ثورة 1936 عقب استشهاده مثل الشيخ فرحان السعدي الملقب بـ «عمر المختار الفلسطيني» حيث بدأ مسيرته النضالية وقد تجاوز السبعين من عمره وواصل كفاحه حتى أسره وإعدامه على يد المستعمر البريطاني عام 1937.

الوجه الحقيقى للإستعمار الإنجليزى

ويرى الباحث والكاتب الشهيد باسل الأعرج أن انتفاضة البراق شكلت نقطة فاصلة في العلاقة بين أهل البلاد والمحتل الإنجليزي، فحتى عام الانتفاضة (1929) كان قادة الحركة الوطنية الفلسطينية من الأعيان والمشايخ يؤمنون بقدرة إنجلترا على لعب دور الوسيط العادل بينهم وبين الصهاينة، إلا أن أحداث الانتفاضة وسقوط أغلب شهدائها برصاص الإنجليز، أثبت لتلك القيادة خطأ رهانهم وضرورة مواجهة الاحتلال والاستيطان معاً.

الباحث والكاتب الشهيد باسل الأعرج

ولم يقتصر أثر الانتفاضة على المجالين السياسي والعسكري بل امتد إلى المجال الثقافي، حيث برزت الانتفاضة في أعمال فنية عدة، لعل أبرزها الأغاني التي صاغها الشاعر الشعبي الفلسطيني نوح إبراهيم.

وكان إبراهيم حتى لقائه بالشيخ القسام يستخدم أشعاره في الأعراس والمناسبات الاجتماعية إلى أن وجهه القسام الذي التقاه في أحد الأعراس بضرورة توظيف فنه وموهبته لصالح قضية بلاده.

وهو ما كان بالفعل، حيث تحول إبراهيم إلى شاعر الثورة وصاغ أشعاراً تحض على مقاومة الاحتلال في أوج ثورة 1936.

كما خلدت الأغنيات الشعبية ذكر شهداء الانتفاضة، مثل أغنية «من سجن عكا» التي باتت جزءاً أصيلاً من التراث الغنائي الفلسطيني، والتي تروي قصة ثلاث شهداء هم عطا الزير وفؤاد حجازي ومحمد جمجوم والذين أعدمتهم سلطات الاحتلال في عكا بعد محاكمة صورية ليتحولوا إلى أيقونات للثورة ومقاومة القهر.

وتبقى انتفاضة البراق بعد تسعين عاماً على اندلاعها حلقة هامة من حلقات النضال الطويل في سبيل تحرير الأرض والإنسان على حد سواء.

إحراق وتدمير مستعمرة هارتوف في الرابع عشر من أغسطس سنة 1929

استعراض عضلات الجيش البريطاني في مدينة القدس خلال أحداث الثورة

اضراب العرب الفلسطينيين ضد السياسة البريطانية

اضراب العرب المسيحيين في فلسطين ضد السياسة البريطانية خلال الثورة

الحاج أمين الحسيني برفقة وفد عربي أحتجاجاً على السياسة البريطانية والهجرة اليهودية في البلاد سنة 1929

العرب الفلسطينيين يحتجون ضد السياسة البريطانية في مدرسة روضة المعارف خلال احداث الثورة

القوات البريطانية تقف خارج أحد المباني خلال أحداث الثورة

القوات البريطانية تقف خارج كنيسة المهد خلال أحداث الثورة

القوات البريطانية عند بوابة دمشق خلال أحداث الثورة

القوات البريطانية عند بوابة يافا خلال أحداث الثورة

القوات البريطانية متمركزة عند بوابة دمشق مع ألاسلحة

المنشور الاول من المفوض السامي جون روبرت تشانسلور – ألقي من الطائرات

المنشور الثاني من المفوض السامي جون روبرت تشانسلور – عُممَ بعد تلقيه البرقية العربية

بحث عن الأسلحة عند بوابة يافا خلال أحداث الثورة

برقية أرسلت من اللجنة التنفيذية العربية الى المفوض السامي في الأول من سبتمبر سنة 1929

جنود بريطانيون لحماية اليهود عند بوابة يافا خلال عيد يهودي تحسباً لوصول المظاهرات من مدينة الخليل

جون روبرت تشانسلور في المنتصف

دورية بريطانية بخوذ فولاذية لمُراقبة طريق سريع خلال أحداث الثورة

راية سوداء خلال أحداث الثورة كتب عليها فلتحيا فلسطين حُرة رداً على السياسية البريطانية والهجرة اليهودية

مُشاة البحرية البريطانية في ساحة بمدينة حيفا خلال أحداث الثورة

مُشاة البحرية البريطانية يهبطون في حيفا خلال أحداث الثورة

وفد من النساء العربيات أمام مكتب المفوض السامي البريطاني للاحتجاج على السياسة البريطانية

يهود يفرون من القدس عند بوابة يافا خلال أحداث الثورة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق