منوعات

إلى نابوكوف الذي لم يعبأ يوما بكتاباتي: شكرا على أنك فتحت لي الباب!

راجيا حسيب – كاتبة وروائية أمريكية مصرية

ترجمة: أحمد بركات

منذ تسعة عشر عاما، ما زلت أحتفظ بنسخة من رواية فلاديمير نابوكوف Invitation to a Beheading (دعوة إلى الذبح) (1935). عرفت عمر الكتاب من «الباركود» (شفرة التعرف) المسجل على غلافه الخلفي، والذي يحدد أيضا اسم المكتبة التي ابتعته منها، وهي مكتبة «بوردرز». كانت هذه المكتبة تقبع في الطابق الأرضي من مركز التجارة العالمي، وقد قمت بزيارتها عدة مرات على مدى ثمانية عشر شهرا قضيتها في نيويورك لدى وصولي إلى الولايات المتحدة لأول مرة قادمة من مصر في نوفمبر 1998.

أحاول أن أذكر اللحظة التي وقفت فيها أمام قسم الروايات بالمكتبة، وجُلت بعيني بين كتبها، عندما لفت نظري هذا العنوان المثير. في هذه اللحظة لم يخطر ببالي كيف يمكن أن يُلقي اقتناء رواية بظلال كثيفة على حياتي. كنت حينذاك في الثالثة والعشرين من عمري.  

قبل وقت طويل من قراءة كتبه، كان يخامرني إعجاب جياش بنابوكوف حد الافتتان. عدت أدراجي إلى الدراسة في عمر الثانية والثلاثين لأغير مهنتي، وتخصصت في دراسة الأدب الإنجليزي. كنت دائما أوميء بإعجاب عندما يردد أحدهم على مسامعي – بنبرة تنم عن رعب مكبوت – اسم رواية Lolita (لوليتا) (1955). لم يكن لإيماءاتي أية علاقة بأسلوب نابوكوف، أو بمعالجته المبهرة للتناص، أو حتى بجرأة موضوعاته. كنت عندما أسمع اسمه لا يدور بخلدي سوى أنه كاتب روسي الأصل يمارس الكتابة باللغة الإنجليزية. ونظرا لأنني كنت محاطة بجمع غفير من الطلاب الأمريكيين الذين لم تتجاوز أعمارهم نصف عمري، ويرتبطون غريزيا منذ الميلاد– كما كنت أحسبهم –  باللغة الإنجليزية التي لن أفلح في إتقانها يوما كأنها اللغة الأم التي ولدت في كنفها، وجدت نفسي أزداد تعلقا بنجاح نابوكوف فيما كنت أتوق إليه.

كان الاستماع إلى زملائي وهم يتحدثون الإنجليزية بتلقائية، ودون إقحام لهجة أجنبية تعكر صفوها اللغوي، كفيلا بأن يغمرني بشكوك عميقة في نفسي، وأن يجعلني أتساءل مرة تلو الأخرى عن الحماقة التي أودت بي إلى ترك عملي في مجال الهندسة المعمارية لأحترف كتابة الرواية باللغة الإنجليزية. لكن، تحت ركام هذا اليأس كان مجرد تذكر نابوكوف، ونجاحه الباهر في الكتابة بلغته الثانية كفيلا أيضا بأن يجعلني أهيم به إعجابا وافتتانا.

حتى في غمرة هذه المشاعر، لم أكن أجهل تلك ’المغالطة المنطقية‘ التي أججت بداخلي هذه الحالة من الافتتان. رغم ذلك، كان نسج هذا الربط الخيالي بيني وبينه يجعلني أتشبث بالأمل، مهما وهنت هذه العلاقة؛ لقد كان مهاجرا، وكنتُ كذلك، وكان يكتب بالإنجليزية، وسأفعل ذلك. كنت أعلم أن هذا المنطق معيب، لكنني لم أبال. كنت أتعقب حلما بعيد المنال وأتشبث بخيط أمل واه في إمكانية تحقيقه. منذ كنت في السابعة من عمري، كنت أتمنى أن أصبح كاتبة، وقمت بنشر قصتين قصيرتين باللغة العربية عندما كنت أعيش في مصر،ولم يدر بخلدي آنذاك أنني سينتهي بي المطاف في الولايات المتحدة.

راجيا حسيب

وبعد خمس سنوات من وصولي، جلست على مكتب في شقة تضم حجرتين للنوم في ضاحية لوس فيليز بمدينة لوس أنجلس، وكتبت الأسباب التي تدفع وتمنع تغيير مهنتي إلى الكتابة باللغة الإنجليزية. في غمرة التحليل والتفكير، برز عدد من التساؤلات الأخلاقية: هل ’يُسمح‘ لي أن أمارس لغة تعلمتها بدءا من الصف الرابع الابتدائي كلغة أجنبية ثانية (بعد الألمانية)، وأن أزعم أن الإنجليزية قد غدت لغتي الأولى رغم أنها ليست لغتي الأم بموجب حق الميلاد؟ ما السلطة التي كنت أخشاها، ومن يقرر لي ما يمكنني أن أفعله، أو لا أفعله؟ هل كتابة الرواية بلغة أجنبية ممكنة بالأساس، وهل سبقني أحد إليها؟

بعد ذلك بفترة ليست بالقليلة، تعرفت على كُتاب كُثر مارسوا الكتابة بلغتهم الثانية، وكان عدد غير قليل منهم نساء ينحدرن من أصول عربية، لكن في ذلك اليوم من عام 2006، عندما كنت أجلس على مكتب مستعار في شقة مؤثثة في ضاحية لوس فيليز، كان الاسم الوحيد الذي دار بخلدي هو فلاديمير نابوكوف‘.

فلاديمير نابوكوف

الآن، صرت أعرف أكثر مما يجعلني أفترض أن العظماء دائما صالحون أيضا. لقد قرأت كثيرا عن ازدراء نابوكوف للكاتبات (كان يزعم أنهن «من طبقة أخرى».. لا أعتقد أنه يقصد طبقة أرقى على الإطلاق)، ما جعلني أُخضع افتتاني به لفحص صحي. رغم ذلك، ظللت ممتنة له إلى حد أنني قررت أن أمنح البطل الشاب في روايتي الأولى In the language of Miracles (بلغة المعجزات) (2015) افتتانا بالفراشات كنوع من الامتنان لنابوكوف. كنت أتصور أن هذه الحشرة الرقيقة ذات الألوان الزاهية ستنسج جسرا آخر، ولو واهيا، بيني وبين ذاك الرجل الذي منحني الأمل عندما كنت في مسيس الحاجة إليه، وأعادت إلى كتاباته بارقة إيمان بقدرة الكاتب على الكتابة بلغته الثانية إلى الحد الذي يجعلهم يُلقبونه بـ «أحد الخبراء الأسلوبيين في النثر في القرن العشرين» كما يذكر الغلاف الخلفي من نسختي من رواية Invitation to a Beheading.

والآن، بينما أجلس في منزلي في ولاية ويست فرجينيا، تحوم فراشة جميلة قريبا من النافذة؛ أرى ذلك أيضا دليلا آخر على أنني كنت محقة عندما تمسكت بحلمي البعيد.

بعد أن انتهيت من كتابة النسخة الخطية الأخيرة من روايتي الثانية A Pure Heart (قلب نقي) (2019)، راودتني حاجة إلى العودة إلى نابوكوف. في هذه الأثناء، كنت قد نجحت إلى حد ما في رأب ذلك الصدع الحرج في مسيرتي التعليمية، وذلك عن طريق قراءة العديد من رواياته، لكنني حتى الآن لم أقرأ روايته Invitation to a Beheading. وعندما حملتها بين يدي لأول مرة بعد سنوات طوال، شعرت بحنين جارف إلى نفسي في سن الثالثة والعشرين عندما اقتنيتها  للمرة الاولى. رحت أتخيل نفسي كشابة ومهاجرة جديدة تقف شاخصة أمام الأرفف في مكتبة «بوردرز»، وتلتقط رواية عن رجل مدان كتبها روائي روسي، وتجهل أن مركز التجارة العالمي سينهار بعد عامين فقط، وأنني وكثيرا من المسلمين الأمريكيين سنمضي بقية حياتنا مدانين ومدينين بالاعتذار عن هذا الانهيار، ولم يخطر لي ببال أنني يوما سأنشر روايات باللغة الإنجليزية.

لكن هذه اللعبة التي تتناوب فيها المعرفة وعدم المعرفة ربما تمثل جزءا من نظام الرموز الجموح الخاص بي. ففي رواية Invitation to a Beheading، كتب سينسيناتوس من محبسه: «إنني أعرف شيئا ما، إنني أعرف شيئا ما؛ لكن التعبير عنه صعب للغاية. لا أستطيع مواصلة ذلك… أود أن استسلم، لكن يتملكني شعور دفين بالغليان والفورة والدغدغة الذي ربما يودي بك إلى الجنون إذا لم تعبر عنه على نحو ما».

كنت أيضا على حافة الجنون، إذا لم أعبر عن كل ما عرفته، وعن كل ما ناضلت من أجل تعلمه عبر الكتابة، وإذا لم أعبر بهذه اللغة التي أحببتها كثيرا برغم أنني لم أولد في بيئتها، وإذا لم أستعطفها لتبادلني حبا بحب بما يسمح لي أن أسكن داخل حضنها بينما «تتقاذفني أمواج الحقيقة الباردة المتمثلة في حياة المهاجرين في عام 2019، والتي لم تبرح تطارد فراشات نابوكوف لتدفعني إلى إعادة اكتشافها»، كما كتبت على سطح مكتبي.

إلى نابوكوف الذي لم يعبأ يوما بكتاباتي، فضلا عن أن يحتفي بها، أوجه هذه الرسالة: «شكرا على أنك فتحت لي الباب الذي أجتاز حاليا من خلاله»، والآن سأحدد طريقي.

 

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق