ثقافة

قوة مصر الناعمة.. ضجيج بلاجدوى وتجريف لا يتوقف

على الرغم من ذلك الصخب الرسمى والإعلامى الذى يحيط مؤخرا بمصطلح «القوة الناعمة» إلا أن الخطوات التى يشهدها الواقع العملى لاستعادة تلك القوة لنفوذها الذى تراجع.. أقل مما يجب كثيرا وربما لا يليق بمكونات مصر وقدراتها فى هذا السياق.

فمصر التى صاغت عقل ووجدان المنطقة العربية وامتد نفوذها الى أبعد من ذلك فى أفريقيا وآسيا بفضل فنونها وثقافتها ومؤسساتها الدينية والتعليمية، ومصر التى صدَّرت روحها ولهجتها عبر وفود التعليم وشاشات السينما وأصوات مطربيها ونغمات موسيقييها.

اقرأ أيضا:

ومصر التى احتضنت كافة المؤسسات الدبلوماسية العربية والإفريقية، وامتلكت ريادة حقيقية تستند إلى مكونات فكرية وحضارية.. مصر تفتقد الآن للكثير من نفوذها وقدرتها على التأثير ويأتى هذا الفقد المتواصل – فى معظمه – بفعل سوء إدارة لتلك القدرات وتفريغ متواصل لقيمتها ومكانتها.

ولعل البداية تحتاج الى العودة إلى الماضى لندرك إلى أى مدى قد تم تجريف قدراتنا وأدوات سحرنا وتأثيرنا على مدار عقود، ومازال التجريف مستمرا رغم ما نسمعه وما نشاهده من محاولات لاستعادة نفوذنا «الناعم»، سواء فى خلق وجدان شعبى أو نفوذ خارجى خاصة فى المحيط العربى والإفريقى.

 لقد اختلفت الظروف الموضوعية التى عاشتها مصر فى مراحل توهج قوتنا الناعمة، والتى تجلت فى عقدى الخمسينيات والستينيات وهى الحقبة التى تلاقت فيها إرادة الدولة المصرية ونظامها الرسمى مع رغبات وطاقات الإبداع والخلق الفنى والفكرى والثقافى لتحقق أهم حالات التناغم والتأثير على الاطلاق منذ عرفت مصر مفهوم «القوة الناعمة» دونما تسميته مع بدايات القرن العشرين وهى ما يمكن اعتبارها مرحلة التكوين والتى تبلورت مع ثورة 1919 وما ارتبط بها من دور مؤثر للفنون والثقافة، وأيضا دور وطنى متواصل للأزهر والكنيسة المصرية اللتين تمثلان أحد مكونات القوة الناعمة المصرية الرئيسية.

بدايات ومسارات

  مرت مصر بعدة مراحل فى مسيرة تكوين قواها الناعمة من بداية النشأة والتكوين منذ بدايات القرن العشرين إلى صياغة مشروع مصرى، ثم مرحلة التوهج والقوة، إلى مرحلة التراجع والضعف، كل تلك المراحل كانت السياسة ودرجة تأثيرها وامتلاك مشروع وطني شامل، أو افتقادنا لهذا المشروع حاكماً فى مراحل القوة والضعف

عبر عقود ثلاثة فى بدايات القرن العشرين كان هناك جهد حقيقى لاستعادة الهوية المصرية التى توارت قليلاً أمام النفوذ العثماني منذ القرن التاسع عشر، ورغم محاولات ونضالات استعادة هوية مصر إلا أن الفنون والآداب قد عانت كثيراً من محاولات للهيمنة والتبعية، خاصة الموسيقى التى وقعت أسيرة فى البداية للنموذج العثمانى، إلى أن جاء سيد درويش وداود حسني حيث يرجع لدرويش الفضل فى صياغة موسيقى مصرية، وتخليص السلم الموسيقى من هيمنة عثمانية كانت قد ابتلعته، وجعلت موسيقانا وما يقدمه الموسيقيون فى مصر إعادة لإنتاج ما يقدم فى إسطنبول.

ولم يكن هذا ليحدث لولا عوامل مجتمعية وسياسية مهدت الطريق أمام مبدعين مثل سيد درويش، بديع خيري، ونجيب الريحانى ومحمود مختار وغيرهم لإنجاز تلك المهمة، والتي منذ أن تمت أصبحت لمصر قوتها الناعمة الخاصة بها والتي لم تكن قد تبلورت  من قَبل

لكن تلك القوة التى تشكلت رويداً رويداً وعلى أصعدة مختلفة ومتوازية لم تكن لتوجد دون نمو واضح ومتزايد للمشروع الوطني فى الاستقلال، والذى كان قد بدأ مسيرته «أحمد عرابى»، وكان هذا مشروعاً استقلالياً متكاملاً تجاوز كونه حدثاً سياسياً إلى أبعد من ذلك. وفي هذا الصدد  يؤكد الكاتب والمؤرخ السياسيي الراحل «صلاح عيسى» أنه يمكن اعتبار الثورة العرابية من أهم العوامل التى أدت إلى تطور الفكر المصرى وتجاوزت به حركته الرتيبة وتطوره البطيء، ودفعته إلى آفاق شديدة الرحابة»

وكان دور «عبد الله النديم» (1842 – 1896) هاماً ومؤثراً للدرجة التى دفعت البعض لاعتبار خطيب الثورة العرابية أباً للقوى الناعمة المصرية؛ فهو الخطيب المفوه، والشاعر الموهوب، والمسرحى البارع، وقبل هذا وبعده هوالمناضل الثورى النقيّ. فقد حمل «النديم» على عاتقه التحدث باسم الثورة العرابية والترويج لها بين الناس، لحثهم على دعم ومساندة عرابى ،مستخدما الشعر والمسرح والخطابة. وكان صوت الدعوة للجهاد ضد الاحتلال والخديوى ودفع ثمن ذلك تارة بالسجن، وأخرى بالنفي خارج البلاد ،ولم يكتف النديم بدوره الثوري، بل امتد تأثيره إلى الفكر والتنوير وكان أحد رموز الثقافة والصحافة فى مصر. وكان النديم حالة ملهمة ومؤسسة فى تاريخنا الحديث، استخدم فنون الأدب والخطابة لدعم الحركة الوطنية والتى كان أحد صناعها وروادها الأوائل.

ثم جاء دور القوى الناعمة فى خلق تعاطف إقليمي ودولي مع قضية الاستقلال والتدخل الخارجى فى الشئون المصرية الداخلية والنضال، من أجل الحرية والدستور وهذا الدور ساهم فيه بشكل كبيرالزعيم الوطني مصطفى كامل (1874- 1908)  من خلال الكتابات فى صحف داخل وخارج مصر، وعقد المؤتمرات السياسية لشرح القضية الوطنية، وكان هذا النهج تطوراً هاماً فى مناهضة الاستعمار البريطاني.

وتتواصل مسيرة التكوين وتزدهر مع الثورة المصرية فى 1919، والتي تعتبر الميلاد الحقيقي لمفهوم ودور القوى الناعمة سواء من خلال دور بارز للفن بكل أشكاله، حيث يتوهج إبداع سيد درويش، ويتواكب المسرح مع القضيه الوطنية، وتعرف مصر فن التأثير السلمي من خلال جمع التوكيلات للوفد المصرى الذى يتفاوض من أجل الإستقلال والدستور، ويتحقق لمصر استقلال جزئي ويصبح لديها دستور ويتولى زعيم ثورتها رئاسة الحكومة .

ومع نمو الحركة الوطنية ونضجها تنمو أيضاً قواها الناعمة التى يتعاظم نفوذها وتاثيرها يوماً بعد يوم، وتستقبل القاهرة المئات من العرب والأجانب بحثاً عن مكان تحت شمسها المضيئة فناً وأدباً وإبداعاً، وفى قلوبهم لهفة وحلم بالتحقق والشهرة من مصر وإلى كل العرب

إزدهار.. و بعده تراجع!

ثم تأتي مرحلة ما بعد ثورة يوليو1952، لتمثل ذروة نمو وتأثير القوى الناعمة المصرية، والتى ارتبطت بمشروع مصرى تنموى شامل، سواء على صعيد مواجهة الاستعمار والصراع مع إسرائيل، أوعلى صعيد التنمية الشاملة وحلم القومية العربية الذي حملته «يوليو» على عاتقها، إضافة إلى مشروع بناء مصر وإحداث نهضة شاملة لتدرك الدولة لأول مرة أنها مسؤلة عن تقديم خدمة ثقافية لمواطنيها تماما مثل الخدمة الصحية والتعليمية. 

وبعد حرب أكتوبر1973 انتهت تلك المرحلة المهمة، لتبدأ مرحلة جديدة فى مسار القوى الناعمة التى انكمش دورها مع الانفتاح الإقتصادي «1974» ثم اتفاقية (كامب ديفيد) وما ترتب عليها من آثار سياسية على المستوى العربي، ودور مصر إقليمياً، وجاءت ثورة النفط فى دول الخليج العربي لتمثل نقطة تحول جديدة فى تأثير مصربشكل عام بمحيطها العربي. وقد شهدت الساحة المصرية خلال تلك المرحلة نمواً متصاعداً لجماعات الإسلام السياسي فى الحياة المصرية، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضى، مما ألقى بظلاله بشكل كبير على مسار القوة الناعمة المصرية، حيث ظهر التأثير على مدى بعيد نتيجة عاملين رئيسيين:

– الأول هو تخلي الدولة عن دورها فى دعم الثقافة والفنون وسيطرة ثقافة الانفتاح الاقتصادى بما حملته من سمات أهمها تسليع الفنون و هيمنة النماذج السطحية والاستهلاكية فى مختلف نواحى الحياة.

-والعامل الثانى هو ما يُسمى «سلفنة» المجتمع المصرى والذى ساعدت فيه عودة جماعة الإخوان المسلمين إلى العمل العلنى وفتح كافة منافذ الحياة العامة أمامها، إضافة الى عمليات الهجرة التى شهدتها مصر إلى دول النفط بحثا عن حياة أرحب اقتصاديا، وقد عاد الملايين يحملون الأموال وثقافة ونسق حياة تلك الدول التى عادوا منها.

محاولات للعودة

وفى العقدين الأخيرين من القرن العشرين حاولت مصر – دون جدوى – استعادة نفوذها التاريخي وتأثيرها خارج حدودها حيث شهدت السينما حركات واعدة وأصوات متميزة مثلت حالة مغايرة وناضجة كما كان هناك  اهتمام بماسبيرو وشهدت مصر موجة انتاج رسمى لدراما امتد تأثيرها جغرافيا خارج الحدود وقدم قطاع الانتاج فى التلفزيون المصرى روائع درامية مميزة.

ولأن القوى الناعمة هى كما وصفها «جوزيف ناى» صاحب الصك الأساسى للمصطلح الأكثر انتشارا فى عالمنا الآن «هى القدرة على تحقيق الأهداف عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام أو دفع الأموال».، فقد كانت القضية الوطنية محركاً أساسياً طوال التاريخ لنمو أو تراجع دور القوى الناعمة، وكان المشروع الوطني معياراً وقاطرة لكل جهد ونتاج حقيقى للقوة الناعمة، فقد لاحظنا أن توسع دور وتأثير مكونات القوى الناعمة تزامن مع تصاعد المشروع الوطني المصري، والعكس صحيح، حيث كان دور القوى الناعمة يتراجع جداً، وأحيانا يتلاشى فى فترات الاضمحلال والتبعية وغياب المشروع والإرادة المصرية.

وفى أحيان أخرى كانت القوى الناعمة تسعى لتحريك السياسة وتوجيهها فى اتجاه القضية الوطنية، وأحياناً كانت تستجيب السياسة، وكثيراً لا تستجيب وتدخل فى خلاف مع صُناع القوى الناعمة يصل حد الصدام أحياناً، وهو صدام تنوعت أشكاله وحدته ما بين التضييق والتهميش والإقصاء وكثيراً السجن والاعتقال.

 ورغم ذلك كان  الساسة – على اختلاف توجهاتهم – يسعون دوماً -حتى فى لحظات الصدام- إلى خلق قوى ناعمة موالية تعبر عما تريده السلطة وتسير فى نفس الدرب، لإيمانها الراسخ بدور القوى الناعمة وأهمية وجودها فى كل الأحوال. لكن ذلك الاهتمام لم يكن يتحول إلى خطوات ملموسة على أرض الواقع لصياغة قوة دفع حقيقية. وما بين حسابات الساسة من جهة، وضمائر ومثالية المبدعين والمفكرين من جهة أخرى، تبدو العلاقة شائكة ومعقدة، فهما لا يلتقيان إلا قليلاً، وإذا إقتربا يتحقق الإنجاز.

فكيف يمكن أن نستعيد قدرتنا وقوتنا الناعمة بدون مشروع لإنقاذ ماسبيرو، الذى شكّل طوال تاريخه ذراعا شديد القوة والنفاذ لقوة مصر الناعمة، سواء من خلال الاذاعة المصرية التى يمتد تاريخها لقرن من الزمان، أو التلفزيون المصرى الذى ساهم فى صناعة الوعى العربى كاملا. ولا يمكن اعتبار أزمة السينما التى تعيشها مصر منذ عقود هى أزمة انتاج فحسب – رغم أهمية ذلك –بل إن هناك وجها آخر للأزمة يتعلق بمستوى فنى لم يعد قادرا على المنافسة دوليا، ولم يكن معبرا عن روح مصر ووجدانها، بقدر ما صار يتماهى مع رغبات جمهور محلى وحسابات تجارية بحتة – باستثناء تجارب سينمائية قليلة مضيئة لا تزال قابضة على الجمر.

اقرأ أيضا:

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق