منوعات

السلفيون في مصر.. قراءة كاشفة

«من أين جاء هؤلاء الناس؟» كيف تمكن «السلفيون» من التغلغل فى نسيج المجتمع المصري؟ هل الهجرة لبلاد النفط في سبعينيات القرن الماضي وحدها هى المسئولة عن إنتشار حركتهم؟ ما هى هويتهم ورموزهم؟ وهل للسلفيين في مصر مشروع سياسي؟

أسئلة عديدة يجيب عنها الراحل الدكتور محمد حافظ دياب أستاذ علم الأنثربولوجيا والباحث المتخصص في دراسة ظاهرة الإسلام السياسي في مصر والحائز على جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية عام 2013- في دراسته المهمة التي تحمل عنوان «نقد الخطاب السلفي»، الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب عام 2017.

يشير الدكتور دياب (الذى توفى فى 28 ديسمبر عام 2015) في صدر دراسته إلى أنه حتى وقت قريب لم يكن «السلفيون» في مصر يُعرفون بهذه التسمية، وإنما كانوا يسمون «بالسنيين» ،الذين ترى بعض المصادر أنهم وفدوا إلى مصر مع أبناء الشيخ «محمد بن عبد الوهاب» أوائل القرن العشرين، حيث بدأ انتشار المذهب الوهابي على يد كل من «رشيد رضا ومحمد حامد الفقي، ومحب الدين الخطيب»، الذين لعبوا دورا كبيرا في وضع اللبنات الأولى لهذا التيار على مستوى مساراته الثلاثة: «الفكري، المؤسسي، الدعوي».

اقرأ أيضا:

Posted by ‎أصوات – Aswat‎ on Monday, September 9, 2019

 

اللبنات الأولى

أنشا «محب الدين الخطيب»، مع «رشيد رضا» – دعما للجانب الفكري الثقافي-ماعُرف «بالمكتبة السلفية» والتي عُنيت بنشر أعمال «ابن تيمية» وتلميذه «ابن القيم الجوزية»، وكانت تلك المؤلفات ولا تزال من الأصول المرجعية للوهابية. أما على الصعيد المؤسسي التنظيمي، فتأسست جمعية «أنصار السنة المحمدية» على يد «محمد حامد الفقي» عام 1926، والتي عملت على نشر الفكر الوهابي السلفي في مصر.وفي مجال الإعلام الدعوي، أصدر «رشيد رضا» مجلة «المنار» التي عنيت بنشر الأفكار الوهابية على المستوى الفكري والعقائدي.

محمد رشيد رضا

السادات.. داعم السلفية

اتخذ الوهابيون السلفيون على مدار عقود متتالية موقف المفاضلة إزاء الأدوار السياسية التي شغلتها جماعة الإخوان المسلمين، بإعتبارها تقع في إطار الخروج على الحاكم. وهو ما دعا الرئيس الراحل أنور السادات إلى استثمار ذلك الموقف، فبادر بدعم التيار السلفي بوصفه تيارا «مستأنسا» على حد وصف حافظ دياب، للعمل كبديل لتيار الإسلام السياسي في مصر.

أنور السادات

ووفقا لهذه الرؤية توجهت موارد نظام السادات إلى دعم جماعة أنصار السنة، فافتتحت لها المساجد، وتم دعم إصداراتها ومن ثم توزيعها مجانا بالمساجد، إلى جانب إعارة أعداد كبيرة من أئمة الأوقاف إلى السعودية. وقد تواكبت مع دعم السادات للجماعة السلفية، هجرة أعداد كبيرة من العمالة المصرية إلى بلدان الخليج وخاصة السعودية، وهو ما نجم عنه بروز بعض المظاهر التي أطلق عليها دياب «أسلمة المجال العام» والتي تجسدت في تنامي الرموز الدينية في لغة الخطاب اليومي، وانتشار الوعظ الديني بوسائل المواصلات العامة،وتصاعد دعاوى الحسبة لمطاردة المبدعين، وإطلاق اللحى وإرتداء الجلابيب البيضاء القصيرة، وتزايد أعداد المنقبات وكثرة المطبوعات والكتب الإسلامية المرتبطة بها.

وقد تمركز التيار السلفي منذ نشأته الأولى بصعيد مصر (في قنا، أسيوط، سوهاج، المنيا وبني سويف)، غير أنه سرعان ما تمدد ليشمل مناطق عديدة فى الوجه البحرى مثل الأسكندرية، والبحيرة، ومطروح، ودمياط، والدقهلية، وسيناء، ولعل هذا ما يفسر أن كل دعاة هذا التيار من خارج القاهرة.

بيزنس ديني

عملت علاقة السلفيين القوية بالسعودية، على تكوين ما أَطلق عليه حافظ دياب «بيزنس ديني» نجم عن تعاظم المعونات المالية الواردة من السعودية، فانتشرت المطابع المتخصصة في طباعة الملصقات والإصدارات الدينية، إلى جانب شركات الكاسيت لطبع شرائط دعاة السلفية الذين برزوا إعلاميا من أمثلة: «الشيخ محمد حسان»، «أبو إسحاق الحويني» و«ياسر برهامي» وغيرهم الكثير.

ياسر برهامي، أبو إسحق الحويني، محمد حسان

كما برز أصحاب محلات بيع لوازم المحجبات والمنقبات، وشركات تنظيم رحلات الحج والعمرة، إلى جانب القنوات الفضائية وغيرها من المشروعات الإقتصادية التي قامت بالأساس تحت رعاية التيار الديني السلفي، ولعل ظاهرة شركات توظيف الأموال التي برزت في مصر خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي لهى وليدة ذلك «البيزنس الديني» الذي نشأ في معية التيار الإسلامي.

السلفيون وثورة يناير

المتابع لأحداث ثورة 25 يناير لابد وأن  يقف كثيرا  أمام المشاهد المتعددة التي برز فيها القيادي السلفي حازم أبو إسماعيل ومجموعته «حازمون»، غير أن التساؤل المهم الذي يفرض نفسه يتمثل في أثر ثورة 25 يناير على التيار السلفي بشكل عام في مصر؟

حازم صلاح أبو اسماعيل

يجيب الدكتور محمد حافظ دياب على هذا التساؤل بالإشارة إلى تعدد وتشرذم الجمعيات السلفية في أعقاب ثورة 25 يناير، وهو ما دعا «خالد سعيد» (منسق الجبهة السلفية) إلى تأسيس «الجبهة السلفية»، كجبهة عرفية غير رسمية، تضم تكتلات دعوية وسلفية مستقلة في جميع محافظات مصر، ومن أهدافها مواجهة القوانين المضادة للشريعة من وجهة نظرهم، والتصدي للهجمات الإعلامية ضد الإسلاميين عامة والسلفيين بشكل خاص.

خالد سعيد منسق الجبهة السلفية

ولتحقيق أهداف «الجبهة السلفية»، تضمن البيان التأسيسي لها عددا من الخطوات منها: «مشاركة مستويات الجبهة المختلفة في كيانات اقتصادية أو إعلامية أو سياسية، ودعم الجمعيات الأهلية، والأسر الجامعية، والهيئات الحقوقية والنقابية، بحيث تشكل جماعة ضغط، تساعد على إختراق التيارات غير الإسلامية».

وقد خرج من تيار السلفية، ما سمي بـ «شباب الإصلاح» وشيوخهم ومنهم هشام وخالد العقدة، وهم يتركزون في محافظتي البحيرة والدقهلية، ويتبعون مواقف جماعة الإخوان المسلمين السياسية، ويصفهم حافظ دياب بأنهم أكثر إنفتاحا على المجتمع، وقد انتظموا في أسر كالأسر الإخوانية، ومن ثم أسسوا حزبا أطلقوا عليه اسم «الإصلاح والنهضة»، جمعوا توقيعاته من الرافضين للدعوة السلفية وعامة الناس. ومن شباب الإصلاح خرجت «جبهة الإرادة الشعبية» وهى جبهة سلفية نخبوية ثورية، تلتقي مع القوى الثورية وتضم أكثر من إئتلاف سلفي.

إجمالا: يتسم التيار السلفي في مصر بقدر كبير من التنوع والتمايز الداخلي، بما يحويه من تنظيمات رسمية وغير رسمية «أحزاب سياسية، جمعيات أهلية مسجلة، مثل الدعوة السلفية، الحركة السلفية من أجل الإصلاح، الإسلاميون الثوريون، حازمون» إضافة إلى التجمعات الشبكية التي تلتف حول عدد من الدعاة السلفيين بعدد من المحافظات: ومنها «القطبيون، السروريون، سلفية التزكية والتربية، السلفية الجامعية المدخلية، المنتظرون» وغيرهم الكثير من الحركات الفرعية التي تشكلت في أعقاب الثورة.

المشروع السياسي للسلفيين في مصر

عمد السلفيون على مر تاريخهم- كما يقول حافظ دياب- إلى التأكيد على عدم تبنيهم لأي مشروع سياسي، وإقتصارهم على الجانب الدعوي والفكري التربوي، غير أن واقع الحال  يشهد بغير ذلك تماما، حيث بادر السلفيون في أعقاب ثورة 25 يناير إلى تأسيس عدد من الأحزاب السياسية،مثل «حزب النور، الفضيلة والأصالة، والإصلاح». ورغم محاولة «الحركة السلفية» التبرؤ من «نية» العمل السياسي، واعتباره من «المفاسد» إلا أن ممارساتها اليومية قد وشت باستبطانها هذا العمل، حيث قامت بإنشاء مشروعات اقتصادية متوسطة وصغيرة، شملت العديد من المجالات، وضعت تلك المشروعات من بين أهدافها -وفقا لدياب- دعم الأحزاب السلفية، التي تم تأسيسها في أعقاب الثورة، ومن ثم تقديم الدعم للمرشحين السلفيين والمساهمة في حملاتهم الدعائية.

من جانب آخر لم يتورع بعض المنتمين للتيار السلفي عن إستخدام العنف حين أطلقوا ما عرف بـ «غزوة الأضرحة» حيث قاموا بهدم عدد من الأضرحة والتعدي بالضرب على عدد من المواطنين الأقباط بصعيد مصر، إلى جانب هدم مسكن الكاتب «علاء حامد» في قريته بمحافظة الغربية، لاتهامه بالكفر، لترويجه بعض الأفكار الخاصة بالحزب الذي ينتمي له وهو «الحزب العلماني المصري».

ولعل تسمية يوم استفتاء «19 مارس» عام 2011 الخاص بالتعديلات الدستورية، بيوم «غزوة الصناديق» كان أمرا نابعا من التيار السلفي، تحت دعوى أن «من يقول نعم سيدخل الجنة».

السلفيون وسيناريوهات المستقبل

المثير في شأن موقف الحركة السلفية من المشاركة السياسية، يتمثل فيما أشار إليه الدكتور حافظ دياب من أنه قد رأى أن تحول الحركة السلفية نحو العمل السياسي والحزبي لم يصاحبه إعلان صريح وواضح بتبني الديمقراطية بوصفها نظاما نهائيا، بل بوصفها «نظاما إنتقاليا» يسعى نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، التي تمثل الهدف المعلن والواضح لدى كافة أطيافها، وإن اختلفوا في طرق الوصول إلى هذا الهدف.

 ويرصد دياب عددا من الإحتمالات المستقبلية بشأن الحركة السلفية وعلاقتها بالمشاركة السياسية.

الإحتمال الأول يتجسد في أن تظل الحركة السلفية جزءا من اللعبة السياسية، كممثل لجناح يمين اليمين، ضمن الخطاب الديني الإسلامي.

الإحتمال الثاني يتمثل في تجذر الصراع العلماني الإسلامي، واتخاذه أبعادا إجتماعية وسياسية تؤدي إلى حظر الأحزاب السلفية، ومن ثم انكفاؤها مرة أخرى على العمل الاجتماعي والدعوي.

أما الاحتمال الثالث والذي يختتم دياب به رؤيته لمستقبل الحركة السلفية في مصر، فهو سيناريو متفائل يستند إلى تكريس نظام ديمقراطي تشارك فيه كافة القوى السياسية، بما فيها الأحزاب السلفية، مع تطوير خطاب سياسي يقبل بقيم اللعبة الديمقراطية، ومخرجاتها، وهو ما قد يعزز احتواء السلفيين واستدراجهم نحو خطاب أكثر واقعية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق