منوعات

كيف تغيّر قطعة دومينو مصير العالم؟

تخيل أن هناك شخًصًا ما اسمه «إريك» يملك كلبا اسمه «نوفا»، وبينما كان يتجول به في الشارع، قفز أرنب أمامهما فطارده الكلب حتى تاه من صاحبه، لتبدأ رحلة البحث عن «نوفا» بسؤال الجيران وتوزيع المنشورات لعل هناك من وجده. وبعد أسبوع من البحث بلا جدوى يفقد «إريك» الأمل، ويلعن سوء حظه متمنيًا لو لم يقفز ذاك الأرنب في ذلك التوقيت الخاطى لتُفلت يده زمام الكلب فيضيع للأبد. لكن بعد مرورأسبوع آخر يتفاجأ «إريك» بفتاة جميلة اسمها «فانيسا» تدق بابه ومعها الكلب، يشكرها «إريك» ويكّون صداقة معها. وبمرور الوقت يقع في حبها، وتصبح بعد ذلك شريكة حياته وأم أولاده، وبطبيعة الحال يتغير موقف «إريك» فيحمد الله على وجود «فانيسا» في التوقيت الصحيح لتجد هي «نوفا» وتعيده إليه ليلتقيا.. والسؤال هنا هل كان ضياع الكلب حدثًا جيدًا أم سيئًا؟

التغيير ثابت

في الواقع لا يمكن لأحد أن يجيب على هذا السؤال بشكل جازم، حيث يمكن أن تكون بقية القصة أن «إريك» انفصل عن «فانيسا» بعدما اكتشف خيانتها الموجعة له مع شاب آخر، وهكذا سلسلة من الأحداث التي تتفاعل مع ما كان قبلها وما سيحدث بعدها، ومن ثم نبدي نحن ردود فعل متغيرة على كل حدث على حدة، دون إدراك للصورة الكاملة التي تتشكل تدريجيًا لنصبح أمام لوحة سريالية من أعمال «سلفادور دالي» تمتزج فيها مشاعرنا وأحداث حياتنا دون إجابات واضحة.
و كما قال الفيلسوف «هرقليطس»: «الشىء الوحيد الثابت في الحياة هو التغيير المستمر»، لذا فمن الطبيعي أن يعدل الإنسان من قناعاته ويطور أفكاره ما يجعل منظوره يتغير حتى دون وعي منه بناءً على المرحلة الفكرية التي يمر بها، وهذا أحد أكبر التحديات التي تواجه الدول في العالم كله وبشكل خاص عالمنا العربي. فقد تطورت التكنولوجيا ورؤية الأجيال الصاعدة للحياة بسرعة لم تستطع الحكومات أن تواكبها حتى الآن، حيث يتعامل المسئولون مع قضايا اليوم بطرق الأمس ،وهو ما يأتي عادة بنتائج مفاجئة للمؤسسات التقليدية.

نظرية الدومينو

على الجانب الآخر يؤدي هذا التغيير المستمر لطريقة تفاعلنا مع الأحداث ولطبيعة الأحداث نفسها إلى بث طاقة أمل دائمة في نفوس الناس حتى في أحلك الأزمات، ما يجعلهم لا يفقدون أملهم في التغيير، حيث يمكن أن يكون الظلم مفتاحًا للعدل، ويمكن للهدوء أن يكون مجرد مقدمة للعاصفة، لأن الثبات في جميع الأحوال لا يدوم.

تلك التغييرات – خاصة الجذرية منها – غالبًا ما تحدث بشكل تدريجي، فيما يعرف بـ «نظرية الدومينو» حيث يكون سقوط قطعة واحدة فقط من قطع لعبة الدومينو كفيل بإسقاط كل ما بعدها. أحد أبرز الأمثلة على تلك النظرية هو ثورات الربيع العربي، التي بدأت بحادثة فردية لرجل بسيط ،صادرت الشرطة عربة الخضار التي كانت تعتبر مصدر دخله الوحيد، ليضرم «محمد البوعزيزي» النار في جسده احتجاجًا على البطالة، فيتصاعد الموقف تدريجيًا حتى يؤدي في النهاية إلى هروب «زين العابدين بن علي» رئيس تونس الأسبق خارج البلاد.

تغيير صغير.. تأثير كبير

ولتصبح النظرية أكثر وضوحًا انتقلت الثورة إلى مصر ثم بدأت موجة من الاضطرابات السياسية الواسعة في سوريا وليبيا والجزائر والسودان لاحقًا، وأعيد تشكيل سياسات ومصير العالم العربي كله فقط بسبب هذا الشاب اليائس الذي لم يكن هو ولا غيره يتصور أن تتطور الأمور إلى هذا الحد. من المؤكد بالطبع أنه وقبل واقعة «البوعزيزي» كانت هناك آلاف الوقائع المشابهة في تونس وخارجها والتي تراكمت عاما بعد عام لتنفجر في النهاية طاقة الغضب الشعبية.

وحتى على المستوى الشخصي يمكن لأبسط تغيير يدخل نظام حياتنا اليومية أن يؤدي إلى تغيير جذري في مظهرنا أو مزاجنا أو حتى طبيعتنا، فعلى سبيل المثال في دراسة أجريت عام 2012 طلب الباحثون من الناس أن يقللوا من أوقات الجلوس للاسترخاء يوميًا. و مع الوقت فقد المشاركون الوزن بشكل ملحوظ، على الرغم من أن الباحثين لم يطلبوا منهم أن يقوموا بتمارين رياضية أو يقللوا من أكلهم، لكن مع تقليل أوقات جلوسهم أمام التلفزيون قل معدل الأكل اللاواعي، وهو ما انعكس على أجسامهم بشكل طبيعي.

الباب المفتوح

يعتبر «تأثير نوفا» و«تأثير الدومينو» من ضمن قوانين الحياة الراسخة، فمهما كبر الإنسان وزادت خبراته الحياتية ستظل نظرته دائمًا محدودة، وأحكامه على الأشياء أو الأشخاص أو حتى أحداث حياته متأرجحة، فلا صواب مطلقا ولا خطأ مطلقا، بل مجرد اجتهادات ومحاولة لفهم الواقع وفق ما لدينا من معطيات، لكن تظل تلك المعطيات تتقلب هي الأخرى وتدهشنا بنتائج لم نكن نتوقعها.

ومهما بدا التغيير الذي نسعى إليه محدودًا، فإنه ربما يقلب أنظمة كاملة رأسًا على عقب، وقوانين كتلك هي ما تجعلنا نستمر موقنين أنه مهما بدا الواقع مأساويا، ومهما كانت خطواتنا بطيئة، سيبقى دائمًا هناك أمل بأن تلك الخطوات المتعثرة من الممكن أن تقودنا نحو واقع أقل مأساوية. فتغيير أنفسنا ومجتمعاتنا، هو احتمالية قائمة يمكن أن تحدث في لحظة فارقة، تسقط فيها قطعة دومينو واحدة دون قصد، فتكون البداية لسلسلة من الأحداث التي تغير قوانين اللعبة بأكملها.

المصدر: 

How to Create a Chain Reaction of Good Habits

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق