منوعات

غادة السمان وبليغ حمدي.. الحب على إيقاع الجنون

نختلف أو نتفق حول مكانة غادة السمّان الأدبية، بعضنا سيراها أكبر كاتبة عربية، وبعضنا الآخر سيقول إنها مجرد ساردة تعرف كيف تزين كتاباتها بزخارف لغوية. لكن الأكيد أننا لن نختلف إذا ما وصفناها بأنها سماء عاصفة تبرق وترعد وتمطر وحبلى بألف احتمال، فهى وقد جاوزت الخامسة والسبعين (ولدت في العام 1942) تنشر رسائل حب ملتهب كان قد بعث بها إليها الشاعر الشهير أنسي الحاج، وقت أن كانت هى وهو في ريعان الشباب، وكانت قبلها قد نشرت رسائل الأديب الكبير غسان كنفاني، ثم تواتر كلام عن قصص ربطت بينها وبين نزار قباني  وناصر النشاشيبى.

السيدة غادة جمعت المجد من أطرافه، فهى روائية وقصاصة وصحفية وابنة لوزير وقريبة لشاعر شهير جدًا هو نزار قباني وزوجة لناشر كبير هو بشير الداعوق، ثم محطمة قلوب الأدباء الذين سعوا خلفها ثم نشرت رسائلهم إليها ولم تنشر حرفًا من رسائلها هى إليهم، وهى في تلك النقطة لا تهتم بدموع قلوبهم كأنها بطلة قصيدة المتنبي التي وصفها بقوله.

أتراها لكثرة العشاق.. تحسب الدمع خلقة في المآقي.

غادة وبليغ وبينهما وردة

أخيرًا قدر لنا أن نرى وجهًا من وجوه غادة لم تظهره قط، وظهر رغمًا عنها بمصادفة قل أن يجود الزمان بمثلها.

الكاتب الصحفي أيمن الحكيم نشرت له هيئة قصور الثقافة قبل أيام كتابه «رسائل لها تاريخ..العوالم الخفية للمشاهير».

في هذا الكتاب طائفة من الرسائل المهمة مثل رسائل أحمد بهاء الدين وهيكل لجمال حمدان ورسائل عبد الناصر لفريد الأطرش ونزار قباني لرجاء النقاش، ولكنها كلها رسائل متوقعة بطريقة أو بأخرى يسودها التحفظ والطلبات الرسمية، المثير في الكتاب هو رسائل غادة عن حبها للموسيقار بليغ حمدي.

كيف وصلت يد أيمن لتلك الرسائل، خاصة وغادة لم تنشر ما كتبته من رسائل بل أحيانًا تنكر وجود رسائل منها أصلًا؟.

في مقدمة الكتاب يكشف أيمن حبكة القصة فيقول: «لقد وصلتني رسائل غادة عبر أحمد عثمان الكاتب المصري الذي هاجر إلي العاصمة البريطانية في العام 1965 واستقر بها، وكان بيته قِبلة لكل نجوم الفن والإبداع في زياراتهم للندن، وكان أحمد عثمان قد بدأ حياته صحفيا في أخبار اليوم وكان قريبا من كامل الشناوي، وكتب عدة أعمال للمسرح، وبدأ اسمه يلمع في أوائل الستينيات وربطته علاقة بسعاد حسني وكان بينهما مشروع زواج لم يتم، واكتشف أنها تستخدمه لإشعال غيرة عبد الحليم حافظ، وتزوج أحمد عثمان بعدها بنجلاء ابنة الموسيقار مدحت عاصم، وبسبب موقف مع الرقابة علي المصنفات الفنية هدد فيه الرقيب باعتقال أحمد عثمان قرر أن يهاجر من مصر، فاستقر به المقام في لندن، وذاع اسمه كواحد من أهم من كتبوا في المصريات، وأصبحت له نظريات باسمه في التاريخ الفرعوني، ربما أشهرها أن موسي واخناتون شخصية واحدة!

يحرص عثمان أن يزور مصر سنويا بشكل منتظم، وكان لي حظ أن ألتقي به، وفي واحدة من تلك اللقاءات تطرق حوارنا إلي صديقه بليغ حمدي وسألته: هل عندك تفسير مقنع لذلك اللغز المحير، سفر بليغ فجأة إلي بيروت في ليلة زواجه من وردة، ما الذي يجعله يترك وردة في الكوشة ويسافر إلي لبنان؟!

وببساطة أجاب أحمد عثمان: راح لغادة السمان!

وبنفس البساطة التي لا تتفق مع القنبلة التي فجرها أضاف: «غادة وبليغ كان بينهما قصة حب ومشروع جواز وكنت قريبا من الموضوع ، وجوابات غادة اللي بتشكي لي فيها من بليغ لسه موجودة عندي ، إن شاء الله افتكر أجيبهالك معايا في الزيارة الجاية»!.

الكاتب الصحفي أيمن الحكيم

لماذا غادة؟

كل الذين عاصروا قدوم المطربة وردة من الجزائر إلى القاهرة يعرفون تفاصيل قصة الحب المشتعلة التي ربطت بينها وبين بليغ.

أحمد عثمان يتذكر تلك الأيام فيقول: «ذهبت مع بليغ لحضور بروفة وردة لإحدى أغانيها وجلسنا حتى تنتهي البروفة، وبعد قليل جاءت وردة، ووجدتني أمام مشهد عاطفي حار بينها وبين بليغ والدموع في أعينهما من شدة الوجد، وكنت في غاية الإحراج من وجودي معهما في تلك اللحظة، لكنني أدركت أنهما نسيا الدنيا وما فيها، كنت أعرف أن بليغ يحب وردة وأن شقيقها «حميدو» يرفض زواجهما ويرافقها في كل مكان حتى يمنعها من رؤية بليغ، وأجبروها بعدها علي الزواج من زوجها الجزائري أبو  إبنيها «رياض ووداد».

لقد فشلت قصة الحب بسبب تعنت حميدو، ورجل مثل بليغ فيه الكثير من طبع الفَرَاشات، يذهب إلى الضوء الحارق بجناحيه.

قبل خمسين سنة كانت غادة السمان وفق ما نشره الكاتب الصحفي مهدى مبارك في مقال له بجريدة الدستور: «شابة جميلة، أنثى كاملة رغم صغر سنها، متمردة ومتحررة من العقد، وهو ما يجعلها جذابة بالنسبة إلى بليغ، الرجل الشرقى الذى خرج مؤخرًا من قصة حب فاشلة مع وردة، فأعجب بها، وطلب الزواج منها لأنه وجدها مشروع زوجة مناسبة تكمل «البرستيج الاجتماعى» الذى تمناه طوال الوقت حتى نشرت الصحف أنهما تزوَّجا- بالفعل– سرًا».

هل كانت علاقة بليغ بغادة تسير وفق «وداوني بالتي كانت هى الداء؟».

هل أراد بليغ نسيان وردة فلجأ إلى غادة؟.

القصة كما سنرى ستكون في أجواء عام الكارثة 1967 فهل هى فرار الفنان من ظلمة حالكة ضربت روحه بعد هزيمة قاسية؟.

بغداد موعدنا

متى التقي بليغ بغادة لأول مرة؟.

يقول أيمن الحكيم نقلًا عن أحمد عثمان: «كان بليغ شخصية عاطفية انفعالية سريعة التقلب، و(يحب علي روح) كما كان يصفه كامل الشناوي، ولذلك لم استغرب عندما وقع في غرام غادة السمان بعدما قابلها معي في لندن، وأذكر أن اللقاء الأول كان في مطعم عربي في العاصمة البريطانية اسمه (بغداد)، وكانت غادة وقتها في قمة شبابها وأنوثتها بالإضافة إلي شخصيتها الجذابة وطبيعتها البسيطة المتحررة الخالية من عُقد المرأة العربية، وهي مواصفات تعتبر جذابة وساحرة بالنسبة لفنان كبليغ، وسرعان ما تطورت علاقتهما من إعجاب إلي حب، وبدآ يخططا ن لمشروع زواج ، وكان بليغ وقتها قد فقد الأمل في الارتباط بوردة بعد زواجها وابتعادها، ووجد في غادة مشروع زوجة مناسبة».

لقد بدأت القصة من مطعم بغداد ثم تواصلت عبر مختلف العواصم حتى وصلت إلى القاهرة.

قال المخرج الكبير جميل المغازي ـ وكان من أقرب أصدقاء بليغ ـ لأيمن الحكيم: «إن غادة السمان كانت متحمسة للزواج من بليغ وجاءت إلي القاهرة لتتعرف بأسرته وأقامت في بيته لأيام بصحبة شقيقته صفية، ثم فوجئت أن بليغ تركها في شقته وسافر فجأة إلي باريس دون أن يخبرها»!.

بليغ حمدي

حرقة السؤال

كأن أيمن الحكيم قد خشى من رد فعل غادة بعد نشره لرسائلها فتوسل إلى قارئه بمنطق غادة نفسها، فهى التي قالت في تبرير نشرها لرسائل غسان كنفاني: «ما كنت لأقدم علي نشر تلك الرسائل – التي تعود بتاريخها إلي ما قبل ربع قرن من الزمن- لو لم أجد فيها وثيقة أدبية وسيرة ذاتية نادرة الصدق لمبدع عربي».

ثم هى التي قالت: «أدعو إلي إنشاء مؤسسة عربية ترعي هذا النمط من الوثائق لأضع الرسائل الأدبية الموجهة إليّ في حوزتها».

الرسائل ـ كما أسلفنا ـ هى من غادة إلى صديقها أحمد عثمان وزوجته نجلاء مدحت عاصم، ولكن بطلها هو بليغ حمدي، تلف غادة وتدور ثم تسأل بحرقة عن بليغ.

كتبت غادة في رسالتها الأولى: «ما أخبار بليغ حمدي وأين هو وأين سيكون وما عنوانه في القاهرة؟.

وإذا كان لا يزال في لندن، أرجو أن تعطيه عنواني أو تبعث إليّ بعنوانه، لم أكن أدري أنني سأشتاق إليه كثيرا».

وفي الرسالة الثانية تكتب: «أحمل لكما تحيات بليغ، وقد رغبنا في الكتابة إليكما أكثر من مرة، أحيانا شاكرين لأنكما كنتما سبب تعارفنا، وأحيانا ناقمين لأنكما كنتما سبب تعارفنا! وهو الآن ليس هنا ليكتب معي، هو في الكويت، وقد حدثني البارحة هاتفيا وسألني كيف سأقضي أيامي في غيابه فقلت له: سأكتب رسائل لأحمد ونجلاء!

كانت هنالك صورة يحتفظ بها صديق بليغ.. الواد الحمش اللطيف (غاب اسمه عن بالي) وهي صورتي أنا وبليغ الملونة التي التقطها لنا وديع حسن علي في بيته، هذه الصورة أرجو أن تبعث بها إليّ لأنها تحمل إليّ ذكري غالية وأود الاحتفاظ بها.

أبعث إليكما بهذه الصورة، وبصورتي أنا وبليغ لأننا نعلم حبكما لنا.. وقد يَسُرُّكما الاحتفاظ بها»

وفي الرسالة الثالثة تكتب: «نجلاء وأحمد، أيها الحبيبين. تأخرت في الرد لأنني كنت علي وشك السفر إليكما، ثم تأخرت بسبب عودة بليغ إلي بيروت فجأة. بخصوص بليغ فأنت محق في قلقك.. أخشي من أن نتزوج!

بالمناسبة، تلقيت اليوم رسالة من صفية أخت بليغ، وفي ردي أعطيتها عنوانكما في لندن، فبليغ في تونس، ولا يعرف أنني مسافرة للندن».

غادة السمان

حل اللغز

اختفى بليغ من حياة غادة فجأة كما كان قد ظهر فجأة، حتى يبدو كأنه المقصود بجملتها الشهيرة «أحببت رجلًا من ثلج فإذا ما جاء الصيف ذاب».

الحقيقة لم يكن هناك لغز، فقد عرف بليغ بطلاق حبه الأول وردة وعودتها إلى القاهرة فعاد لوردة مضحيًا بغرام كان مرسومًا على إيقاعات لحن مجنون.

لقد أعلن بليغ زواجه من وردة، فعرفت غادة، فترك بليغ مراسم الزفاف وطار إلى بيروت

يقول أحمد عثمان لأيمن الحكيم: «يبدو أن غادة غضبت أو هددت بشيء ما، فلا أستطيع أن أجزم بما حدث، لكن الذي عرفته منها أن بليغ ترك حفل زفافه في القاهرة وسافر إليها في بيروت، ثم عاد ليتمم زواجه من وردة وسط دهشة الجميع، مختلقا أغرب مبرر ساذج، فقد ادعي حسبما عرفت من الأصدقاء أنه سافر ليشتري بدلة الفرح من بيروت لأن الموديلات لم تعجبه في القاهرة»!

أين تقع قصة حب غادة لبليغ في أدبها؟.

على وجه القطع واليقين لن نعرف، فليس بين أيدينا سوى رسائلها التي تشبه الحب بالوكالة، فهي تكتب لصديقها وصديق بليغ عن بليغ!

 قد يكون بليغ هو فلان أو فلان من بين أبطال قصصها ورواياتها، وقد تكون هى عند بليغ نغمة مخبأة في قلب لحن.

نقشت غادة حضور بليغ إلى بيروت على جدار ذاكرتها.

يروي لنا أحمد عثمان تلك الواقعة فيقول: «بعدها بنحو أربع سنوات أخبرتني بأن حبيبها المجنون بليغ حمدي هبط عليها فجأة في بيروت وكاد عقلها يتوقف عندما رأته، فقد كان آخر إنسان تتوقع أن تراه في هذا اليوم، لأنه كان يوم زفافه علي وردة قرر في لحظة نزق عارمة أن يترك فرحه ومعازيمه ويطير إليها ليودعها الوداع الأخير».

 ولم يملك أحمد عثمان يومها سوي أن يطلق ضحكة صافية ويقول لها بسخرية: بليغ ممكن يعمل أي حاجة!.

مشهد النهاية يقدمه لنا الكاتب الصحفي مهدي مبارك فيقول: «خطَّط الداعوق لشهر عسل فى لندن، لكن غادة طلبت أن تسافر إلى القاهرة أسبوعًا فى البداية بحجة مراجعة الجامعة فى رسالة الدكتوراه، وسَرَت نميمة حينها بأنها كانت تسهر برفقة زوجها فى الأماكن التى اعتاد بليغ أن يسهر فيها حتى تكيده وتقهره وتثير غيرته، وهو الذى تعوَّد أن يسهر يوميًا، ويشرب كثيرًا حزنًا على شىء لا أحد يعرفه»… فهل كان هذا الشيء هو حبه لغادة؟

اقرأ أيضا:

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق