فن

محنة المُبدعين.. بين «مطبخ» يسري نصر الله و«سنتر» جلال الشرقاوي

أثار خبر تأجير مسرح الفن – جلال الشرقاوي- وتحويله إلى «سنتر تعليمي» لطلبة الجامعة، إستياء وغضب كل المهتمين بالفن والثقافة، خاصة وأنه جاء بعد فترة قصيرة من اعلان المخرج الكبير يسري نصر الله أنه يبحث عن عمل آخر بعيداً عن الإخراج، حيث كتب على تويتر أنه يبحث عن فرصة عمل كـ طباخ محترف، وذلك بعد أن توقف تماماً عن السينما حيث تعثر له مشروعان في السينما وآخر في التليفزيون، كما تعثر أكثر من مشروع سينمائي للكاتب الكبير وحيد حامد، وأيضاً المخرجة هالة خليل والمخرج محمد يس، وهو ما جعل الجميع يشعرون بالخطر على مستقبل الإبداع والفن في هذه الفترة، والتي تم فيها تجفيف كل منابع الإبداع والثقافة عن عمد ودون مبرر واضح، في الوقت الذي يتم فيه السماح لنوع محدد من الفن بالظهور والتواجد بل والترحيب به.

 وإذا كان هذا الحال مع هذه القامات الكبيرة صاحبة التاريخ الحافل من النجاح والتحقق والمسيرة الطويلة في عالم الفن، فكيف الحال مع المواهب الجديدة التي تبحث عن ضوء وشعاع أمل تبدأ به الطريق؟!

مسرح جلال الشرقاوي لمن لا يعرفه هو أحد قلاع المسرح والذي قدم أعمالاً كبيرة تعد علامات في تاريخ المسرح، وكان دائماً ضد الإرهاب والفاشية الدينية، و أيضاً ضد الفساد ومنها (عطية الارهابية، الجنزير، كاسك يا وطن، الخديوي، دستور يا اسيادنا، ع الرصيف، قصة الحي الغربي) وغيرها من الاعمال الهامة والناجحة تجاريا ايضا.

 

مسرح جلال الشرقاوي

رأس الحربة ضد الجهل والتطرف

طوال تاريخه كان الفن المصري رأس الحربة في مواجهة قوى الجهل والتطرف و ساهم بشكل كبير في تشكيل وعي الناس وإلقاء الضوء على قضايا و مشاكل اجتماعية لم ينتبه لها المسئولون إلا بعد أن تناولها الفن، وقد ساهم ذلك في تغيير قوانين وإصدار أخرى، والبحث عن حلول لمشاكل اجتماعية كثيرة، كان الفن سباقا في الحديث عنها، وقد قام بدوره كما يجب خلال هذه الفترة، لقد قرعت السينما أجراس الإنذار ضد الإرهاب والفكر المتشدد والذي توغل منذ منتصف السبعينات وتوحش في بداية التسعينات، ولعله من الواجب أن نقول إن مبدعا كجلال الشرقاوى كان من أوائل وأهم من تصدوا للإرهاب إلى جانب وحيد حامد، وغيره من نجوم و مبدعين آخرين.

بلا مسرح ولا سينما ولا تليفزيون

الأزمة الخطيرة التى يعيشها الفن المصرى حاليا و وصلت إلى قمة تجلياتها بتأجير مسرح الفن كسنتر تعليمى وبإعلان  المخرج السينمائى المبدع يسرى نصر الله البحث عن عمل خارج السينما والفن عموما، بدأت مع دخول رأس المال الخليجي في صناعة السينما وما ترتب عنه من ارتفاعٍ مبالغ فيه في أجور الفنانين، وظهرت كيانات احتكارية للسيطرة على صناعة السينما و تعظيم الربح، الأمر الذي أدى الى غياب التنوع فيما يُقدم والتركيز على السينما التجارية (أكشن و كوميدي) لأنها الأضمن في تحقيق إيرادات كبيرة وغابت أفلام المُبدعين أصحاب الرؤى المختلفة للسينما، وتحولت السينما من فن الى مشروع تجاري كبير، وبعد تدهور حالها هجرها الجميع و ذهبوا للدراما التليفزيونية بنفس الأدوات والمنطق مما أدى لتدهورها سريعا، بالطبع البحث عن الربح أمر ضروري لأن السينما في الأساس صناعة وتحتاج إلى رأس المال.. الأزمة في أن يصبح هذا هو الهدف الوحيد من الإنتاج السينمائي.

بطبيعة الحال الأمر لا يختلف كثيرا في المسرح، توقف الانتاج في القطاع الخاص بسبب ارتفاع تكاليف انتاج العمل المسرحي، من ديكور و ملابس و موسيقى وأجور نجوم هجروا بدورهم المسرح إلى الدراما التليفزيونية حيث الأجر الأكبر و المجهود الأقل، وأيضا الأزمة الاقتصادية التي جعلت الجمهور يبتعد عن مسرح القطاع الخاص بسبب ارتفاع سعر التذكرة، اما مسرح القطاع العام فأزمته اكبر حيث الروتين والميزانية المحدودة التي لا تجذب الأسماء الكبيرة، فاضطر هذا المسرح إلى الاعتماد على نجوم الصف الثاني والثالث (بصفتهم موظفين في وزارة الثقافة) وظهرت أعمال فقيرة انتاجيا وفنيا لا يشاهدها سوى العاملين في الوزارة والمسرح وأسرهم.

وبعد كل هذا التاريخ الكبير و الريادة في الفن أصبحنا بلا مسرح ولا سينما ولا حتى تليفزيون، وتفوقت علينا اعمال وليدة وحديثة العهد، من يُصدق اننا على مدار السنوات الأخيرة لم نجد فيلما مصريا يمثل مصر في مهرجانى القاهرة أو الأسكندريةّ!! وبالطبع لا وجود لنا على خريطة المهرجانات الدولية منذ فترة طويلة، والمتابع لشاشات القنوات العربية والخليجية سوف يكتشف أن المسلسل المصري تراجع وجوده في مقابل أعمال أخرى «عربية او مدبلجة».

وللأسف لم يهتم أحد بالبحث عن حل لما وصلنا اليه، ولا كيف السبيل للعودة للمكانة التي كنا عليها وتخلينا عنها بمحض إرادتنا؟.. الأمر ليس بالصعب ولا المستحيل، فقط نضع مصلحة صناعة الفن في قائمة أولوياتنا، سواء دولة أو افراد، نبحث عن الربح بجانب تقديم فن جيد ومختلف.. فن قادر على المنافسة داخل مصر وخارجها، هذا الأمر لن يتحقق الا بالتنوع فيما يُقدم، ومساندة السينما المستقلة، التي تم قتلها عمدا بعد ظهورها ونجاحها في جذب جمهور لها، ودعم تجارب الشباب والأفلام متوسطة التكلفة، فالساحة الفنية والثقافية تتسع للجميع ،والجمهور يحتاج للتنوع والتذوق.  

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: