فن

ماذا لو اخترع قاتلٌ دواء لكورونا.. أو أبدع متحرشٌ فنا عظيما

   كثيرا ما يخلط الناس بين المبدع والإبداع، بين الفنان وفنه. يفعلون ذلك على اختلاف ثقافاتهم، ومستواهم الاجتماعي. ولا أجد هذا الخلط يحدث في باقي المهن، فالناس لا تقلع عن التردد على طبيب ما، أو العمل مع محاسب ما، أو تسليم شققهم لمهندس ديكور، لإنه طلق زوجته اللطيفة مثلا، أو لإنه يشرب الخمر، أو لأي مسلك في حياته الخاصة لا يعجبهم طالما لا يؤثرذلك على عمله والخدمة التي يقدمها لهم. 

بالطبع لا يخلو الأمر من النميمة، أو السخرية المستترة، أو بعض الشائعات، إلا أن ذلك لا يؤثر على العلاقة المهنية بين مقدم الخدمة والعميل، وفي أحيان كثيرة، بين الرئيس والمرؤوس. فكل المطلوب من أصحاب المهن قاطبة هو إتقان عملهم، وعدم تأثير حيواتهم الشخصية على مسار العمل، إلا إذا اقترف صاحب المهنة جريمة، أو عملا مشينا، يُخل بالشرف المهني.. لكن –ولا أدري لماذا- يختلف الأمر تماما بالنسبة للفنان.

آفة عالمية

الخلط بين الفنان والفن، يتجلى على مستويات عدة، مثل:

– أن يكره المشاهد أحد الممثلين لإنه أدى دور الشرير ببراعة.

– أن يكره المتلقي أحد الفنانين أو المبدعين لإن له ممارسات في حياته الشخصية لا تعجب سيدنا المتلقي: يراها عيبا اجتماعيا، أو حراما دينيا، أو قسوة إنسانية، أو منافية لمبادئه، أو مضادة لقضيته… .

– أن يحب المتلقي أحد المبدعين لإنه قال تصريحا يروقه بصرف النظر عن المنتَج الفني الذي يقدمه ومدى جودته.

– أن يحب المتلقي فنانا لإنه يسلك سلوكا مقبولا اجتماعيا: على سبيل المثال، أن يؤدي ممثل مشهور العمرة أو الحج، أو أن ترفض فنانة من فنانات المجتمعات الشرقية القبلات في أفلامها ، أو أن تقوم فنانة بأعمال الإغاثة الإنسانية، أو أن يتبنى فنان قضية إنقاذ البيئة والحيوانات المقبلة على الانقراض في العالم الغربي. هذا تعاطف مبنيٌ على ما يمثله الفنان من قيم أكثر منه تقييما حقيقيا لمنتجه الفني.

والحقيقة أن هذا النوع من المشاعر- بالرغم من مشروعيته لإن الإنسان لا يملك التحكم في مشاعره- يظلم المنتَج الفني، وقد يهبط بالمستوى الحضاري والثقافي للمجتمع. فربما نجد ممثلا متوسطا، يحظى بإعجاب الجماهير، وربما يحصل على جوائز، لمواقفه السياسية أو الإنسانية. هو إنسان جيد جدا، إلا أن الحكم على منتجه الإبداعي من خلال مواقفه المتطابقة مع المعايير الاجتماعية أو الدولية الأخلاقية والإنسانية ظلم وإجحاف للمتلقي قبل أن يكون لفنانين آخرين، ينتجون إبداعا أكثر تميزا، لكن ليس لديهم ذات المواقف. وهذا الأمر لا يتعلق بالمجتمعات العربية والشرقية فقط، وإنما يبدو جليا في المجتمعات الغربية، ربما أكثر من مجتمعاتنا. فهناك الكثير من الأفلام التي حظيت بجوائز أوسكار لإنها مترعة بالصوابية السياسية، دون قيمة فنية حقيقية.

نماذج متشابهة

خبرنا في زمن الثورات، أن الفنانين الذين يناهضون الثورات الشعبية يتم عزلهم ووضعهم في قوائم سوداء، مثل ما حدث مع فنان كبير هو عادل إمام  صاحب الإسهام الفني واسع النطاق، والتأثير الذي لا يُنكر على أجيال متعاقبة في العالم العربي لا في مصر وحدها، والعكس صحيح مع الفنانين المؤيدين للثورة، فقد تم تمجيد الكثير من الفنانين المتوسطي المستوى الفني  لمجرد أنهم أيدوا الثورة…

عادل امام

وفي العالم الغربي، وتحديدا في هوليود، رفضت شركات الإنتاج التعامل مع  فنانين ومخرجين تم اتهامهم باقتراف جريمة التحرش، لم تجد الضحايا وسيلة لإثبات وقوع الجريمة، فاضطررن  للحديث علانية عما مررن به من تجارب مؤلمة مع نجوم الفن ، بينما تمت إدانة رومان بولانسكي، أحد أهم مخرجي هوليود، باغتصاب قاصر، على إثر ممارسته للجنس مع فتاة ليل كانت تبلغ من العمر وقتها 13سنة، تهرب بولانسكي من الحكم وانتهى مساره الإبداعي للأبد.

رومان بولانسكي

كما تم الحكم على هارفي واينستين بالسجن لمدة سنة بعد اتهامه بالتحرش. إلى جانب مقاطعة شركات الإنتاج لكيفين سبيسي الحاصل على الأوسكار لعدة مرات، بعد اتهامه بالتحرش أثناء تدشين حملة أنا أيضا أو مي تو.

هارفي واينستين

مقارنة كاشفة

الحديث عن هذا الأمر شائك جدا، ومثير لجدل واسع بين المراقبين والمتابعين وبين قطاعات الجمهور أيضا.

فمن جانب إنساني، من حق كل إنسان أن يرفض أو يقاطع أو ينبذ شخصا آخر، يرى في سلوكه أمرا مشينا، طالما أنه لم يطالب بقتله ولا شنقه ولا سحله في الشوارع. هو مجرد شخص يعبر عن رأيه وميوله عبر رفض مسلك ما قام به شخص مشهور. بل وربما يجد بعض أصحاب القضايا، في سلوك المشاهير، إيجابيا كان أم سلبيا، وسيلة جيدة لنشر أفكارهم والمناداة بمبادئهم، وهو حق مكفول لكل إنسان ولكل صاحب قضية.

كما أن الفنان مواطن، إذا ما اقترف جريمة، وجب عقابه، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية ضده، شأنه شأن أي مواطن اقترف جرما وخرق القانون.

إلا أنه، على الجانب الآخر، يرى آخرون أنه لابد من تثمين الفن وفصله عن الفنان. فالفن ضرورة حضارية، كالعلم تماما. ولم نسمع بإن الناس قاطعت شركات دواء لإن صاحبها تصرف بشكل سيء، مثال: عقار التاميفلو،  الذي تُصَنِّعه شركة يتملك بعض أسهمها دونالد رامسفيلد، وهو في نظر الملايين من سكان الأرض، مجرم حرب، تسبب في قتل الملايين في أفغانستان والعراق، وخداع الملايين من المواطنين الأمريكيين والأوروبيين، والزج بهم في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. إلا أن أحدا لم يقاطع عقار التاميفلو، بالرغم من الإدانة الواسعة التي يحظى بها دونالد رامسفيلد، والذي لا يحترمه سوى اليمين المتطرف في الغرب.

دونالد رامسفيلد

الأمر الذي يقودنا لبعض التساؤلات المشروعة:

هل مازالت البشرية تنظر إلى الفن نظرة احتقار مما يجعل المتابعين لا يرفعون المنتج الفني إلى مقام المنتج العلمي؟

أم أن الأمر متعلق بالمصلحة البحتة؟ فلو أن الناس تسنى لهم الاستغناء عن عقار ما تنتجه شركة يملكها  شخص لا يشعرون بالارتياح لتصرفاته أو مسلكه، وذلك باستخدام عقار بديل، فإنهم سيقومون بمقاطعة هذا العقار؟

الحقيقة أنه لم تكن هناك حملات تدعو لمقاطعة عقار التاميفلو تحديدا، بالرغم من وجود بدائل له، وبالرغم من أن أحد منتجيه مجرم حرب.

عقار التاميفلو

إلا أنه كان هناك حملات لمقاطعة عدد كبير من المخرجين والمؤلفين والممثلين لأسباب تتعلق بسلوكياتهم التي قد تتعارض مع القيم الأخلاقية، أو القضايا الإنسانية.

الحقيقة أن الفنانين المبدعين لبعض ألوان الفنون التي تتطلب قدرا عاليا من الثقافة، لا يقعون ضحايا لحملات التجريس. وهذا أمر ملفت للانتباه.

على سبيل المثال: فإن الفنان التشكيلي العالمي الأسباني الأصل، بابلو بيكاسو، والذي أثرى الإنسانية بأعماله التشكيلية، ونقل الفن التشكيلي الأوروبي نقلة نوعية في تحرير الإبداع، كان مستغلا للنساء بشكل منهجي، يمارس عليهن العنف النفسي والابتزاز العاطفي. إلا أنه لم يقع ضحية حملات المقاطعة والتجريس، ببساطة لإن العامة لا يتابعون الفن التشكيلي. حقيقة أنه في وقته وزمنه لم تكن قضايا المرأة وحقوقها تحظى بالاهتمام الذي تحظى به الآن، إلا أننا يجب أن ننوه هنا أن رومان بولانسكي يدفع ثمن جريمته بأثر رجعي. فقد مارس الجنس مع طفلة في الثالثة عشرة من عمرها في عام1977وكانت1977، تستغل من قبل أسرتها وتعمل كفتاة ليل، وبالرغم من ذلك، فإنه عوقب بأثر رجعي وانتهى إلى الأبد.

بابلو بيكاسو

وإذا كان الفنان مواطنا عاديا شأنه شأن أي مواطن آخر، وإذا كان الفنان ملزم بدفع ثمن تصرفاته وسلوكياته، وإذا كان الفنان لا يجوز أن يتم إعفاؤه من العقوبة الأخلاقية والقانونية والاجتماعية، لإن فنه لا يشكل حصانة له كمواطن، فلابد من إيجاد وسيلة لفصل منتجه الفني عن شخصه.

المنتج الفني، سواء كان مكتوبا أم منظورا أم مسموعا، هو أحد أعمدة الحضارة الإنسانية، وهو يقدم، سواء بوعي من المبدع أو بدون  وعي منه، ثراء إنسانيا وحضاريا، وهو لا يقل أهمية عن المنتج العلمي كالأبحاث العلمية، والصناعات الكيميائية والإلكترونية وغيرها.

وعلى سبيل المثال إذا ثبت أن عالما ما اخترع عقارا لعلاج وباء الكورونا الذي يحبسنا جميعا في بيوتنا الآن، ثم ثبت أن هذا العالم اقترف جريمة قتل، فإن الإنسانية عليها أن تنتفع بالعقار، وعلى الجهات  المسئولة الزج بهذا العالم في السجن.

ماذا لو أن مسلك ذلك العالم كان مشينا لكن ليس للضحية سبيل لإثبات ما وقع عليها من جريمة، مثل جريمة التحرش، أو جريمة العنف المنزلي، أو جريمة العنف النفسي ضد الأطفال والنساء؟

ليس للقانون دور هنا. وإنما يختار الناس آلية «التجريس»، وهي آلية لا بأس بها. ربما يختار الناس تجريس ذلك العالم، لكن أبدا لن يختاروا طواعية التنازل عن تناول العقار الذي يشفي أو يقي من الكورونا. ولن تختار شركات الأدوية مقاطعة العقار لإن فريق العمل الذي اخترع هذا العقار، يضم أحد الرجال المعروف عنهم ممارسة العنف الزوجي مثلا .

هذا ما لم يتمكن الفنانون والمبدعون من الوصول إليه من مكانة. الناس لا ترى أن المنتج الفني ضروري كالدواء، ومن ثم، لا بأس من التضحية به لإن صانعه اقترف جريمة. وهم لا يكتفون بإن تقع العقوبة على شخص الفنان المنتج للعمل، سواء كانت عقوبة قانونية، أو فضيحة اجتماعية، وإنما يقطعون السبيل على منتَجه الفني، الذي قد ينفع البشرية بصرف النظر عن مسلك منتجه.

نقطة

الادعاء بإن صاحب المسلك السيء لا يمكن أن ينتج فنا جيدا. هذا محض هراء. صاحب المسلك السيء يمكن جدا، بل غالبا، ينتج فنا جيدا وقيما وثريا، وقد ينتج إسهاما علميا ينقذ الإنسانية «الواحد مش عايز يقول لكم آينشتاين كان بيعمل إيه في مراته»، وهناك الملايين من الأناس الطيبين الذين يلتزمون بالقيم والإنسانية والأخلاقيات والدين، ولم ينتج أحدهم ما ينفع البشرية، لا فنا ولا علما ولا نضالا لخدمة قضية، ويقتصر إسهامهم الإنساني على مساعدة المحيطين بهم.

لذلك، لابد من آلية لفصل صاحب المنتج الفني عن المنتج ذاته، بحيث يتم إيقاع العقوبة المستحقة على مقترف الجريمة، دون أن تُحرم الإنسانية من إسهامه الحضاري.

تنويه

ليس من شأن الناس التدخل في حياة شخص ما، فنانا كان أم عالما أم بائع خضروات، طالما أن مسلكه لا يصيب الآخرين بالضرر. فليس للناس حق الحكم على الآخرين بسبب أفعالهم وتصرفاتهم، أو ديانتهم، أو سلوكياتهم الاجتماعية، وعاداتهم اليومية، طالما أن ضررا لم يقع من قبلهم على الآخرين..

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق