فن

«الإمبراطور» بين الأصل و الصوره

ربما ليس من المنطق ولا العدل الحكم على عمل فني لازال في مرحلة «المشروع»، لكن الضجة التي صاحبت الإعلان عن نية الفنان محمد رمضان في تحقيق أحد أحلامه بتقديمه مسلسل «الإمبراطور» عن سيرة الراحل أحمد زكي صاحب الموهبة الإستثنائية ، تدفعنا للتأمل في أسباب موجة الرفض التي وصلت لحد الهجوم علي  رمضان أو «الأسطوره» كما تلقبه جماهيره.

فهل سيرة الأسمر الراحل «خط أحمر» لا يمكن الاقتراب منها بشكل عام، أم أن الرفض يخص «البرنس» بالذات، نظرا للانتقادات التي لم تتوقف مع كل اختياراته الفنية والتي دفعت البعض لاتهامه بإفساد أجيال من الشباب والأطفال، لكنها امتدت أيضا سلوكياته وتصرفاته التي لم تسلم أيضا من الانتقادات.

محمد رمضان يقلد أحمد زكي

هل تتعلق أسباب الرفض بالأداء وبتوقعات مسبقة من البعض بفشل «الأسطورة» في ترجمة روح الراحل أحمد زكي، مشاعره و أحاسيسه و مجمل ملامحه الداخلية، وذلك قياساً على تجارب سابقة قدمها رمضان، سواء تلك التي أطل من خلالها في «مسلسل السندريلا» أو في بعض البرامج، حيث راح «يقلد» ولا «يجسد» صاحب الموهبة الإستثنائية المتفردة التي كانت و ستظل محفورة في وجدان وذاكرة الجماهير؟

محمد رمضان ومنى زكي في مشهد من السندريلا

هل تتعلق أسباب الرفض بالأداء وبتوقعات مسبقة من البعض بفشل «الأسطورة» في ترجمة روح الراحل أحمد زكي، مشاعره و أحاسيسه و مجمل ملامحه الداخلية، وذلك قياساً على تجارب سابقة قدمها رمضان، سواء تلك التي أطل من خلالها في «مسلسل السندريلا» أو في بعض البرامج، حيث راح «يقلد» ولا «يجسد» صاحب الموهبة الإستثنائية المتفردة التي كانت و ستظل محفورة في وجدان وذاكرة الجماهير؟

 هل ترجع التوقعات بالفشل إلى أن الراحل نفسه كان واحداً من أبرز الموهوبين في «التشخيص» والتقمص كما شاهدناه في سير العديد من الشخصيات مثل طه حسين أو ناصر أو السادات، مع استثناء حليم لخصوصية التجربة وظروفها، حيث قدمها و هو علي فراش مرضه الأخير، فلم يتمكن من أن يصول و يجول كعادته في «التشخيص».

مشهد من فيلم ناصر 56

 أثار هذا الجدل في الإعلام وعلى السوشيال ميديا سؤالا فنياً حول الفرق بين «التقليد » و «التشخيص» أو التقمص؟ ولماذا نجح أحمد زكي بينما فشلت أسماء أخري عند خوضها تجربة السير الذاتية، كما أثار سؤالا إنتاجياً: لماذا تقرر تقديم سيرة أحمد زكي الآن؟ وهل للتوقيت علاقة برحيل ابنه هيثم ومن ثم باتت الساحة خالية من أي اعتراضات من الورثة، كالتي عطلت مشروعات وأعمال سابقة لاحقتها القضايا والمنازعات؟

أما السؤال الثالث فهو سؤال جماهيري، فهل تهتم جماهير أحمد زكي بتوثيق حياة نجمها المفضل بالفعل أم أن ما يهمها حقيقةً هو أعماله التي لازالت تلقي نجاحاً كلما عرضت على الفضائيات؟

 هل في حياة الراحل ما يشجع على التناول الدرامي، وهل سيقترب العمل من «المسكوت عنه» في حياته؟ وماذا عن النجوم الذين شاركوه رحلة الحياة والفن سواء من اختلف و انفصل عنه أو أولئك الذين لعبوا دورا هاما في حياته الشخصية ومسيرته الفنية؟

داخلي .. خارجي

في حوار تلفزيوني للراحل أحمد زكي راح يفند الفروق بين «التقليد» و «التشخيص»: «التقليد هو إظهار لقطة ما في إنسان معين و إبرازها، وهذا يفسر لماذا يثير «التقليد» السخرية و الضحك، حتي لو كنا نقلد شخص يبكي في موقف ما، بينما «التشخيص» علم آخر مختلف تماما فهو القدرة على أن تتيح للمشاهد رؤية تلك الشخصية من «الداخل»، أن اتفهم روحه، مشاكلها، و مجمل العوامل التي ساهمت في تشكيلها حتي أتمكن من ترجمتها، حتي نظرة العين لا يمكن إجادتها ما لم أتفهم كل التفاصيل الخاصة بحياة الشخص الذي سأجسد سيرته، باختصار «التشخيص» هو القدرة على الجمع بين الشكل الخارجي للشخصية .. حركاتها، صوتها، ملامحها، و بين الداخلي من مشاعر و أحاسيس ستنعكس إيجابا أيضا على الشكل الخارجي.

ما قاله الفنان أحمد زكي أكده د. مدحت الكاشف عميد المعهد العالي للفنون المسرحية، والذي كان رئيسا لقسم التمثيل و الإخراج قبل أن يتولي منصب العميد حيث يؤكد أنه لا علاقة بين التقليد و التمثيل، فالأول فن محدود النطاق قائم بذاته لا يبرع فيه الجميع، بينما التمثيل (التشخيص) فن أخر متسع ومركب قائم علي مفاهيم أخري و أسس مختلفة.

د. مدحت الكاشف عميد المعهد العالي للفنون المسرحية

وفي حال تجسيد الممثل لشخصية تاريخية مثلا أو أخري معروفه لدينا، يجب عليه القيام بدراسة واعية في محاولة لتقريب هذه الشخصية للجمهور، خصوصا لو كانت شخصية قريبة منهم و يعرفونها بشكل جيد، فيما يطلق لخياله العنان في حال تقديمه لشخصية معروفه ولكننا لم نعاصرها مثل نابليون بونابرت مثلاً، أو الملك ريتشارد الثالث، و بالطبع يختلف الأمر من فنان لآخر في أسلوب تناوله لتلك الشخصيات.

أما ما يخص الفنان أحمد زكي بالذات، فقد حرص عند تقديمه شخصيات مثل طه حسين أو جمال عبد الناصر و السادات لأن يغوص في تفاصيل حياة هذه الشخصيات و أن يحكم قبضته عليها و في النهاية قدمها لنا كشخصيات درامية وليست كشخصيات حقيقية، بعكس البعض الذين يقعون في فخ التقليد السطحي.

مشهد من فيلم أيام السادات

هكذا كان الموهوب الأسمر يتفهم طبيعة مهمته كفنان، لذا كان يغضب و بشدة عندما يمدحه البعض قائلا: «لقد أجاد أحمد زكي تقليد شخصية الزعيم جمال عبد الناصر أو غيرها»، فمثلا عندما أُسند له تجسيد شخصية عميد الأدب العربي طه حسين عكف الراحل وكما حكى في حوارات صحفية و تلفزيونية عديدة على قراءة كتاب الأيام لفك طلاسم الشخصية من بين سطوره، كما حرص على لقاء د.محمد حسن الزيات زوج ابنة الأديب طه حسين  ليتعرف من خلاله على طه حسين الإنسان وليس فقط المفكر والأديب. في العمل الدرامي الشخصية هى الأهم  لأن الأعمال الأدبية موجودة و وجهات النظر معروفة ويمكن لأي شخص أن يطلع عليها، لكن الإنسان الذي قدم كل هذه الإبداع مجهول لدي الجماهير.

الوزير. محمد حسن الزيات زوج ابنة الأديب طه حسين

كما قام زكي بدراسة ما يقرب من أربعين شخصية من فاقدي البصر قبل قيامه بدور عميد الأدب العربي، منها الضرير الذي ولد فاقدا للبصر، وكيف يتصرف داخل المكان، والذي فقد بصره بعد أن رأى النور، والأعمى الذي عاش مبصرا ثم أصيب، أو الذي غاب بصره إثر حادث ما، مشيرا لأن كل شخصية تختلف عن الأخري في تعاملها مع فقدان البصر.

أيضا كان الراحل حريصا على إجادة اللغة العربية إجادة تامة و لهذا استعان بأستاذ من الأزهر الشريف يساعده على قراءة القرآن وإتقان اللغة العربية. حكى الراحل أحمد زكي كيف انتقدته الفنانة أمينة رزق في أول بروفة جمعتهم، حين أخطأ في قراءة بعض الكلمات، ومن ثم قرر أن يثبت لها و لكل من تشكك و سخر من إختيار العلمي له بأنه بالفعل الأحق بهذا الدور، ما دفع أمينة رزق لاحقاً وأمام هذا التحول و الإندماج بوعي في أداء الشخصية لأن تعتذر له و تثني علي أدائه.

مشهد من مسلسل الأيام

طموح ومخاطر

 يعلق زكي على سؤال عن التعدد الكبير للشخصيات المتناقضة التي جسدها ببراعة ضاحكا: «أنا شوية شخبطة سهل تشكيلها إذا لعبت بها على هذا النحو فتخرج لك شخصية بواب، ولو لعبت بها بطريقة أخري ستخرج منها بشخصية ضابط، و لو قلبتها حتطلع بـ حسن هدهد أو منتصر أو… أو..»

هكذا وببساطة يلخص قدرته على «التشخيص» و الانتقال من نمط لآخر بمنتهي السلاسة، لذا سكن قلوب الناس بصدق موهبته، ما يجعلنا نسأل مجددا هل الفنان محمد رمضان سينجح في تحقيق هذه المعادلة الصعبة؟

د. سامية حبيب أستاذ النقد و الدراما بالمعهد العالي للنقد الفني من جانبها لا تشكك في موهبة الفنان محمد رمضان ونجاحه في أدوار كثيرة قدمها، مشيرة إلى أن إصراره على تقديم نمط سلبي محدد كانت هي السبب وراء الانتقادات التي طالته، أما فيما يتعلق بتجربته في تجسيد سيرة الراحل أحمد زكي فتتوقع حبيب أن «يلعب» رمضان بين التقليد والتقمص ، بمعنى أنه سينجح في تقليد ملامح الراحل من التعبير بنظرة عينه، طريقه كلامه إلى آخر هذه التفاصيل، لكنها تشك في إمكانية ترجمته «للغة الجسد» والتي كانت تميز الأسمر الراحل، باختصار ترى أن أداء رمضان سيتراوح بين التقمص في مناطق والتقليد في مناطق أخرى.

د. سامية حبيب أستاذ النقد و الدراما بالمعهد العالي للنقد الفني

أما ما يتعلق بخصوصية بهذه السيرة وهل ستكون ذاتية بكل ما فيها من حقائق فلا تظن د. سامية حبيب أنها سترضي جماهير أحمد زكي،  وفي حال أن العمل سيقوم على سيرة زكي الفنية، تتسائل د. سامية عن الداعي لها خصوصا وأن أعماله متداولة ومتاحة وتشبع جمهوره بعطائه الفني، بمعنى أدق «لدينا الأصل».

في النهاية ترى د. سامية أن هذا العمل يحمل طموحا كبيرا و في نفس الوقت مخاطر كثيرة في حال لم يوفق كما حدث في سيرة «السندريلا» و«العندليب»، مشيرة إلى أن دراما السير الذاتية أحيانا كثيرة يجانبها التوفيق لأن الجمهور ربما لا يتقبل أداء ممثل عن ممثل آخر خصوصا لو أن الأخير قدم أعمالا لا تزال محفورة في وجدان جماهيره.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: