رؤى

الكتب العشرة المؤسسة للعنف.. «معالم في الطريق» لسيد قطب.. الحاكمية وتكفير المجتمع (٢) 

مقدمة
 ثمة حالة من الجدل عرفتها مجتمعات عديدة بين النص الحركي المتشدد وبين السياق الاجتماعي والسياسي الذي يُطرح فيه، وهو جدل عادة ما يخلق مناخاً مواتياً يستلهمه فاعلون اجتماعيون وسياسيون للاتجاه نحو العنف والتطرف.
تعرف “أصوات” أن كل نص متطرف يقود إلى العنف إنما يحتاج إلى سياق اجتماعي/ سياسي داخلي أو خارجي لكي يتحول إلى بندقية ورصاصة وتفجير إرهابي مفخخ .
ولكنها تعرف أيضاً أن هذا النص المشحون بالعواطف موجود دائما  لاختطاف العقول والقلوب في اتجاه الدم منتهزا فرصة أول سياق اجتماعي مواتي.   
ولهذا فإنه دون القيام  بحصر شامل لأهم مصادر هذا النص الواحد/ المتعدد، المعتمدة من الجماعات المتشددة، ودونما تقديم عمل نقدي شامل لهذا الفكر من وجهة نظر علم السياسة ومن خلال الخبرة التاريخية للديناميات الداخلية- لهذه الجماعات،  بعبارة أخرى: بدون تفكيك هذا النص الجاهز باستمرار للاستخدام من قبل متطرفين من أول النظام الخاص للإخوان المسلمين مرورا بالتكفير والهجرة وانتهاءً بداعش فان تغيير السياق الاجتماعي لوحده سيفشل في وقف التطرف بزعم الجهاد.
إن قراءة  النصوص المؤسسة للتشدد وإنتاج العنف والتطرف ونقدها وطرح السياقات التي أنتجتها والظروف التي أحاطت بها، من شأنه أن يقدم هذه النصوص وقد نُزعت عنها هالات التقديس والمكانة التي تجعل بعض الشباب يأخدون أفكارها مأخذ التسليم والقبول وكأنها – ومن كتبها – تعلو على النقد  والتفكيك  والمراجعة.
إن المساعي الجادة لإعادة  الوجه الحقيقي للإسلام  الذي يحرم القتل والإرهاب والفساد في الأرض؛ يستلزم حصر هذه الكتب وتسميتها باسمها  وتقديم تشريح موضوعي لأفكارها الخطيرة؛ وبالتالي فعندما يذهب شاب  في المستقبل إلى كتاب من هذه الكتب العشرة سيذهب إليه وهو يعرف أنه لا يقرأ  كتابا عادياً في الفقه أو الفكر الإسلامي، سيذهب إليه وهو مسلح بنقد منهجي يكشف حقيقته وانحراف أفكاره عن مقاصد الإسلام الكبرى، باختصار  يذهب إليه وهو يعلم أنه جزء من خلية عنقودية من الكتب راكمت بعضها بعضا وزاد كل محدث فيها على ما سبقه من الكتب مزيداً من التشدد والمفاصلة، ومزيداً من التوحش في ممارسة العنف .
لهذا كله تحمست “أصوات” لهذا الجهد الفكري للباحث المرموق في العلوم السياسية وشؤون الجماعات الإسلامية  الدكتور كمال حبيب ـوهو من أخبر الناس في هذا الحقل المعرفي – لاختيار أخطر عشرة كتب مؤسسة للتشدد وعرض أفكارها بأمانة ثم نقدها بأمانة، وذلك عبرسياق زمني يبدأ بالكتاب المؤسس الأول ثم الثاني الذي أخذ عنه وعمق أفكاره وزادها حدة وشراسة وهكذا دواليك.. 
نبدأ هنا بكتاب “المصطلحات الأربعة في القرآن لأبي الأعلى المودودي” الذي وضع الأساس النظري لأفكار الحاكمية والجاهلية والتكفير منذ ٨٠ عاما. ونقلها عنه وسار عليها وعمقها وأعطاها سياقاً عاطفياً ولغوياً متماسكاً بالعربية منظر جماعة الإخوان المسلمين سيد قطب في كتابه “معالم على الطريق” الذي يكاد أن يكون النسخة العربية الأكثر إحكاما من كتاب المودودي، ثم تلتها كتب أخرى.

أصوات

يبدو لي أن عام 1955 كان عاما فاصلا في التحولات الفكرية التي طرأت علي مؤلف الكتاب. قبلها بعام كان سيد قطب قد اعُتقل – بعد عام من المحاولة الفاشلة لاغتيال عبد الناصر في الاسكندرية – وبقي في السجن ما يقرب من تسع سنوات كاملة حتي خرج عام 1964 بإفراج صحي، قبل أن يُعتقل من جديد عام 1965 ويُنفذ فيه قرار المحكمة بالإعدام في أغسطس عام 1966.

كتب سيد قطب خلاصة اعترافاته في قضية تنظيم عام 1965 في كتيب بعنوان “لماذا أعدموني؟”، ونرجح أنها اعترافات حقيقية وأنه كتبها بدون أي إكراه.

سيد قطب لماذا أعدموني
سيد قطب لماذا أعدموني

وفيها يحكي قطب كيف انضم للإخوان عام 1953م ، ويركز على الفترة ما بين عام 1955 – 1962 التي يصفها بأنها كانت فترة التحول الفكري الرئيسي في حياته ، ويشير أحمد عبد المجيد عبدالسميع – أحد تلاميذ سيد قطب المقربين – في كتابه ” الإخوان وعبد الناصر .. القصة الكاملة لتنظيم 1965 ” إلي أن قطب كان يعيد نظرته لفهم الدين من جديد في هذا الوقت، فطلب كتبا متنوعة كان أكثرها لأبي الأعلي المودودي وعلي رأسها كتابه “المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم” (الأول في هذه السلسلة)، بالإضافة إلي كتبه الثلاثة الأخرى ” مبادئ الإسلام ” و”شهادة الحق ” ، و” الإسلام والجاهلية “.

المودودي وسيد قطب وحسن البنا
سيد قطب بين المودودي وحسن البنا موردين للتشدد

وقد بلغ تأثر قطب بأفكار المودودي حدا كبيرا لدرجة أنه أقدم على تنقيح تفسيره “في ظلال القرآن” بناءً علي هذه التحولات الفكرية الجديدة والتي لعب ” أبو الأعلي المودودي ” المفكر الهندي ثم الباكستاني دورا كبيرا في فتح النوافذ مشرعة لها إلي أقصي الحدود.

ويضيف عبد السميع أيضا أن سيد قطب كان قد بدأ في هذه الفترة في تسريب أوراق من السجن بعناوين ذات دلالة مثل “خيوط خطة” و”جولة في العقيدة والحركة”، و”من نحن”، وهي التي شكلت فيما بعد جوهر كتابه “معالم في الطريق” الذي صاغه في السجن قبل خروجه  منه عام 1964 ، وجعله جزءاً من الأربعين كتابا التي اعتبرها منهجا لبناء عقيدة الشباب الجديد في تنظيم 1965 الذي تبنى رؤيته الجديدة والتي قامت على أن العقيدة هي جوهر بناء الأفراد وتغيير المجتمعات المسلمة، وليس القيام بانقلاب سياسي من أعلي من أجل إقامة نظام حكم إسلامي .

سيد قطب أثناء مُحاكمته
سيد قطب أثناء محاكمته  بسبب الطابع التآمري المسلح لتنظيم 1965

كان قطب قد  وصل إلي قناعة نفسيه وفكرية عميقة ملكت عليه نفسه وروحه  بأن المنطقة العربية ومصر تواجه مؤامرة صليبية استعمارية  ومؤامرة يهودية صهيونية  هدفها إضعاف الروح الدينية والأخلاقية لمجتمعاتها وإشاعة أجواء الانحلال والبعد عن الإسلام، لقد تحول المجتمع في نظره إلي “مستنقع كبير”!! ، وأن هذه المجتمعات قد تفشت فيها الجاهلية حتي أغرقتها، وأن حالها عاد كما كان المجتمع الجاهلي المكي الذي أرسل إليه النبي (صلي الله عليه وسلم )، ومن ثم تبدأ الحركة والدعوة من نفس النقطة التي بدأ فيها الإسلام .

وتشير المعلومات الموثقة إلي أن الطبعة الأولي من كتاب ” معالم في الطريق ” قد نُشرت بمكتبة وهبة بالقاهرة عام 1964م وأنها نفدت بسرعة وأعيد طباعة الكتاب مرات عديدة في زمن متقارب، وهو ما لفت نظر أجهزة الأمن وقتها لمدي تأثير الكتاب علي قطاعات معينة من الشباب الإخواني، فكان يتم سؤال من يقبض عليه قبل اكتشاف التنظيم عام 1965م عن علاقته بالكتاب وهل قرأه أم لا ؟ ، حيث بدا بوضوح وقتها أن حركة نشر الكتاب تشير إلي وقوف حالة تنظيمية  وليس مجرد حالة فكرية خلفه.

غلاف كتاب معالم في الطريق
معالم في الطريق.. النص الذي فتح الباب للتكفير والهجرة وحماعات الإرهاب

يتكون الكتاب من اثني عشر فصلا؛ ثمانية منها كتبت علي فترات متفاوتة .. أما الفصول الأربعة الأخرى فكانت مستخرجة من كتاب ” في ظلال القرآن ” في نسخته الثانية المنقحة، وهى الفصول التي أدت لحدوث انشقاق فكري داخل الإخوان، حيث اتهم فريق منهم الفريق الآخر ( المتاثر بافكار سيد قطب والكتاب ) بتكفير الناس والمجتمعات والحكم عليها بالجاهلية ، وهو ما قاد في عام 1969 إلي صدور كتاب ” دعاة لا قضاة ” للرد علي أفكار سيد قطب ، بيد إن المثير في الأمر أن مؤلف الكتاب لم يذكر اسم المؤلف ( سيد قطب ) بالاسم أبدا ولكنه كان يرد علي أفكار المودوي في كتابه الأكثر تأثيرا علي ” سيد قطب ” وهو “المصطلحات الأربعة” ، وهو ما فسره البعض بمنع الإشارة إلي ” سيد قطب ” أو شئ من كتبه خاصة بعد إعدامه.

‎بيان ليوتوبيا بلا أدوات:

1- قيادة البشرية

يبدأ الكتاب بمقدمة هادرة تضع العالم علي “حافة الهاوية .. والفناء المعلق علي رأسها ” ، ” ولا بد من قيادة جديدة للبشرية، وأن ” الإسلام والأمة هما المؤهلان للقيادة .. لذا لا بد من إعادة وجود هذه الأمة لأن وجودها قد انقطع منذ قرون” ، ويستخدم قطب تعبير “البعث” كخطوة أولي من أجل تسلم قيادة العالم من جديد .

‎2- يوتوبيا حالمة

مقدمة الكتاب تمثل فاتحة تعكس بعمق الأفكار الجديدة التي يتبناها المؤلف، والتي تمثل ” يوتوبيا ” حالمة تجاه واقع مأزوم يفتقد فيه المؤلف ما يمكن وصفه ب” الفردوس المفقود ” ، من خلال فقدان الأمة للقيادة بسبب سطوة الجاهلية علي العالم وبسبب غياب حاكمية الله وسلطانه “العالم كله يعيش في جاهلية ” ، ” تقوم علي أساس الاعتداء علي سلطان الله في الأرض وهي الحاكمية .. التي تدعي وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله في الحياة ” .

‎3- انقطاع عن الواقع

لا يقدم المؤلف خطة لتحقيق تلك اليوتوبيا  سوي مزيد من اليوتوبيا التي لا تزيد عن كونها إشارات أو معالم في الطريق دون توضيح ماهو الطريق ذاته بشكل محدد، وكيف يمكن العبور من خلاله لتحقيق الأهداف الكبيرة التي وضعها المؤلف .. وحين يبدو أننا نضع أيدينا علي بعض ما يشفي الغليل فيما يتعلق بالوسائل والأدوات والمناهج العملية التي يقترحها قطب، فإننا نفاجئ بمزيد من الإغراق في اليوتوبيا .. فالطليعة المرجوة والعزلة والمعالم لا تزيد عن كونها جزء من اليوتوبيا التي تعكس حلم صانعها دون صلة حقيقية أو وثيقة بالواقع .

4- استعادة مستحيلة لجيل الصحابة

يحلم المؤلف بجيل تمامي خالص لا يعرف مصدرا للتعلم سوي القرآن الكريم .. ” كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يريد صنع جيل خالص القلب ، خالص العقل ، خالص التصور ، خالص التكوين من أي مؤثر آخر غير المنهج الإلهي الذي يتضمنه “.

والحق أن فكرة الجيل الخالص التمامي الذي يصعد في تماميته حتي يبدو وكأنه ملك قد تجاوز عامل الطين وتأثير الطبيعة الإنسانية ووساوسها ونزعات الشيطان في مغازلتها وإغوائها وإغرائها هي فكرة حالمة لن تتحقق بهذا المفهوم الذي طرحه المؤلف علي الأرض، وإذا كان جيل الصحابة قد حاز في مجمله أحسن الصفات وتمثل أحسن التمثل للمنهج القرآني والنبوي، إلا إنه لم يكن تماميا خالصا  بالدرجة التي وصفه بها المؤلف، فضلا عن أن الطموح بتنشئة جيل علي قد وتمام جيل الصحابة يبدو تكليفا بما لا يُطاق وتحميلا للأمور فوق قدرتها وزمنهاوواقعها ، خاصة مع الإقرار بأن الأجيال التي جاءت من بعد جيل الصحابة قد تلوثت مصادر معرفتها وتشوهت ففقدت بوصلتها ودورها.

‎5- العزلة الشعورية

التمركز حول نقطة بدء الدعوة الإسلامية وظهورها في مكة، بحيث يبدأ المؤلف من تلك النقطة ثم يعود إليها، بل إنه لا يبدو كمن لا يريد  مغادرتها أبدا.

إنه يتحدث عن المسلم الذي عاصر بعثة النبي صلي الله عليه وسلم وكيف تحول بعد إسلامه وأصبح إنسانا جديدا، ولا يتحدث عن المسلم المعاصر في زماننا نحن أو في زمن الخمسينيات  والستينيات الذي وصفه هو نفسه بقوله: “هناك عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله  وروابطه الاجتماعية “.

كان قطب يراوح هناك ولم يكن حاضرا هنا، وكأنها هجرة في الزمان  للنقطة التي كان يحلم أن يكون فيها مخاصما للنقطة التي يواجهها ويعيشها في مجتمعه وزمنه .

6- الجاهلية الجديدة

اتخاذ المؤلف للحظة بدء الرسالة وعالمها أساسا جعله يري نفسه والتنظيم الذي يحمل عبء الرسالة لإعادة بعث الأمة من جديد هم وحدهم المسلمون وبقية الأمة والناس والخلق من حولهم مقطوعي الصلة بالإسلام حتي لو ادعو ذلك وكانت شهادات ميلادهم تقول ذلك ،،” ينبغي أن يكون مفهوما لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين يجب أن يدعوهم أولا إلي اعتناق العقيدة حتي لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون ،، يجب أن يعلموهم أن الإسلام  هو إقرار عقيدة لا إله إلا الله بمدلولها الحقيقي وهي رد الحاكمية لله في أمرهم كله ،، ومن هنا لم تكن التفاتة المؤلف إلي الحكام فقط وإنما إلي المجتمعات أيضا التي اعتبرها ملوثة بالجاهلية ونزع علاقتها بالله واعتبرها متورطة في الكفر والشرك لعدم ذهابها إلي حيث يريد في قضايا الحاكمية  واغتصاب سلطان الله في التشريع والتنظيم والتعليم والإدارة والأفكار والتصورات ،، وهذا ما فتح الباب واسعا لمن جاء بعده للهجوم علي المجتمعات المسلمة والتطاول عليها بأوصاف الجاهلية والكفر والشرك والخروج من حظيرة الدين الإسلامي .

‎7- محورية التنظيم

المعالم في الحقيقة هو خطاب سياسي حركي ذات طابع أيديولوجي مقصود به التنظيم الذي تكون حول المؤلف في فترة ما قبل خروجه من السجن عام 1964،، وليس مقصودا به الأمة كلها ، وقد آمن المؤلف بضرورة وجود تنظيم يدفع اعن الحركة الذى والخطر وهي في سبيلها الدعوي كما حدث عام 1954م، ولذا تجد الكتاب  في أغلب صفحاته يتحدث عن التجمع العضوي الحركي المنظم والعصبة الموازية للمجتمع التي تستعلي عليه باعتباره وطنا ودارا للحرب لأنه لا يطبق الشريعة؛ بداية من السلطة الحاكمة حتى القوي الداعمة لها بما في ذلك الأزهر وعلماؤه وانتهاء بالمجتمع كله .

سيد قطب في عربة الترحيلات
سيد قطب في عربة الترحيلات

‎7- الاستعلاء: رؤية بلا أدوات

إن مهمتنا الأولي هي تغيير واقع هذا المجتمع الجاهلي ” كيف ؟ ننتظر إجابة من المؤلف فإذا هي: ” نستعلي علي المجتمع  الجاهلي وقيمه وتصوراته .. إننا وإياه علي مفرق طريق .. وسنلقي في هذا عنتاً ومشقة وستفرض علينا تضحيات باهظة ، والاستعلاء والتضحيات والمفارقة ليست طريق الأمة لاستعادة مجدها والانتصار في معاركها مع الجاهلية .. هذا (يؤسس) لما أطلقنا عليه ” الإسلام المواجه ” .. وهناك طرائق مختلفة للتعامل مع الواقع ومع المجتمع ومع الدولة الوطنية الحديثة وليس ذلك هو الخيار الوحيد .. ربما يكون خيارا مناسبا في الفترة المكية التي كانت فيها المساومة علي الإيمان والكفر .. أما في المجتمعات المعاصره المسلمة فإننا سوف نجد مدارس لمقاصد الشريعة وأخري تتحدث عن الترجيحات والاختيارات الفقهية، وسوف نجد حديثا عن المصالح والمفاسد  والموازنات والأولويات”.

ولكن قطب لم يذكر ولا تعبيرا واحدا من هذه التعبيرات، بينما استخدم تعبير الجاهلية والجاهلي في الكتاب أكثر من سبعين مرة ، بل إنه اعتبر مدارس الفقه في التعامل مع النوازل نوعاً من التكيف واليأس والتخاذل .

‎8- الحاكمية أساس العقيدة

رغم أهمية العقيدة وأنها أساس بناء الفرد والمجتمع المسلم، إلا أن المؤلف ضخم من مسألة العقيدة التي اعتبر جوهرها الحاكمية الإلهية وسلطانها في التشريع والقوانين والأحكام وأنها ثورة علي السلطان الأرضي والسلطات التي تحكم بشريعة لم يأذن بها الله، إنها ما ُعرف حديثا  بتوحيد الحاكمية. ولا يكاد المؤلف يشير إلي قضايا العقيدة في المباحث التقليدية للعلماء السابقين حول ” الأسماء والصفات ” وقضايا ” الربوبية ” وحتي مسألة الألوهية لا يمسها إلا مسا خفيفا، إنه يركز جهده كله في الحديث عن الحاكمية ، وينتقد ما أطلق عليه علم التوحيد أو اللاهوت، و إشارتنا هنا للتنبيه علي تضخيم قضايا العقيدة في العقل المسلم المعاصر بحيث تمددت في كل مباحث الفقه الإسلامي خاصة القضايا المتغيرة المتصلة بالنظم السياسية المعاصرة، وأغلب من تأثروا بالمؤلف كانوا معادين لحق الشعوب في أن تكون مصدرا للسلطات ظنا منهم أن ذلك يناقض مفهوم الحاكمية .

‎9- القطيعة مع الدولة والمجتمع

يدعو المؤلف تنظيمه إلي الاستقلال الكامل عما أطلق عليه الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلا ، فإن وجودهم علي هذا النحو مهما كثر عددهم لا يمكن أن يؤدي إلي وجود فعلي للإسلام لأن الأفراد المسلمين نظريا الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرين حتما للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية، أي أن الأفراد المسلمين نظريا سيظلون يقومون فعلا بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون نظريا لإزالته، وسيظلون خلايا حية في كيانه  تمده بعناصر البقاء والامتداد بدلا من أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع المسلم.

شكري مصطفى وسيد قطب
شكري مصطفى .. أثر مباشر لأفكار قطب التكفيرية

وقد استند كثيرون ممن تأثروا بالكتاب في مطلع السبعينيات إلى هذه الفكرة، فحرموا العمل بالحكومة والجيش والتعليم. وفي التحقيقات مع شكري مصطفي زعيم جماعة ما أطلق عليه ” المسلمون ” أشار أكثر من مرة إلي سيد قطب ولا ريب أنه تأثر به، كما تأثرت به الحركات الجهادية في أفغانستان خاصة عبد الله عزام وأيمن الظواهري في مراحل متقدمة في الثمانينيات، ومؤخرا تأثر به أيضا قادة  تنظيم داعش حين اعتبروا أن المجتمعات المسلمة المعاصرة في غشاوة وردة تستوجب إعادة إدخالهم في الإسلام من جديد.

قتل المصريين في ليبيا على يد داعش .. سلسال دم بدايته عند قطب
قتل المصريين في ليبيا على يد داعش .. سلسال دم بدايته عند قطب

*أكاديمي مصري متخصص في العلوم السياسية والجماعات الإسلامية

الوسوم

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: