رؤى

المفاهيم المؤسسة للإسلام السياسي المتطرف.. «التمكين» «السيطرة على المؤسسات واحتكار الدين» (٣) 

يعني “التمكين”، بالنسبة لجماعة “الإخوان” نهاية لمرحلة يسمونها “الصبر” والوصول إلى العتبة التي تقع معها الدولة برمتها في قبضتهم، فيصادرون كل ما فيها لحساب فكرتهم، التي لا تصلح لإدارة دولة عصرية مدنية.

ولو كان هذا “التمكين” هو “مشروعاً وطنياً” متماسكاً وواضح المعالم وقائم على توظيف كل الطاقات والكفاءات الكامنة في الدولة والمجتمع في شتى التخصصات دون النظر إلى الاتجاه السياسي أو الإطار الأيديولوجي ما كانت هناك مشكلة، لكنه مجرد حلم عابر لتنظيم يصر على إدارة الدولة بطريقة سرية، ويوظف كل إمكانياتها لخدمة فصيل واحد، بما يضع الدولة الوطنية في مهب الريح من جديد.

في عام 1991 ضبطت أجهزة الأمن المصرية وثيقة تسمى “خطة التمكين” مكونة من ثلاثة عشر صفحة في مكتب القيادي الإخواني خيرت الشاطر، الذي كان يعد المرشد الحقيقي للإخوان، ومثلت أحد الوثائق الأساسية في ما عرفت بقضية “سلسبيل” عام 1992. تتحدث الوثيقة عن التغلغل فى قطاعات الطلاب والعمال والمهنيين ورجال الأعمال ومؤسسات الدولة مثل الجيش والشرطة والإعلام والقضاء والأزهر والأوقاف والنقابات المهنية والتجمعات العائلية والقبلية والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان والأحزاب السياسية وجماعات الضغط.

وركزت هذه الوثيقة على ضرورة التغلغل فى المناطق والفئات الشعبية، من أجل تعزيز فرص الجماعة فى عملية التمكين وبما يجعل مواجهة الدولة مع الجماعة أكثر تعقيداً وأصعب فى الحسابات، من خلال الاحتواء وتوظيف الأجهزة والمؤسسات الرسمية فى تحقيق أهداف الإخوان، مع إشعار أهل الحكم أن الإخوان لا يشكلون خطراً عليهم، وأنهم لا يسعون إلى الحكم، ومد جسور الود مع الكتاب والباحثين والمفكرين الذين يبدون أي قدر من التعاطف مع الإخوان، مع رفع قدرة العناصر الإخوانية على التأثير في المجتمع بغية استمالة الناس، باعتبار أن هذا يمثل جوهر التمكين، أو يفتح الطريق لما أسموه “فتح مصر”.

لقد اعتقد الإخوان أن وقت التمكين قد أزف حين جلسوا ليرتبوا أوراقهم عقب تنحي مبارك عن السلطة، خاصة على ضوء ضعف القوى الحزبية، وتبعثر القوى الثورية المدنية، وانطلاء خطاب الإخوان العاطفي، الذي يستغل تأثير الدين على قطاع من الجماهير لا يستهان به، ووجود أطراف خارجية كان يروق لها وصول الإخوان إلى الحكم.

عدد من جريدة المصور اثناء قضية سلسبيل
عدد من جريدة المصور اثناء قضية سلسبيل

واتخذ  الإخوان من مصر محطة انطلاق نحو تحقيق ما يسمونها “أستاذية العالم“، وهي مسألة ليس لها أدنى علاقة بما يريده المصريون، وسخروا إمكانات الدولة لخدمته، وكأن مشروع الدولة ومستقبله انحبس في هذا الدرب، بينما اختفت كل الدروب الأخرى، وماتت كل البدائل، متوهمين أن اكتمال تمكينهم أمر حتمي، وأن كل الأمور قد  ترتبت بما يجعل الوصول لهدف التمكين تحصيل حاصل، وأن مكتب الإرشاد ومعه أهل محمد مرسي وعشيرته سيتحكمون في كل شيء، بعد زرع عناصر الجماعة في مؤسسات الدولة كافة، وتغيير المجال العام بالقدر الذي يتناسب مع مصالح الجماعة، ويضمن استمرارها في الحكم أطول فترة ممكنة دون اعتبار للإنجاز والكفاءة والشرعية، معتبرين أن إعلان فوز مرشحهم في الانتخابات الرئاسية قد أعطاهم صكاً على بياض يفعلون به ما شاءوا، ويصادرون بشتى الطرق إمكانية أن يتغير هذا الرأى، الذي هو في الأساس حق للشعب مصدر السلطات وصاحب الإرادة الأصيلة.

أدى شعور الإخوان بأن لحظة التمكين قد حانت إلى تنشيط اتصالات المرشد العام للجماعة ومكتب الإرشاد مع فروع الجماعة في مختلف البلدان العربية، مطالبين إياهم بالتحرك في سبيل الضغط على السلطات الموجودة في مصر آنذاك، فتبدل كلامهم وتصرفاتهم، وأظهروا وجوههم الحقيقية التي أخفوها طيلة زمن اعتبروه “سنوات الصبر والاستضعاف”.

وقد بينت وثيقة “فتح مصر” التي تجسد مشروع تمكين الإخوان أن  تصفية كل الجماعات الإسلامية الأخرى والعمل على أن يظهر الإخوان أمام الناس فى صورة من يمثل الإسلام وحدهم دون غيره ، هو هدف أساسي، رافضين أي تعددية في الساحة الدينية. وتقول الوثيقة صراحة: “ينبغى علينا أن ندرك وجوب تصفية أى تيار إسلامى آخر؛ إما بضمه أو تفريغه أو احتوائه مع عدم استعجال النتائج. كما يجب أن ندرك أهمية أن نظهر أمام الناس فى صورة من يمثل الإسلام”.

ويبدو حديث الإخوان عن التمكين غريباً عما اعتاد عليه المصلحون المسلمون الذين تحدثوا عن “الإصلاح” وإن اختلفوا حول الزمن الذي يستغرقه. والمثل البارز لهذا هو جمال الدين الأفغاني الذي كان يريد الحصول على الإصلاح في التو، شرط العمل من أجل بلوغه، بينما كان الإمام محمد عبده يرى أن الإصلاح عملية متدرجة، تتحقق بعد مدة، ويجب أن يشارك فيها الناس، من أجل مصالحهم جميعا، وليس لصالح جماعة أو فئة صغيرة منهم، كما يريد الإخوان.

ويختلف مفهوم التمكين في القرآن عن ذلك الذي تبنته جماعة الإخوان، فالقرآن يجعل من الله تعالى هو المُمكن، وليست خطط المرشد، ويميز بين  صيغة التمكين في الشيء، وصيغة تمكين الشيء، ويجعل التمكين للدين والسلطة والمال في يد نبي مرسل، حيث يقول الله تعالى: “إنّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْاَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً” ويقول: “أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الاَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الاَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ”.

التمكين في القرآن
التمكين في القرآن

ويتحدث القرآن عن تمكين سائر البشر من استغلال ما في الأرض، وليس تمكين فئة فقط سواء الإخوان أو غيرهم، حيث يقول الله تعالى: “وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ” وقوله أيضا: “وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ”.

وحين تحدث القرآن عن فئة فقد وصفهم بالمؤمنين، حيث يقول الله تعالى: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي اِرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً”، وتفسير الآية بعيد تماما عن أن تكون قاصدة لجماعة تزعم بنفسها أنها هي من يجب تمكينها، لأن الحكم على إيمان الناس من عدمه بيد الله وحده في صحيح الإسلام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: