رؤى

الإخوان وقراءتهم الانتقائية لتاريخ الإسلام

لدى الإخوان كما هو لدى كل التيارات الإسلامية الحركية سرديتها الخاصة للتاريخ الإسلامي والبشري، تنظر للتاريخ باعتباره سيرورة هابطة جريا مع تعسف في فهم الحديث الشريف “خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم” إلى آخر الحديث، في الدلالة على القرون الثلاثة التى أعقبت بعثته صلى الله عليه وسلم.

يحرص الإخوان على إضفاء قدر من القداسة على تاريخ المسلمين وتكريس حالة من حالات التطابق فى وعي أفرادها بين الإسلام كدين يتضمن قيما مطلقة، والتاريخ الذي يبقى نسبيا اقترابا وابتعادا عن حقائق هذا الدين المطلقة، فالتاريخ لدى الإخوان أداة تعبئة للأفراد والمجتمعات باتجاه مشروع الجماعة، تسوق من خلاله نظريات الجماعة وقطعياتها الخاصة، التي تنطوى على قراءة خاصة للتاريخ تبدو انتقائية ومغرضة إلى حد بعيد.

تنطلق رواية الإخوان للتاريخ من قناعة تعتبر أن صراعات البشر على الأرض أو حالة التدافع التى جعلها الله سنة من سننه الكونية، هى محض صراع بين الحق والباطل وأن الله اصطفى هذه الجماعة لتكمل ما بدأته جماعة المسلمين على مدار التاريخ، من قيام بالمهمة التاريخية فى نصرة الحق والعدل وتحرير الإنسان من الجور.

تختزل الجماعة سنة التدافع في مساحة ضيقة على مقاسها، فتجعل الصراع بين فريقين: حق هم دائما إلى جانبه، وباطل يتشاركه كل من لا يشاركهم التصور والفعل. لا تعدم الجماعة الحيلة فى اللجوء إلى تفسير بعض آيات الكتاب الكريم، فيما رواه لنا القرآن عن أحوال الأنبياء مع أممهم وتجربتهم، لتحاول حشر نفسها كجماعة مختارة اختارها الله لتكمل ما بدأه الأنبياء والمرسلون.

تأمل ما يقوله حسن البنا فى رسائله “وإنك لتقرأ الآية الكريمة فى أول سورة القصص (طسم، تلك آيات الكتاب المبين، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون، إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، إنه كان من المفسدين، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم الأئمة ونجعلهم الوارثين”.. ثم يقول: تقرأ هذه الآية الكريمة فترى كيف يطغى الباطل في صولته ويعتز بقوته ويطمئن إلى جبروته، يغفل عن عين الحق التي ترقبه حتى إذا فرح بما أوتي أخذه أخذ عزيز مقتدر، أبت إرادة الله إلا أن تنتصر للمظلومين. ثم يردف قائلا بعد أن يسأل متى يتفقه المسلمون فى كتاب الله؟ مردفا لمثل هذا يا أخى وهو كثير في دين الله، لم ييأس الإخوان المسلمون من أن ينزل نصر الله على هذه الأمم، برغم مايبدو من عقبات، وعلى ضوء هذا الأمل يعملون عمل الآمل المجد والله المستعان”.

الجماعة هنا وفقا لهذا الإسقاط هي التي اصطفاها الله لنصرة المبادئ والقيم في مواجهة الباطل الذي يحارب تلك القيم ويعاديها.

البشر هنا ليسوا جماعات تتدافع بقدر ما تحمل من نوازع الخير والشر وما تتقمصه من هدي السماء أو طين الأرض، بل جماعة واحدة تتعدد طبعاتها فى التاريخ الإسلامي فى مواجهة معسكر الشر. تبدو مفردة “المعسكر” مفردة أثيرة لدى حسن البنا في توصيف كل من لا يشاركه التصور، فالعلمانيون معسكر والاستعمار معسكر، وهكذا.

في رسالة حسن البنا “بين الأمس واليوم” وتحت عنوان عوامل التحلل في كيان الدولة الإسلامية، يعدد بعض العوامل، لفتني منها ما أسماه الخلافات السياسية والعصبية وتنازع الرياسة والجاه، مع التحذير الشديد الذي جاء به الإسلام في ذلك والتزهيد في الإمارة، ولفت النظر إلى هذه الناحية التي سماها سوس الأمم ومحطمة الشعوب والدول، فهل أفادت الجماعة من تلك النصيحة؟ وهل أفاد البنا نفسه من ذلك حين تحول من مربع الدعوة إلى مربع السياسة والحكم، فأطلق أكبر خطة إشغال لأجيال كاملة بعيدا عن القضية الوطنية، وكرس حالة انقطاع معرفي وسياسي واجتماعي عبر تنظيمه فى مواجهة المجتمع.

ثم يطرح عاملا آخر أسماه إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية، وصرف الأوقات وتضييع الجهود فى فلسفات نظرية عقيمة وعلوم خيالية سقيمة. بطبيعة الحال لم يحرص الإخوان ولا البنا على إعمال العقل أو الاقتراب من العلوم الطبيعية، ففكرة التنظيم العسكري لا ترحب ولا تقبل فكرة إعمال عقل أحد سوى عقل القيادة فيما حددته فقط من أهداف.

التاريخ لدى البنا هو مؤامرة الجميع على الأمة الإسلامية التي تخاذل بنوها عن مواجهة تلك المؤامرة، ولم يبق لها سوى الإخوان الذين سيتصدون لمحاولات القضاء على الأمة، ولم يكن التاريخ لديه سوى سجل لتلك المحاولات لهزيمتها واختراق بنيتها التي أفرزت انتصارا ساحقا للغرب بمبادئه، مقدما جماعته باعتبارها دعوة البعث والإنقاذ التي تستعيد هذا المجد، الموهوم فى الحقيقة.

يحرص البنا على إضفاء قدر كبير من الخيرية والقداسة على تاريخ المسلمين، حتى على المشاهد الملتبسة فيه، خصوصا الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية، التي يردع وعي الإخوان عن دراستها وتأملها لأنها ستقود الأفهام إلى غير مايريد، فيقول “فى أصل من الأصول العشرين لركن الفهم، المنظار الذي ينظر به الإخوان للدين وللتاريخ: “وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعا، من ذلك كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع والخوض في معاني الآيات القرآنية التي لم يصل إليها العلم بعد، والكلام في المفاضلة بين الصحابة رضوان الله عليهم وما شجر بينهم من خلاف، ولكل منهم فضل صحبته وجزاء نيته وفي التأويل مندوحة”.

عضو الإخوان ممنوع من دراسة التاريخ بتجرد أو إعمال عقله في وقائعه، فذلك يقوده إلى أرضية تمنعه من الانخراط في التنظيم وخضوعه لأفكاره ومشروعه. من ثم، وضع البنا هذا الكابح ضمن كوابح أخرى تختار من التاريخ ما يدعم منطقه الخاص ومنطق جماعته، التي التفت على حقائق الدين لتصنع حقائقه الخاصة المختارة، فهي الجماعة المختارة كما تصف وتعتقد في نفسها.

الوسوم

أحمد بان

كاتب و باحث مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق